الرئيسية | الوطن العربي | مصطفى يوسف اللداوي ـ الخاشقجيون المنسيون في بلادنا العربية

مصطفى يوسف اللداوي ـ الخاشقجيون المنسيون في بلادنا العربية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 د. مصطفى يوسف اللداوي

بعيداً عن قضية جمال خاشقجي الشخصية، التي أعلنتُ في مقالٍ سابقٍ عنه، سبقتُ فيه الكثير من الأقلام العربية والأجنبية، التي سال حبرها كثيراً وبحت أصواتها فيما بعد، تضامني معه، وتأييدي له، واعتزازي به، وحزني عليه، وغضبي الشديد على ظالميه وقاتليه، وعلى الذين استدرجوه وخدعوه، وعلى الذين أصدروا قراراً بشطبه ووافقوا على تصفيته، وحنقي الكبير على الذين يريدون طمس قضيته، وإنكار مقتله، وإخفاء آثار الجريمة ولفلفتها لتكون حادثاً عادياً أو جريمةً عرضيةً، مجهولاً مرتكبها، وغيرَ معلومٍ فاعلها، ذلك أنها قضيةٌ إنسانيةٌ بحتةٌ، وليست سياسية أو أيديولوجية، فحرية الرأي والتعبير حقٌ مكفولٌ، وامتيازٌ يجب أن يتمتع به كل إنسانٍ، ولا يحرم منه ولا يحارب عليه، ولا يقتل لأجله أو يحاسب عليه.

إنما أردتُ في مقالي هذا بيان أن أمتنا العربية تزخر بآلاف الخاشقجيين الذين يقبعون في السجون، ويغيبون في المعتقلات، ويجبرون على العيش في المنافي والشتات، وغيرهم كثير يقتلون بصمتٍ، ويشطبون بجبنٍ، ويصفون بحقدٍ، وتمارس في حقهم أسوأ أنواع الجريمة وأبشع أشكال القتل، فمن لم يمت في سجنه ومعتقله كمداً أو حزناً، فإنه يسام سوء العذاب، يُصفد ويُقيد، ويُجلد ويُضرب، ويُسحل ويُشبح، ويُجوع ويحرم، قبل أن تحز رقبته أو يدق عنقه، أو يشنق ويخنق، أو يذبح ويقطع، أو يضرب بالرصاص أو يقتل بالعصي والهراوات، أو يرمى من الطائرة فيموت، أو يُلقى من شاهقٍ فيلقى حتفه، وكثيرٌ في الأصفاد يموتون، أو في عمق مياه البحار يلقون فيموتون غرقاً، وغير ذلك كثير من ألوان الموت وأشكال الشطب والتصفية، التي تخلو من الإنسانية والحضارة، ومن الرحمة والشفقة، التي لم نر لها شبيهاً سوى لدى داعش وأمثالها.

هؤلاء الضحايا وهم كثرٌ في سجوننا العربية ومعتقلاتنا النازية، وباستيلاتنا البوليسية وزنازيننا الخفية، هم من المعارضين السياسيين، ومن حملة الرأي وأصحاب القلم، ومن أهل الفكر ورواد الإبداع، ومن الحالمين بالكرامة والساعين إلى السيادة، ممن يحزنهم الواقع العربي ويشقيهم المواطن فيه، ويؤلمهم حاله المعيشي وظروفه الإنسانية، إنهم ممن ينادون بالحرية ويتطلعون إلى الكرامة، ويريدون الاستقلال والتطور، والحداثة والتمدن، وممن يتصفون بالصدق والشفافية، ويتحلون بالإخلاص والولاء، ويتحملون الأذى والعذاب، ويصبرون على الاتهام والاعتقال، ويضحون بالعطايا والمنح، والمناصب والمراكز، ولا تغريهم الوعود ولا تبطرهم النعم، الذين يصرون على نقد الحاكم ومعارضة السلطان إذا رأوا منهم بغياً وطغياناً وظلماً وعدواناً.

للعلم إن أنظمتنا العربية لا تعتقل فقط الأدباء والمفكرين، والسياسيين والمعارضين، والمبدعين والفنانين، إنما تعتقل الأطفال والنساء، وممن هم دون الثالثة عشر من عمرهم أحياناً، الذين يغردون على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعبرون عن آرائهم الشخصية على صفحات الانترنت، أو يقومون برسم صورٍ أو الاشتراك في ملصقاتٍ عامة توصف بأنها تحريضية، وقد يقضي الأطفال والنساء في سجونهم، حيث يعذبون بطريقةٍ لا يقوى على احتمالها الرجال، ولا يصبر على آلامها الحيوان، ولكن أحداً لا يسمع عنهم بسبب التعتيم المفروض، والعقاب الشديد الذي يتربص بمن يغامر وينشر، وبسبب التهديدات التي يتعرض لها ذوو المعتقلين من الأطفال والنساء، الذين قد يجبرون أحياناً على نفي خبر اعتقالهم، وتكذيب من يدعي أنهم يعذبون ويهانون، وإلا فإنهم لن يروا أبناءهم في حياتهم، أو أنهم سيلتحقون بهم في غياب سجونهم ومعتقلاتهم.

هل تنجح قضية جمال خاشقجي في لجم أنظمتنا العربية، وتكون لهم درساً رادعاً وعبرةً قاسية، فتجبرها على وقف الملاحقات الفكرية، ومحاسبة المواطنين على آرائهم السياسية، ومراقبة أقلامهم ومحاسبتهم على كلامتهم، أم أنها ستتوقف فقط عن المحاسبة في الخارج، وستمتنع عن القتل والتصفية خارج حدود بلادها، بينما ستستمر في ممارسة الفظائع وارتكاب الجرائم بحقالمعارضين من مواطنيها داخل بلادهم، وضمن ما يسمونها حدودهم السيادية، بعيداً عن الرقابة الدولية، وبمنأى من التدخلات الخارجية، لئلا يقعون في حرجٍ، أو يتسببون في أزمة، ولماذا لا يلجأون إلى ذلك طالما أن الحساب في بلادهم أسهل، والعقاب ضمن أنظمتهم أضمن، والوصول إلى طرائدهم أيسر، حيث يلقون أحياناً من الخارج الدعم والتأييد، والمساندة والحماية، ومن بعض علماء الداخل وزبانية السلاطين القبول والتبرير.

أم أن أنظمتنا العربية وأجهزتها الأمنية ستتعلم من غيرها، وستستفيد من تجربة من سبقوها، ممن يرتكبون الجرائم الكبرى دون أن يعرف بهم أحدٌ، أو يشعر بآثارهم جهازٌ، ودون الحاجة إلى إعلان المسؤولية عن الجريمة، بل على العكس من ذلك يمكن للأنظمة أن تدعي أنها أم الولد، وأنها المعتدى عليها والمستهدفة، والمقصودة والمعنية، وتدافع عن القضية، وتدعي المظلومية، وتسبق الجميع إلى البكاء والعويل، خاصةً أن الحادثة الأخيرة وضعت المتورطين في أزمةٍ كبيرةٍ، وجعلتهم أضحوكة ومهزلةً، وهو ما لم يقع فيه غيرهم، وربما أن بعض الأجهزة الأمنية الدولية والصديقة عرضت خدماتها عليهم، وأبدت استعدادها لنقل تجربتها إليهم، لئلا يتعرضوا مستقبلاً إلى ما عرضتهم إليه هذه القضية الأزمة والفضيحة.

قضيةُ جمال خاشقجي التي أصبحت قضية رأي عامٍ، ومسألةً عالميةً تتصدر الأحداث كلها بلا منازع، يتحدث بشأنها قادة الدول وحكام العالم، تفتح الباب واسعاً لنا أمام قضايانا الوطنية، وتجاه حقوق الإنسان في بلادنا العربية، وحصانات المواطنة المحروم منها، فغير جمالٍ في بلادنا كثير، لكن أحداً لا يسمع عنهم، ولا يعرف أسماءهم أو أماكن اعتقالهم، فهل تخرج قضيته المأساوية قضايانا من صندوقها الأسود المظلم إلى فضاء الحرية المنير، ومن السرية والخفاء إلى دنيا الإعلام المفتوح، الذي يستطيع أن يفضح الجرائم، ويميط اللثام عن الفساد في أنظمتنا، ويكشف عن الظلم الذي ترتكبه أجهزتنا الأمنية ومحاكمنا الوطنية، أم أن علينا أن ننتظر مصائرنا بصمتٍ، وأن نتوقع مصارعنا بعجزٍ.

شوهد المقال 1059 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الخالق كيطان ـ ثلاث قصائد

عبد الخالق كيطان            ١. حقول الغريب إلى حد قريب كنت أنا صاحب الحقل والدجاجات  ولكن الغيث غاب وغابت الغيوم الصغيرة التي كانت تبكي على
image

خديجة الجمعة ـ رشة عطر

خديجة الجمعة    وأنا في طريقي للذهاب إلى مكان ما. تجذبني تلك الرائحة الزاكية . فأرى نفسي هناك بعيدا بعيدا. تحملني مخيلتي لمحل العطور،لتذوب معها كل المعاني
image

نجيب بلحيمر ـ القطار انطلق ولا مكان للنظام فيه

نجيب بلحيمر  القطار انطلق ولن يتوقف.. تتردد هذه العبارة كثيرا على لسان عبد المجيد تبون، اليوم أيضا رددها في لقائه مع الولاة. لاشك في أن
image

سعيد لوصيف ـ للتذكير وفي عجالة : التغنانت ومنحنى التوزيع غير الاعتدالي لتوهمات استمرار النظام..

د. سعيد لوصيف   التغنانت في توهم إمكانية استمرارية النظام عن طريق إعادة إنتاج أجهزته السياسية هي تمثلات شوفينية لعقل تآكلت خلاياه وأصيب بشلل التفكير وفقدان
image

حسين السماهيجي ـ الجانح

د. حسين السماهيجي             إلى أناي الأخرى ... تقتاتُ من أرقٍ يجترّ أخيلةً وتفلتُ القمرَ المجدولَ بالغسقِ صُلِبتَ فوق جدارِ الوهمِ وانكسَرَتْ زجاجةُ النَّصِّ لكنْ أنتَ
image

عبد الجليل بن سليم ـ هجرة الشباب : حل ،اختيار ، قرار

 د. عبد الجليل بن سليم  قبل مدة ركب الكثير من الشباب القوارب و توجهوا إلى الضفة الاخرى للمتوسط ، هذا السلوك هل هو حل أم
image

رشيد زياني شريف ـ التحريض مثل السياسة، ليس جريمة، بل فرض لأنقاد البلاد من منظومة الإفساد

د. رشيد زياني شريف   كلنا يتذكر قبل حراك 22 فبراير 2019، وطيلة احتجاجات المواطنين على مر سنوات عديدة، تنديدا بالظلم وسوء الظروف المعيشية والحقرة، والمطالبة
image

محمد هناد ـ علاقات الجزائر بهذا الكيان " الإمارات " تحتاج لإعادة نظر جادة

د. محمد هناد  نظرا إلى المنحى الذي اتخذته سياسة دولة الإمارات الاجتياحية منذ سنوات، أصبحت علاقات الجزائر بهذا البلد في حاجة إلى إعادة نظر
image

جباب محمد نور الدين ـ عصام العريان والإسلام المأمول

د.جباب محمد نور الدين   الجنرالات لما يستولون على السلطة يحولون الوطن إلى اكبر ثكنة، لكن جنرالات العالم العربي حولوا هذا "
image

حميد بوحبيب ـ لا لتكميم الأفواه لا لإسكات الأصوات الحرة الحرية لخالد درارني

 د . حميد بوحبيب  خالد درارني، من ذلك النوع من البشر، إذا لقيتهم مرة واحدة في حياتك، سيبقى مطبوعا في ذاكرتك ووجدانك إلى الأبد.المرة الأولى التي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats