الرئيسية | الوطن العربي | مصطفى يوسف اللداوي ـ رجمُ المستوطنين ولجمُهم خيرُ ردٍ وأبلغُ علاجٍ

مصطفى يوسف اللداوي ـ رجمُ المستوطنين ولجمُهم خيرُ ردٍ وأبلغُ علاجٍ

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 د. مصطفى يوسف اللداوي

جريمةُ قتل عائشة محمد الرابي، السيدة الفلسطينية ذات الخمسة والأربعين عاماً، الزوجة والأم لثمانيةٍ من البنين والبنات، أمام حاجز زعترة العسكري جنوب مدينة نابلس، على أيدي غلاة المستوطنين الإسرائيليين، الذين اعترضوا سيارة زوجها الذي كانت تجلس إلى جانبه، وقاموا برشقهما وسيارتهما بالحجارة الصخرية، فأصابت بعضها رأس السيدة عائشة فشجتها، ما أدى إلى استشهادها في مقعدها على الفور، بينما أصيب زوجها الذي كان يقود السيارة بجراحٍ وصفتها إدارة مستشفى رفيديا بنابلس بأنها متوسطة، بعد أن وثقوا استشهاد زوجته، علماً أنهما لم ينزلا من سيارتهما، ولم يشكلا أي خطورةٍ على المستوطنين الذين نصبوا للسيارات العربية المارة حاجزاً بنية إلحاق الأذى بركابها، ورشقهم بالحجارة التي أعدوها وكانوا يتسلحون بها، ويتجهزون لقذف المارة بها، علماً أن هذه الجريمة ليست هي الأولى من نوعها، بل هي واحدة من سلسلة من جرائم المستوطنين التي لا تنتهي في كافة مناطق القدس والضفة الغربية.

ارتكب المستوطنون جريمتهم أمام أعين جنود الاحتلال، وعلى مقربةٍ من حاجز زعترة، وربما كانت قيادة الحاجز تعلم بوجود المستوطنين وتعرف نواياهم، وأنهم قد نصبوا حواجزهم بقصد اصطياد الفلسطينيين وإلحاق الأذى بهم، علماً أن سلطات الاحتلال تنشر كاميرات المراقبة في كل مكانٍ، وترصد حركة السير ومسار العربات على الطرق العامة، خاصةً تلك التي يرتادها المستوطنون ويعبرون فيها، إلا أن جنود الاحتلال لم يحركوا ساكناً، ولم يحذروا المستوطنين، فضلاً عن أنهم لم يجبروهم بالقوة على إخلاء الطريق ومغادرة المكان، كما لم تقم بحماية المواطنين الفلسطينيين وتأمين الطريق لهم، بينما لا يتأخرون عن مواكبة المستوطنين والعابرين اليهود، حيث يؤمنون لهم الطريق ويحمونهم، ويطمأنون إلى وصولهم إلى مناطقهم بأمانٍ.

لم تكن جريمة قتل السيدة عائشة الرابي هي الجريمة الأولى التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون، فقد اعتادوا على مثل هذه الجرائم، ويصرون بحقدٍ وعنادٍ على تكرارها والقيام بها، خاصةً أن القانون لا يجرمهم، والشرطة لا تدينهم، والقضاء لا يحاكمهم، والجيش لا يمنعهم، بمعنى أنه لا يوجد ما يردعهم، ولا يوجد ما يخيفهم أو يقلقهم، الأمر الذي يشجعهم من وقتٍ لآخر على ارتكاب مثل هذه الجرائم.

علماً أن الذي يقترفها مستوطنون متطرفون، ومتدينون متشددون، وقوميون يمينيون، وقلَّ أن تقوم الشرطة الإسرائيلية بتوقيف مرتكبي هذه الجرائم، وفي حال قيامها بتوقيفهم وإدانتهم، فإن المحاكم العسكرية تنظر بعين الرأفة وتأخذ بأسباب التخفيف، بالنظر إلى مبررات الفعل ودوافعه، فتأتي أحكامها مخففة جداً، وغالباً لا يتم المدانون مدة محكوميتهم، ويخرجون من السجون في أقرب الآجال بحجة حسن السيرة والسلوك، أو نتيجة الاستئناف، أو بموجب العفو الرئاسي الذي يصدر من حينٍ إلى آخر، ويشمل المجرمين اليهود المدانين بجرائم قتلٍ، بينما يستثني الفلسطينيين المعتقلين على خلفية عملياتٍ أمنية وعسكرية.

ورغم أن الأدلة دامغة والشواهد على جريمة المستوطنين قاطعة، إذ تعمدوا إصابة سيارة زوج السيدة عائشة، واستخدموا حجارةً صخريةً كبيرةً في ضرب واجهة السيارة الزجاجية، إلا أن المسؤولين الإسرائيليين ينكرون الدوافع الجرمية للمستوطنين، ويبررون فعلتهم بحجة الدفاع المشروع عن النفس، وترفض الشرطة فتح تحقيقٍ في الجريمة، وتكتفي بالاستجوابات الآنية التي تمت في مكان الحادث، ولم تسطر النيابة العامة الإسرائيلية أية أوامر قضائية بتوقيف المشاركين في الجريمة، وتركتهم بموجب إقامتهم وبياناتهم الشخصية.

وفي هذا الصدد حَمَّلَ وزير الحرب الإسرائيلي أفيغودور ليبرمان المسؤولية عن مقتل السيدة الفلسطينية، لمثيري الشغب في "جنوب البلاد"، وقصد بذلك الفلسطينيين في قطاع غزة، الذين يشاركون منذ تسعة وعشرين أسبوعاً في فعاليات مسيرات العودة الوطنية الكبرى، التي أفشلت حساباتهم وخلطت أوراقهم، وأربكت جيشهم وأقلقت سكانهم، خاصةً أن لجان مسيرة العودة قد عدّت الشهيدة عائشة الرابي الشهيدة السابعة في مسيرات يوم الجمعة التاسعة والعشرين، وهو واحدٌ من أكثر الأيام دمويةً وعنفاً، حيث أطلق جنود الاحتلال الإسرائيلي النار بغزارةٍ على المتظاهرين الفلسطينيين، وكان بعضها مباشراً ومن نقطة الصفر.

لن يجدي نفعاً انتظار نتائج التحقيق الرسمية الإسرائيلية في حال كان هناك تحقيقٌ جاد، ولن يقوم جيش الاحتلال وسلطاته بإصدار قراراتٍ صارمةٍ أو القيام بخطواتٍ فاعلةٍ من شأنها حماية الفلسطينيين، ومنع الاعتداء عليهم، فضحايا الحجارة والدهس وإطلاق النار والحرق من الرجال والنساء والولدان على أيدي المستوطنين والمتدينين اليهود كثيرة، وهي إذ لم تتوقف قديماً فإنها لن تتوقف اليوم طالما أن الرادع لا يخيف والعقاب لا يؤلم والحساب لا يشمل، وهناك من يسكت عن جرائمهم ويبرر أفعالهم من الدول والحكومات، ومن لا يقوى على انتقادهم من المبعوثين والمراقبين، والوسطاء والممثلين الدوليين.

قد نتوجه إلى المحاكم الدولية، وقد نرفع الصوت عالياً ونجأر بالصراخ، ونفضح عبر وسائل الإعلام المحلية والدولية جرائم المستوطنين وغلاة المتشددين اليهود، الذين ترعاهم الدولة وتحميهم الحكومة، ولكن هذه الإجراءات لن تردعهم ولن تمنعهم من تكرار جرائمهم، خاصة أن بعض المستوطنين الذين يفلتون من الإدانة وينجون من العقاب، يعودون إلى ارتكاب ذات الجرائم، وربما في الأماكن نفسها من جديد، وكأنهم بهذا يهزأون ممن يحاول منعهم، ويضحكون على من يسعى لردعهم.

ليس إلا أن يتوجع المستوطنون ويتألم المعتدون، ويشرب من ذات الكأس الظالمون، ويشكو من فقدان الأمن المجرمون، إذ بهذا يرتعدون ويخافون، ويترددون ويجبنون، ويكفون ويمتنعون، أما أن يشعروا أنهم أحرارٌ في تصرفاتهم، وأبرياءٌ من جرائمهم، وأطهارٌ مما ارتكبته أيديهم، فإنهم سيكررون أفعالهم، ولن ينجُ من اعتداءاتهم أحد، وهذا لعمري ليس عدلاً ولا يقبل به حكماً إلا الجاهلون الأغرار، أو الخائفون الضعفاء، أو الصاغرون السفهاء، ولا يقبل الفلسطينيون أبداً بميزان الضيزى، فهم أعلى قدراً وأجل مكانةً، وأعز نفساً، وأقوى شكيمةً وأشد عزماً، وأقدر على الانتقام من العدو والثأر منه للشعب.

شوهد المقال 1180 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته
image

نصر الدين قاسم ـ وتسقط الأراجيف ويعلو صوت السلمية

نصرالدين قاسم  أثبتت السلمية مرة أخرى أنها سيدة قرارها، قررت تعليق المسيرات الاحتجاجية لا خوفا من السلطة ولا ارتداعا من سطوتها وبطشها إنما صونا لصحة الجزائريين
image

نجيب بلحيمر ـ السلمية.. ثابت وطني ومفتاح المستقبل

نجيب بلحيمر السلمية حية.. هذا ما أخبرنا به هذا الاثنين التاريخي الذي خرج فيه الجزائريون عبر مختلف أنحاء الوطن ليقولوا بصوت واحد انهم مصممون على إنقاذ
image

محمد هناد ـ التعديل الوزاري والجزائر تدي الإستقلال

د. محمد هناد   الشكل الذي أتى به «التعديل» الوزاري الأخير لم يكن منتظرا ؟ لاسيما بعد تلك النبرة الساخرة التي سبق لرئيس الدولة عبد المجيد تبون
image

جمال الدين طالب ـ 22 فيفري 2019 ـ2021 : لا لغة أخرى تقول

جمال الدين طالب             لا لغة أخرى تقولولا كلماتلا خطب أحّرى ولا شعارات***لا لغة أخرى تقوللا معاني أدرى ولا استعارات *** أغاني الثورةحراك الشعبصخب المجازات***"نظام" الفوضىهذيان الجرابيع
image

رضوان بوجمعة ـ الأسئلة المغيبة لدى الأجهزة الحزبية والإعلامية و"النخب الجامعية"!

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 194 عامان كاملان مرا اليوم على انطلاق الثورة السلمية، عاد الشعب إلى الشوارع، اليوم الاثنين، يوم يشبه أول "جمعة" من الحراك،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats