الرئيسية | الوطن العربي | عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون : استهلال في فهم طبقات الفكر السوداني

عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون : استهلال في فهم طبقات الفكر السوداني

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

عماد البليك 
 

 

 

دائما كانت الأفكار هي التي تبني الأمم وتصعد بها، ودائما ما كان الفكر التغييري أو الجديد، خاصة إذا ما قام على المعرفة.. يقاوم من قبل المجتمعات حيث ينظر إليه بوصفه ضد نواميس السائد والمألوف، فالناس درجت على طاعة النظام والألفة وما اعتادوه، وهم لا يرحبون بأي مستجد يرون فيه تهديداً للأنظمة القديمة أو التقاليد المتوارثة أو يهدد السلطة الاجتماعية الماثلة والقائمة منذ زمن طويل. 
وهنا الفرق بين المجتمعات المتطورة والبدائية أو النامية التي يقاوم فيها المعنى الذي يحاول أن يضع تفسيرات وليدة للحياة والوجود، أو يعيد التفكير في المناظيم والقيم السائدة منذ أزمنة طويلة، وبهذا تكون المحصلات دائما هي الثبات والركون في مقابل التطور الذي يتحرك في أمكنة أخرى في العالم.
لكن ظاهرة الفكر المطارد أو المرفوض ليست حديثة ولا تقتصر على مكان أو بيئة بعينها، إذ أنها ظاهرة إنسانية قديمة قدم البشر على الكوكب، فالإنسان عبر تاريخه كان أسير المألوف ولا يحب بأي شكل أن يكسر ما اعتاده من نمط حياة، لعوامل كثير منها الخوف وعدم تشغيل الذهن وكذلك الخوف على المصالح وغيرها من الأسباب، ولنا في سيرة التاريخ الديني قصصاً جلية حول مقاومة الأنبياء والرسل وكذا الفلاسفة والمصلحين الذين لم ينسجوا تصوراتهم الجديدة للعالم والكون وكيف يمكن بناء مجتمعات مستقبلية، إلا بعد أن تمت مقاومتهم بشتى الصور.
والسودان ليست استثناء من ذلك، فقد ظلّ أرضاً متحركة بين تقاطعات للعالم القديم والجديد، حيث أنه يقع على الامتداد ما بين حزام الأراضي الشمالية في مصر وحضارات البحر المتوسط وبين العمق الأفريقي ما وراء الصحراء إلى حيث الأدغال الاستوائية والعالم الغيبي لأفريقيا التي ظلت مجهولة إلى وقت قريب. كذلك البعد الشرقي الممتد عبر البحر الأحمر إلى بلدان الجزيرة العربية إلى الهند والصين شرقاً.
هذه الوضعية جعلت السودان دائما في منطقة فكرية متحركة حتى لو أنها لم تدرس إلى اليوم بالشكل المستفيض في اكتشاف أبعادها وخصائصها التاريخية، ولهذا فإن التاريخ السوداني ظل غامضاً وغريباً حتى لأهله، في ظل غياب دراسات علمية حديثة وعميقة، تعيد اكتشاف المكان لأهله، وتفسره بناء على مواضعاته الحضارية والتاريخية والإنسانية.
إن غموض هذا التاريخ يجعل أي دراسات حوله، أو كتابه بخصوصه تبدو جديدة مهما كان شكلها أو قيمتها الفكرية، ولهذا فإن موضوع كالفكر وحركته في المنطقة السودانية، يظل وسيكون لمدى ليس قصيراً من الموضوعات التي تثير الجدل وتحرك الذهن نحو إعادة التفكير في المكان السوداني، من حيث البنائية التركيبة الجغرافية والتاريخية وقيمة المكان ودوره وما استقر به من أناس وأفكار عبر الزمن.
لقد درج المؤرخون على تحقيب التاريخ السوداني على حلقات مستلفة من الخارج، معتمدين على هوية السودان المتغيرة بناء على المعطى الخارجي، حيث أننا نجد فترة للحضارات القديمة الوثنية إلى المسيحية إلى الإسلام، وهو الإطار العالمي أو الإقليمي لتحرك الأفكار الإنسانية في المنطقة من ناحية تحول أو تبدل العقائد الشرقأوسطية، برغم أن السودان ليس بسيطاً بهذا الشكل في تاريخه، فثمة أماكن لا تزال غامضة عن البحث في مسابر مختلفة من أرض السودان.
ويجب الانتباه إلى أن تعريف أرض السودان في حد ذاتها تربك الباحث أو من يحاول الاشتغال على تاريخه وحركة الفكر والثقافة فيه، لأن اسم السودان ظل ولفترات طويلة من التاريخ يطلق على المنطقة التي تقع في الحزام الممتد وراء مدار السرطان إلى الجنوب عبر المنطقة الصحرواية التي تمتد إلى مالي وما خلف بلدان المغرب العربي، بل أنه اطلق على مناطق ودول مختلفة كالسودان الفرنسي في غرب أفريقيا، مشتملاً على دولة مالي التي عرفت بهذا الاسم في الماضي.
غير أن السوان بوصفه الحديث بدأ تشكله في مع دخول القوات التركية عام 1821م حيث بدأ تشكل دولة بسياق حديث، مع عمل الأتراك رغم نظامهم القمعي على إنشاء نظام مركزي لحكم البلاد وبدأت تظهر خصائص الإنتاج الحديث في الزراعة وإدارة البلاد بشكل عام، لكن تفجر الثورة المهدية التي أنهت النظام التركي في 1885م على يد الثائر محمد أحمد المهدي، أدى ذلك إلى ردة في الحياة الحديثة ما أرجع البلاد لسابق عهدها ما قبل التمدن التركي، ولم تعد الأوضاع إلا مع دخول الإنجليز مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
وشهدت الفترة الإنجليزية، أو الاستعمار الثنائي الإنجليزي/ المصري، تحديثاً جوهرياً في رسم خارطة البلاد الحديثة المعروفة اليوم إلى عام 2011 حيث انفضل جنوب السودان بعد حرب استمرت لحوالي نصف قرن وبعد استفتاء شعبي، والملاحظ أن الجنوب حافظ أيضا على اسم السودان، ولم يسع رغم اقتراحات عديدة إلى توليد اسم جديد.
إن الفكر الذي نتكلم عنه في إطار هذا الكتاب، يعنى بالسودان وفق معناه الجغرافي الحديث، والأكثر حداثة، برغم الإشكاليات العديدة التي تحوم حول هذا الموضوع في إطار جدل الثقافة والهوية الذي لا يزال غير محسوم في السودان إلى اليوم، حيث ترى المجموعات الشمالية ووسط البلاد أن هوية السودان عربية إسلامية وتصر على ذلك، في حين أن ثقافات أخرى فيما يعرف بالمناطق "المهمشة" في الغرب والأنقسنا والجنوب سابقاً ترى أن ثقافة البلاد أفريقية بعيداً عن تنويعات الرأي التي يمكن أن تحصل والاستثناءات بين المثقفين والنخب أنفسهم في الوصول لخيارات واضحة بشأن هذه القضايا.
لهذا فإن الفكر السوداني عموما هو فكر متداخل بين الهوية العربية والأفريقية، وهو ينطبق عليه التحريك التاريخي المشار إليه من انتقال العقائد والأفكار عبر الحقب من الوثنية إلى المسيحية إلى الإسلام، بحيث أن خلاصة الفكر السوداني الحديث وثقافة إنسان السودان هي مزيج من كل ذلك، وفي مرات يصعب فرز الأمور بشكل واضح وجلي، أين تنتهي حقبة معينة وأين تبدأ أختها، ليس على مستوى التاريخ في إطاره الخطي وإنما على صعيد التراث المتراكم في الذات الفردية لحدها، حيث أن كل ذات سودانية مهما حاولت أن تنسب نفسها لأي فكر بعينه أو عقيدة ما، فهي في خلاصتها تصور تراثي متداخل لكل هذه الحقب التاريخية والأفكار المتواترة.
لقد تمت الإشارة إلى أن التحقيب المستلف من الخارج هو الذي رسم صورة السودان بشكله اليوم وأن قضايا الهوية السودانية لا تزال غامضة وغير محسومة للنخبة السياسة والثقافية، إلا أن ذلك لا يعني أن هذا التحقيب أصبح هو السائد في التفسيرات والرؤية وقراءة التاريخ والواقع الراهن، ونحن بالتالي أمام صورة لسودان هو مزيج من تصور الآخر عن الذات أكثر من هو تصور شخصي وحقيقي لإدراك المعنى الحقيقي لمن أكون أنا بالضبط.
وحداثة الفكر السوداني المسطور والمكتوب، الذي لم يبدأ فعلياً إلا في القرن العشرين بعد دخول الإنجليز ونشرهم التعليم الحديث، وإنشاء الجامعة الأم في البلاد، كلية غردون التذكارية التي أصبح اسمها جامعة الخرطوم، كل ذلك جعل حركة الاكتشاف تتأخر وتعتمد على التفسيرات والتأريخ المستلف، حيث أغلب مرجعيات التاريخ السوداني كتبت من شخصيات غير سودانية مع استثناءات بسيطة وهي في الأساس قامت أيضا على المرجعيات الخارجية التي أسست لذلك، حيث لا نجد دراسات وحفر حقيقي وواضح على المضامين السودانية من خلال الإرث الشعبي نفسه إن لم يكن ثمة تدوين أو وثائق يعتد بها.
وما يمكن أن نخلص إليه أن عملية اكتشاف الفكر في السودان والبحث بالتالي عن الأفكار المطاردة، يعني بدرجة ما بحث عن المستثنى والغريب داخل مناظيم فكرية باتت شبه مألوفة، بحيث سوف يبدو أن فكر جديد أو مستل خارج منظومة الوعي السائد هو استنثائي وغير مرغوب فيه في أغلب الظروف، هذه هي الصورة المبدئية.
لكن من ناحية أخرى سوف نلحظ ما هو مغاير لذلك من خلال نسيج حركة التاريخ السوداني، التي تثبت عكس ذلك وهي أن السودان ظل دائما أرضاً تستقبل الوافد والغريب وتستوعب الثقافات المختلفة وتحتضنها، وبالتالي كان على الدوام أرض المتغيرات والمتحركات والأفكار التي تتناسل من حقبة تاريخية لأخرى، بمعنى أن الفكر الذي يبدأ مطارداً فيه سرعان ما يصبح حيوياً بعد فترة معينة ويسود، كما شهدنا مع دخول الإسلام من الشمال وكيف أنه تمت مقاومته في البداية ومن ثم أصبح هو دين الشمال والوسط السوداني، في حين ظل "رماة الحدق" وهو لقب أطلق على محاربي النوبة الشماليين وهم يستخدمون سهامهم لتصويبها في أعين "الغزاة"، قائماً إلى اليوم كدلالة على البطولة والمقاومة لإنسان السودان، برغم أن العقيدة التي حاربها هؤلاء الرماة قد أصبحت عقيدتهم اليوم.

 

شوهد المقال 526 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

ثامر ناشف ـ بين قدسية اول نوفمبر54 و"وعد عرقوب" وجوب إسقاط دستور الخيانة ب (لا)!

د. ثامر ناشف  لقد دأب في مفهوم نشأة الدول والامم سياسيا الاستناد لوثيقة تعتبر مرجعية في تأسيس الدول والاحتكام إليها في صناعة دساتيرها وقوانينها الملحقة وذلك
image

وليد عبد الحي ـ حماس : الطريق الى جهنم معبد بالنوايا الحسنة

أ.د.وليد عبد الحي تنبئ اجتماعات تركيا بين الفصائل الفلسطينية ، وقبلها اجتماعات بيروت، وسلسلة البيانات والتصريحات من القيادات الفلسطينية خلال الايام القليلة الماضية عن فصل
image

عبد الجليل بن سليم ـ لكل مرض وصفة علاج Jürgen Habermas فعال

د. عبد الجليل بن سليم  حراك الشعب لم يثر ضد نظام له توجه ايديولوجي بالعكس النظام الجزائري يستعمل شيء أخطر من إلايديولجية و هو إستعمال وسائل
image

رضوان بوجمعة ـ من ديسمبر الانتحار إلى نوفمبر الإنكار والاحتقار

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 186 تظهر كل المؤشرات أن السلطة تسير عكس التيار، وهي لم تفهم ولا تمتلك أدوات فهم حركية المجتمع منذ 22 فيفري
image

عثمان لحياني ـ النظام..دورة حياة ثانية

عثمان لحياني   وفرت الانتخابات الرئاسية الماضية جرعة أوكسجين للنظام والمؤسسة الحاكمة ، كانت في غاية الحاجة اليها ، بعدما كان الحراك قد خنقها الى الحد الذي
image

حميد بوحبيب ـ تداعيات العدم

د. حميد بوحبيب           
image

بشير بسكرة ـ ذكريات مع حراك 22 فيفري

بشير بسكرة  لا يزال ذلك اليوم عالقا في الذاكرة. أستذكره بكل تفاصيله كأنه حدث بالأمس، و أنا اليوم أعيش أثره النفسي و الفكري بكل فخر ..
image

اطلقوا سراح معتقلات مستغانم ـ بلجيلالي حسنية ، بن عومر فاطمة ، حنان بشكات

عين الوطن 1.بلجيلالي حسنية: متزوجة و أم لأطفال،أحدهم يحضر لشهادة البكالوريا من هذه السنة،تنحدر من أسرة مناضلة معتقلة مع أخيها،مناضلة شرسة لم تتخلف عن
image

شكري الهزَّيل ـ اشكالية الفلسطيني و"الفلسطرائيلي" !!

د.شكري الهزَّيل كثيرة هي المطبات الوطنية التي وقع او تعثر بها المسار التاريخي الفلسطيني منذ اغتصاب فلسطين واحتلالها عام 1948 وحتى يومنا هذا والحديث يدور
image

وجيدة حافي ـ ما محل الثقافة من الإعراب

وجيدة حافي  دائما ما نكتب في السياسة والإقتصاد، ونهتم بالواقع المُعاش للمُواطن العربي وننسى مجالا مُهما وقارا في بُلداننا، لأنه الوسيلة التي تُبين مدى وعينا وفهمنا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats