الرئيسية | الوطن العربي | عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون 3

عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون 3

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عماد البليك

البدايات.. ثورة أركاماني:

 

بالعودة إلى جذور التاريخ السوداني وإلى أول الممالك القديمة في السودان الشمالي، قبل الميلاد، سوف نجد أن الكهنة في العهد المروي مارسوا نوعاً من التدليس بإخفاء الحقائق عن عامة الناس، وبغض النظر عن الطريقة التي قام بها هذا الأمر، إلا أن التفسير الواضح لها هو أن السلطة الدينية أو الفكرية السائدة في المجتمع كانت ترغب دائما في إخفاء الحقائق وبالتالي قيام نوع من التعمية التي تفرض من خلالها شكلاً معيناً للوجود الإنساني يساعدها بدرجة معينة في توطيد نفوذها لأطول مدى زمني ممكن.
وقد كان الملك في العصر المروي يعين بناء على توصية الإله التي يتحكم فيها هؤلاء الكهنة، وهم أنفسهم الذين يقومون بعملية نزع الإله بل إنهاء حياته عبر ما يعرف بالقتل الطقوسي للملوك الذي يظل ظاهرة غريبة وتتطلب الدراسة في إطارها التاريخي، لكنها تكشف أن الطبقة المتنورة – شكلياً – الكهنة هم صناع الفكر وهم الذين يقررون حتى بشأن الملك، إلى أن قام الملك النوبي أسبلتا وأيضا أركاماني "أرقمانيس" – بشكل أوضح – (حكم 270 - 260 ق.م)، بالثورة على هذا الفعل الدنيوي، ليتم تحرير السلطة من الغيب والارتباط بالتعيين الإلهي، وحيث زعم كل منهما أن الإله لم يقضّ بقتله بل فسّر ذلك بناء على تآمر الكهنة ورجالات المعبد الذين كانت كلمتهم مسموعة في المجتمع المروي القديم .

 

 

ويمكن الإشارة هنا إلى الملك أركاماني بوصفه أول من حرر السلطة من هذا التلاصق بين الغيبي والموضوعي والواقعي، وسوف نلاحظ هنا أن التحرير أو الفكر الجديد جاء من السلطة نفسها ولم يأت من الطبقة التحتية في المجتمع، وربما أن طبيعة المجتمع نفسه في تلك الممالك القديمة قبل الميلاد، تفرض ذلك، حيث لم يكن ثمة طبقة وسطى كما في المجتمعات الحديثة تتحرك من خلالها أبنية إنتاج أنظمة الفكر الجديد.
وإذا ما تعاملنا مع المنظور الفكري للأمر فسوف ندرك أن أركاماني استطاع أن يستفيد من الاحتكاك بالثقافات الأخرى كاليونانية وغيرها في سبيل أن يشكل رؤية متجردة ومنفصلة عن واقع متوارث في المملكة، بحيث غيّر حتى الإله المعبود عند الناس، ونقلهم لعبادة جديدة غير آمون الذي كان سائداً وهو إله وافد في الأساس من مصر، رغم أن بعض القراءات تقرأ تاريخ المنطقة بوصفه منظومة واحدة، لكن رغم ذلك ثمة فروقات واضحة وجلية تميز التاريخ النوبي والمروي في السودان والتاريخ المصري الفرعوني القديم.
الخلاصة في أن الفكر الجديد الذي جاء به أركاماني ثورة؛ سواء على الاستلاب الخارجي المصري، في العبادة، أو الاستلاب الداخلي في كهنوت الكهنة الذي يمكن أن يؤدي بحياته هو نفسه كملك، كل ذلك كان نوعاً من المقاومة العارفة التي أتت أكلها، وأن فكره حتى لو أنه حورب وطورد في البداية من قبل الكهنة إلا أنه انتصر في نهاية المطاف لحيثيات تاريخية عديدة تتطلب البحث، نأخذ منها بحقيقة أن السلطة لها دور في تأكيد الفكر وبسطة بدرجة أقوى من المجتمع والأفراد الذين تضعف لديهم آلة السيطرة والقوة. وأنه في لحظة ما يمكن للسلطة بالقوة أن تتحرر حتى من هيمنة العقل العقائدي أو الأفكار السائدة في الذهن الجمعي التي يعمل على نسجيها رجالات الدين أو العقائديون أو أصحاب الفكر المهيمن في الدولة.
هذه المقاربات التاريخية قد لا تكون ذات صلة مباشرة بما يجري اليوم في الراهن التاريخي المعاصر، لكنها تفيد في سبيل فهم أنساق الذات عبر تبلورها العميق، كيف لثورة ملكية ذات يوم استطاعت أن تغير في الحياة الاجتماعية بل تنعكس بأثر إيجابي واضح من حيث بناء الخصوصية الذاتية، حيث معروف أن عهد أركاماني رغم قصره شهد تحولات عميقة وإصلاحات في الدولة في البنى الاقتصادية والسياسية بل العقيدة وهي أوضح مثال على تغير الفكر، بل أن هذا العهد شهد بداية ظهور كتابة محلية عرفت بالكتابة المروية منفصلة عن الهيروغليفية المصرية.
من هنا يتضح أثر الأفكار في التغيير، خاصة إذا ما جاءت مصادمة وقوية وثائرة على الإرث التاريخي ولكن ببعد يمكن أن يتم تقبله اجتماعياً، أي أنها ذات سياق عقلاني وليست أفكاراً يوتوبية، وإن كانت الأخيرة يمكن أن تسود بحكم السيف وسطوة الصولجان وبطشه. لكن الوعي المنطقي للتاريخي يتطلب أن نفهم أن ما قام به أركاماني هو تتويج لحقبة من الكفاح الفكري أو الفكر المطارد الذي تتوج عنده، فليس من المنطقي أن تأتي الأفكار منبتة دون رفض مسبق تم على فترات متفاوتة إلى أن تم التحضير لثورة كبيرة على الكهنة والإرث الاستلابي في الفكر داخل المملكة المروية، بحيث كان عصر أركاماني هو بداية لنهضة جديدة عند المرويين بما في ذلك عبادة الإله الجديد الأسد أبادماك الذي أصبح رمزاً للأصالة السودانية، ورفض الرجعية والماضي، لدى المثقفين في العصر الحديث وحاول البعض إحياءه في جماعات ثقافية أو فكرية .

 

 

شوهد المقال 149 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ قناة المغاربية وحرب النظام الجزائري عليها ... صوت الحرية سينتصر

 د. العربي فرحاتي   طرب الملوثون بالديكتاتورية من الباديسيين والنوفمبريين والذباب الأكاديمي لحجب قناة المغاربية (قناة الشعب) على نايل سات..واعتبروه حدث جلل وانتصار لهم
image

سالم الأصيل ـ راهْنامَج أمجد المحسن

سالم الأصيل هَلْ يحتاج الدليل الى دليل؟ ظني أنّ في التدليل على من كان دليله شِعره تضليل، وتمجيد من كان مجده شعره
image

عثمان لحياني ـ المشكلة في الصندوق أم في الديمقراطية

عثمان لحياني  مشكلة الجزائريين مع النظام لم تكن مرتبطة بالانتخابات فحسب، والا لكانوا انتخبوا في أابريل أو يوليو، لأن تركيز السلطة واصرارها على الانتخابات
image

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر   بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات
image

نوري دريس ـ الحريات الدينية و صناعة الطوائف في سياق تاريخي....

د. نوري دريس   مثلما اقف ضد السلفية و الاحمدية و الشيعية و كل المذاهب الوافدة، انا ايضا ضد صناعة طوائف دينية جديدة  ، ما نعيشه منذ سنوات
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف
image

مروان لوناس ـ الحراك الجزائري ليس غوغائيا أو شعبويا

 مروان لوناس    البعض لم يبتلع أن يخرج الحراك في جمعته 34 صارخا ورافضا ومنددا بقانون المحروقات..فبدأ التشنيع والهمز واللمز في حق الحراك باسم الشعبوية
image

خالد لنوار ـ الحراك وقانون المحروقات الجزائري الجديد

خالد لنوار   بصفتي إطار في سوناطراك وعامل في مجال العقود والشؤون القانونية "Direction juridique et Contrats - Division Association "،مداخلتي ستكون فيما يخص قوانين المحروقات السابقة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats