الرئيسية | الوطن العربي | يسرا محمد سلامة ـ ما طار طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع

يسرا محمد سلامة ـ ما طار طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. يسرا محمد سلامة 
 
 
التفوق في معناه العام ليس بالضرورة أنْ يكون دراسيًا، فكم من امرئٍ لم يكن في يومٍ ما متفوقًا في دراسته، ثم أصبح فيما بعد نابغًا في تخصصه، أفاد بلده على الصعيدين المحلي والدولي، ولمع اسمه بشكل بارز في الأوساط المختلفة، المهم أنه قام بتعلم ما يُفيده في مُستقبله العملي الذي يُحبه فأثمر ذلك شخصية رائعة تحاكى بها الجميع.
عندما يتخرج الطالب من الجامعة يفكر في اتجاهين لمستقبله، إما الدخول مباشرة في مُعترك الحياة العملية والبحث عن وظيفة تتناسب مع مؤهله، أو لا تتناسب لا يُهم طالما ستكون مصدر رزق جيد له يُعينه على تكوين مستقبله، وإما التريث قليلاً والبدء في تكملة دراساته العليا؛ ليقوم بتحسين وضعه الوظيفي أو لحبه الشديد في العلم، وسعيه للنهل منه للمدى الذي يريده، ولا أُخفي سرًا حين أقول أنَّ الهدف من الدراسات العليا في معظمه يتجه نحو السبب الأول، ألا وهو تحسين الوضع الوظيفي؛ لأنَّ الشباب – الرجال - همهم الأول والوحيد تقريبًا الحصول على وظيفة محترمة تصلح كواجهة اجتماعية.
والنوع الثاني الذي يجتهد حُبًا في العلم لا من أجل مصلحة أخرى هو من يُعاني في مصرنا العزيزة؛ لأنهم – للأسف – ليسوا بالكثيرين، فمعظم الباحثين أو الباحثات في وقتنا الحالي يسعون / يسعن إلى اللقب فقط (دكتور)، ومن أجله يقومون بعمل أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، مثل تصميمهم على مُناداة الجميع لهم بدكتور – من قبل حصولهم على الدكتوراه، ويتعمدون كتابة ذلك على ما يقدمونه من إنتاج – يصفونه هم بأنه إنتاج علمي – إلا أنه في حقيقة الأمر إنتاج تجاري لا يمت للعلم بصلة لا من قريب ولا من بعيد، أو أنه إنتاج "مسروق" من أشخاص أُخر على قدر كبير من العلم، يستغلونهم من أجل تأليف كتاب أو رسالة علمية دون تبليغ هؤلاء العلماء بحقيقة نواياهم فيتفاجئون بتقديمهم لأعمال أُخذت مادتها العلمية منهم، فكيف يحدث ذلك؟!!
وهؤلاء أيضًا – الذين لا يستحقون أن يوصفوا بكلمة باحث من الأساس – يُلصقون بأنفسهم ألقاب هم أبعد ما يكونوا عنها، مثل لقب عضو اتحاد كذا ... وهذا الاتحاد مثلا لا يقبل بمثلهم إلا بعد حصوله على الدكتوراه، أو أنه ينشر بين ذويه من باحثي الجامعات الأخرى أنه مدرس مساعد في جامعته، وبالطبع هو ليس في هذا المنصب أصلا، وقد يذهب إلى أن يكذب الكذبة ويُصدقها! حين يتوهم أنه قام بعملٍ علمي استحق عليه جائزة ما، وهو لم يستحقها ويعلم بينه وبين نفسه ذلك لكنه يتوهم العكس فيقوم بالجهر بذلك على الملأ، أنه صاحب الجائزة واستحقها، وهكذا .... وفي هذه الحالة "الميئوس منها"، يصبح البحث العلمي بالنسبة لهم مهنة احتيال ونصب على الجميع.
مشكلة هؤلاء الباحثين أنهم يأخذون في أرجلهم – كما يقول المثل الشعبي "بياخد في الرجلين" الباحثين الجادين المحترمين، الذين لا يقبلون بمثل هذه الأفعال أو التصرفات، وقد يُلصقون هذه التهمة البشعة على جامعاتهم الموقرة وهي بُراء منهم، والكارثة الأكبر أنهم مستمرون في تصرفاتهم المشينة هذه دون أنْ يوقفهم أحد، وإلا لكانوا توقفوا فورًا عن أفعالهم تلك، فما الحل مع هؤلاء الذين يتخذون من العلم "سبوبة"، أو اقتحموا المجال لمجرد إحساسهم بالنقص فأرادوا لفت الأنظار لهم، والحصول على أشياء ذات قيمة لا يستحقونها على الإطلاق.
وأقول لمثل هؤلاء "الوقحين"، ما طارَ طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع، ونهايتكم معروفة تمامًا طال الوقت أم قصر، فلا يصح إلا الصحيح، وأن تكون من ورثة الأنبياء ليس بالأمر السهل، فعليك أنْ تتعب وتسعى كثيرًا كثيرًا؛ لكي تحظى بهذا الشرف الذي ليس بعده شرف، فليس كل طالب علم نواياه مرتبطة بالعلم حقًا، وليس كل من يكتب "مؤلف" على كتابه يُطلق عليه عالم، ارتقوا يرحمكم الله فالقاع ازدحم بكم 

عضو اتحاد المؤرخين العرب
عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية 

شوهد المقال 560 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ ويوم يعض الناخب على يديه .. ويقول يا ليتني لو اتخذت مع الشعب سبيلا ..

 د. العربي فرحاتي  انتخبوا أو لا تنتخبوا ..قبلتم بهؤلاء الخمس أم لم تقبلوا ..هم من العصابة أم من غير العصابة لا يهم ..هم من أحزاب
image

مخلوف عامر ـ عز الدين ميهوبي تَحْيا السلطة، يموت الشعر

د. مخلوف عامر  غَرضُ المدح شائع في الأدب العربي ما جعل كثيراً من الدارسين يعدُّونه صفحة سوداء في تاريخ هذا الأدب.لكن الشعراء يتفاوتون في
image

حميد بوحبيب ـ ضرورة التفكير فيما بعد 12 دوجمبر

د. حميد بوحبيب  التركيز المطلق على ضرورة إفشال الانتخابات وكأنه المطلب الجوهري الوحيد للحراك ، قد يؤدي بنا إلى خيبة كبيرة بعد 12 دوجمبر .علينا جميعا
image

ناصر جابي ـ لماذا لن أشارك في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

 د. ناصر جابي   لن أكون الوحيد الذي لن يشارك في هذه الانتخابات ـ اللغم التي دعت إليها السلطة في الجزائر. الكثير جدا من الجزائريين
image

رضوان بوجمعة ـ سلطة ضد الدولة وأمة تقاوم تفكيك الدولة!

 د. رضوان بوجمعة الجزائر الجديدة 140 تعيش الجزائر في هذه الأيام حربا نفسية منظمة تستخدم كل الوسائل والأدوات لفرض اقتراع مرفوض شعبيا ويراد فرضه أمنيا
image

يسين بوغازي ـ من الطغم الكلاسيكية الى طغم ما بعد الحراك؟

يسين بوغازي  ليس سهلا  هذا التناول على الاطلاق ، لكني سأخوض فيه مستعينا بتحولات جديدة للكثير من المفاهيم  التي غدت تنطبق على كيانات لم
image

محمد هناد ـ بعد 12/12، لن تقوم الساعة ! سلمية... سلمية ! حذار من اعتراض سبيل من أراد التصويت !

 د. محمد هناد    إن جرت الانتخابات كما هو مقرَّر لها، ستكون نسبة المشاركة فيها مخزية، لكن أبواق السلطة قد بدأت تستعد للرد على
image

ستار سامي بغدادي ـ ايران مستمرة في اذية العراق

ستار سامي بغدادي   ليس في ثقافتي شيءّ من الكراهية صديقتي ، لم تُعلمني إياها أمي ، ولم يكن أبي يسمح بذكرها فنسيتها تماماً ..الحب وحده
image

نجيب بلحيمر ـ وحدها السلمية ستقبر نظام العنف

نجيب بلحيمر  كثير من الدروس تتهاطل علينا هذه الأيام، يدور معظمها حول حرية الرأي، والديمقراطية، ونبذ العنف، أما المناسبة فهي تصاعد أشكال الرفض
image

نهاد مرنيز ـ الصحافة الجزائرية هي صحافة "قُروب الساعة"

 نهاد مرنيز   الصحافة الجزائرية هي صحافة "قُروب الساعة" بامتياز كما سماها زميلي محمد دلومي ...لا تُفرق بين قراءة أسئلة جاهزة من ورقة يُكرر ترديدها

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats