الرئيسية | الوطن العربي | عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون .. هل هناك فكر سوداني؟ .. بحثاً عن الجذور

عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون .. هل هناك فكر سوداني؟ .. بحثاً عن الجذور

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 

عماد البليك

 

 

أولاً:
هل هناك فكر سوداني؟ ..
بحثاً عن الجذور

 

 

من خلال ما تمت سياقته في المقدمة السابقة، سوف نستخلص أن الفكر السوداني ظل يقوم على تلك الطبقات المتراكبة من العقائد المختلفة التي سكنته أو عبرت به واستقرت، أي ما بين العميق من تراثه الإنساني ما قبل الميلاد، والحديث منه الذي سوف يبدأ في المناظير العامة مع دخول الإسلام واللغة العربية وفق التصورات التي تمت إنتاجها حديثاً مع المد الإسلامي وحركات الإسلام السياسي.
وهذا أدى على المستوى السياسي بالتحديد إلى إنتاج الحركة المغايرة في ما يعرف بـ "حركات الهامش" التي كان بعضها يعمل على طابع اقتصادي أو وفق الرؤى الماركسية في حين أن البعض كان يعمل وفق المنظومة الدينية، العقائدية، في التهميش الديني، كما حصل بجنوب السودان، رغم أن هذه الحقيقة يصعب إثباتها بشكل مطلق.
لكن السنوات بعد 1989 بالتحديد عقب تولي الإسلاميون للسلطة شهدت احتدام الحرب في الجنوب التي حملت طابع الحرب العقائدية وتم تجييش الشعارات الإسلامية لها من قبيل الأناشيد والخطاب الديني الذي وظف كماً من الأساطير والمخيالات المتوارثة في الحلم والرؤى؛ واشتغل على ذلك بوصفه يمكن أن يؤثر على الذهنية العامة ذات البعد الأسطوري في الأساس، ونعني بالأسطورة هنا عدم القدرة على فرز الواقع والتاريخ الفعلي بناء على المنطق عن التاريخ المتخيل والسرديات التي تحاول أن تجعل للحياة معنى بغض النظر عن حقيقتة وقوعها.
لقد كانت حرب الإسلامويين في جنوب السودان غاية في الإكراه والجهل الذي جعل كل تاريخ السودان ينحشر في زاوية ضيقة من الخطاب العقائدي البحت، الذي أخذ يستحضر أناشيد أبن أبي رواحة، مثل: "أقسمت يا نفس لتنزلنه.. لتنزلن أو لتكرهن"، وحيث صار هذا الخطاب الشعري المتأجج في الصدور لشباب تم اقتيادهم لساحات المعارك مع توظيف الأحلام حيث باتت رؤية النبي في الحلم شيئاً عادياً في خنادق الحرب، وأصبح "المجاهدون" يرون الصحابة يتجولون بينهم، كل ذلك لم يعد من أساطير بل واقع يعيشه أولئك الشباب المجذوبين.
وكلمة "المجذوب" تستخدم كاسم في السودان للذكر، وتشير إلى حالة من الجذب الصوفي الذي يصبح فيه الشخص داخل الحالة العميقة التي تخرجه من الزمكان، بعد أن يكون قد ذاب في حب مولاه الخالق المتعالي، وهنا يحدث "الجذب" بذلك التنويم المغناطيسي الحي الذي يجعل هؤلاء الشباب يفقدون أي صلة بالواقع السياسي الحقيقي في الخرطوم حيث كان للسلطة أن تمتد نحو تأطير ذاتها ونسج أنظمتها الاقتصادية وخطابها المتأجج بالكراهية لكل ما هو خارجها من قيم وأنساق.
ومن ثم تمّ تشكيل مفردة "ِشهيد" و"شهداء" لتوصيف الذين يفقدون حياتهم في المعارك أمام أخوتهم من أبناء الجنوب السوداني، في حرب انتهت بالسلام الشكلي والتوافق ثم الانفصال واستقلال الجنوب، لكن قبل ذلك كان حجم التمزيق هائلاً ليس على مستوى أبناء الجنوب فحسب، بل بعمق أيضا في أبناء الشمال، فالجيل الجديد كثير منهم وجد نفسه داخل هذه المنظومة من القيم المتوهمة التي أُثرت عليه شاء أم أبي، بحيث زجّ به في متاهة المخيال والأحلام وهو الأمر الذي صعب اقتلاعه إلى اليوم.
هذه "المتاهة" والإفرازات الجمعية ليست وليدة لحظتها، ففي الطبقات السرية وغير المرئية والمدروسة من بناء المجتمع السوداني بغض النظر عن ما سبقت إليه الإشارة من تعقيدات دراسة هذا المجتمع لغياب تعريف واضح له، من حيث فرضيات الهوية والتحييز الزمكاني، وراء هذه الطبقات يمكن ملاحظة كيف أن ما تكلل من سوء المآلات كان يشتعل ببطء وينخر في الجسد الاجتماعي عبر تاريخ طويل، وحيث لم يستفد السودان من حراك المكان وموقعه الأوسط في تكييف حالة من الوعي المتغير والمتجدد، لقد كان السودان بدرجة ما حاضنة للحضارات والتراث العابر لأرضه لكنه في الوقت نفسه، كان يتعامل مع هذا التراث مرات بشيء من الحذر أو المخيال المحلي، لتكون النتيجة إما ردة فعل عليه أو احتضان قوي ومغيّب والحالة الأخيرة حصلت مع التراث الإسلامي والعروبي في الشمال والوسط.
وبهذا فإنه عندما يطرح السؤال، هل هناك فكر سوداني، فإن هذا الاستفهام الكبير لا يتعلق باللحظة الراهنة، بل بجدل عميق وبعيد في التاريخ وليس اللحظة، بمعنى هل كان لدى المجتمع السوداني ذات يوم ذلك الاستعداد لإنتاج أفكاره الذاتية بعيداً عن الاستلاب والمتحرك عبر المكان وفرضيات التاريخ؟ هل كان ذلك المجتمع يعي ما يمكن أن يولده من أفكار من خلال ما تفعله مجتمعات النحل على سبيل المثال من أخذ الرحيق ولفظ السموم وإنتاج العسل، أم أنه يمارس فعل الاجترار، هذه هي المشهدية الأكثر تعقيداً في مجملة مشهد أو مرآى الفكر السوداني؟!
الإجابة على هذه الأسئلة وعلى شاكلتها هو ما يفتح الطريق لوعي الذات والهوية بشكل أفضل، وفي الوقت نفسه هو الذي يحقق لنا ما نبحث عنه بشأن أين وجد الفكر المطارد ذات يوم وإلى أين انتهى بالضبط؟ وهل كان له من أثر في تشكيل حراك التجديد والتغيير في صناعة الأنسنة والحياة الكريمة أم لا، طالما أن الأفكار المطاردة وفق معناها العميق مفترض أن تفعل ذلك، إذ لا ننشغل هنا بالفكر المطارد في شكله السلبي أو الذي يسعى للتدمير والترهيب والقتل، وهذا لا ينطبق عليه من ناحية مبدئة مسمى "الفكر".. لأن كلمة فكر مفترض أنها تشير إلى التسامي والعقلنة والذهن التوليد الخلاق وليس المنغلق والغائب أو المغلق.
ولعل هذه الطريقة من التأُثر والاستلاب الثقافي وعدم القدرة على التوليد إلا في دائرة ما هو مجتر، هي التي حالت دون التطور أو القفزة الكبيرة في المجتمع، حتى أنه عندما يأتي فكرة مطارد أو مرفوض فإنه لا يأتي من خارج الأنساق الموجودة سلفاً أو قائمة فعلياً، أي مثلا أن الذين خرجوا على نواميس الفكر الديني أو حاولوا التغيير فيه هم اشتغلوا على المخيال الجمعي نفسه حذفاً وإضافة، دون أن يكونوا أصحاب توليد ذهني هائل وجديد بالمعنى التغييري العميق. لهذا فإن النقلات تتم في الإطار المرجعي نفسه بغض النظر إن كان وافداً مكتسباً أم أصيلاً، وهو الأمر المشكوك فيه. وليس من عيب في ذلك إذا ما تم أخذ الفكر وغربلته في نسيج حديث بمحاولته وعيه حقاً وإدغامه في حياة جديدة بعد أن يثبت كفاءته فعلياً أو يتم الاستغناء عنه إذا لم يثبت الأثر الإيجابي المتوقع أو الحاصل.
حتى على مستوى الأفكار الحديثة كالفكر الماركسي مثلا عندما دخل السودان لم يكن له أن يشتغل وفق مناظيم سودانية أو يعمل على التماهي مع طبقات الوعي الاجتماعي بعد أن يعيد تفسيرها وخلخلتها، بل حاول أن يوجد ذاته من خلال الفرض والإجبار بالطريقة نفسها التي أنتج بها في مجتمع السوفيت، أو كما يريده كارل ماركس ومن خلفوه، وهذا الإشكال قائم إلى اليوم تماما، فعلى جهتي اليمين واليسار في السودان، وعلى المستويات الفكرية والسياسية يوجد هذا "التطرف" والإرباك في الوعي ويوجد هذا الاستلاب الشديد، وفي كل الأحوال فكلا الطرفين هما نتاج الطبقات اللامرئية كما تمت الإشارة – من أنساق الحياة السودانية عبر القرون، وكيف تم التعامل مع الأفكار المستجدة والناطقة ما أثر على المشاعر والوجدان وبات كنتيجة حتمية ومؤكدةة إلى اليوم، قصاد أي فكر يرغب في البناء الجديد والتغيير الوثاب

 

شوهد المقال 573 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الاتصال في قصر المرادية.. من اللقاءات الدورية إلى الحوارات الفرنسية

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 182   الحوار الذي أجراه المسؤول الأول عن قصر المرادية مع قناة فرانس 24 الفرنسية عشية الاحتفال بالذكرى 58 لعيد الاستقلال،
image

اعتقال الدكتور فارس شرف الدين شكري في بسكرة الجزائر بسبب محاولته اعطاء حلول لانقاذ مدينته من جائحة كورونا

عين الوطن  الدكتور #فارس_شرف_الدين_شكري تم اعتقاله امس بسبب منشوراته على الفايسبوك حول كورونا وتفشيها، في #الجزائر لا تتحدث لا تناقش لا تهمس ببنت شفة ،
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats