الرئيسية | الوطن العربي | مصطفى يوسف اللداوي ـ تغريداتٌ عربيةٌ شاذةٌ ومواقفٌ ثقافيةٌ ضالةٌ

مصطفى يوسف اللداوي ـ تغريداتٌ عربيةٌ شاذةٌ ومواقفٌ ثقافيةٌ ضالةٌ

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 د. مصطفى يوسف اللداوي

 

في ظلال شهر رمضان الفضيل، وفي جوف لياليه المباركة، وأيامه العظيمة، التي تصفو فيها النفوس، وترق القلوب، وتسمو فيها الأرواح، وتخضع الجوارح وتستكين الأهواء، ويتنافس فيها المسلمون في التبتل والعبادة، وفي الذكر والدعاء، وفي الصلاة وقراءة القرآن الكريم، وفي فعل الخيرات والجود والبذل والعطاء والسخاء بالصدقات، حيث يكثر الخير ويتراجع الشر، ويَجِدُ المسلمون في عمل الطاعات، والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالفرائض والنوافل والصالحات، في وقتٍ تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين، ويتقارب العباد وتتصافى القلوب وتتسامح النفوس. 

يطلع علينا في هذه الأيام المباركات وفي هذا الشهر الفضيل، الزاخر بالانتصارات، والغني بالمعارك والفتوحات، والعامر بالأمجاد والبطولات، من ينغص علينا أيامنا، ويفسد صيامنا، ويسئ إلى وعينا، ويشوه حقيقتنا، ويعيب تراثنا، ويتطاول على تاريخنا، ويسفه ماضينا، ويستخف بحاضرنا، ويعتدي على قيمنا ويتطاول على مفاهيمنا، ويتهمنا السفه والجنون، والتيه الضياع، والجهل والضلال، ويريد أن يجردنا من الشرف الذي نسجناه، والعز الذي بنيناه، والكرامة التي صنعناها.

أعني بكلامي الذي قدمتُ، والذي قصدتُ أن يكون قاسياً ومباشراً، هذه الشرذمة القليلة، الضالة المنحرفة، الشاذة الغريبة، المارقة المندسة، التي تحاول بأقلامها المأجورةوتصريحاتها المقصودة، وتغريداتها وتدويناتها المشبوهة، تبرئة عدونا، والإعلان عن طهره وصدقه، وعدالته ونزاهته، ووسطيته واعتداله، فقد بدا لهم من بعد جرائمه النكراء وحروبه الغبراء، أنه صديقهم وشريكهم، وحليفهم وجارهم، وذخرهم وسندهم، وأنه يستحق منهم العون والنصرة، والدعاء والرجاء، بأن يبقى قوياً عزيزاً، قادراً ومتفوقاً، مهاب الجانب منيع الجدار، إذ يستشعرون في ظل قوته بالأمن، وفي ظلال تفوقه بالطمأنينة والسلامة والاستقرار.

يظن هؤلاء المتشدقون الواهمون أنهم مثقفون واعون، وأنهم نخبٌ فكرية وسياسية وإعلامية، وأنهم أعلامٌ في مجتمعاتهم ودولهم، وأنهم قيمة في بلادهم وبين شعوبهم، وأن الناس تصغي إليهم وتسمع كلامهم، وتعتقد بتصريحاتهم وتؤمن بمواقفهم، وما علموا أن شعوبهم تكرههم، وأمتهم تنبذهم، والتاريخ يلعنهم، وأهلهم يشعرون بالمعرة منهم، ويتمنون البراءة منهم، فهم لا يتحدثون إلا بلسانهم، ولا ينوبون إلا عن أنفسهم، ولا يستطيعون مجابهة شعوبهم، أو الظهور في مجتمعاتهم، ولهذا فإنهم يستغلون بصمتٍ وخفاء، في السر وبعيداً عن الأنظار، صفحاتهم على الفيس بوك وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي، ليبثوا من خلالها سموهم، وينشروا أفكارهم، ويشيعوا الضلال بتصريحاتهم، ولولا العدو الذي يلتقط تغريداتهم ويعيد نشرها، ويسلط الضوء عليها، ما علم بهم أحد، وما سمع بتغريداتهم أو اهتم بملصقاتهم أحد.

لا يكتفي هؤلاء المارقون بتمجيد العدو وتعظيمه، والإشادة به والدعاء له، بل يصبون جام عضبهم على الشعب الفلسطيني المظلوم، ويتهمونه بالعدوان، ويصورونه بالمجرم وقيادته بالخائنة، وأنهم باعوا وطنهم وفرطوا في حقوقهم، وأنهم يستحقون ما حل بهم وحاق بوطنهم، ويدعون شعوبهم وحكومات بلادهم إلى مقاطعتهم بل وإلى عقابهم، بكلماتٍ لا تخلو من الشماتة، ولا ينقصها الحقد والكره.

ومما غرد به أحدهم قائلاً " اللهم انصر بني إسرائيل على عدوهم وعدونا، اللهم إن من الفلسطينيين من باعوا أرضهم ثم نقضوا بيعهم، وخانوا المسلمين وظاهروا عليهم تحت راية المجوس، ثم قذفوا المسلمات وبهتوا المسلمين، وقتلوا المسلمين في سوريا واستكبروا، فشتتهم واخذلهم، وانصر بني إسرائيل عليهم".

الأصل في الدولة التي ينتمي إليها هذا المغرد، أن تستدعيه أجهزتها الأمنية للتحقيق، وأن تقدمه للمحاكمة، بتهمة الخيانة والإساءة إلى مشاعر العرب والمسلمين، وفق الأدلة المذكورة، والتغريدة المنشورة، إذ أن كلماته واضحة، ومفرداته صريحه، وولاءه للعدو مكشوف وحبه له معلن، ومجافاته للعرب والفلسطينيين واضحة، وينبغي أن يكون حكمها عليه قاسياً ومؤلماً، ليكون له درساً ولغيره رادعاً، إذ أنه يستحق العقوبة القصوى والحساب العسير، وألا تأخذنا به رحمة، وإلا فإننا سنسمع عما قريب غيرهم يأتون بأسوأ منهم وأقبح مما جاؤوا به، وأبشع مما عبروا عنه.

لكن يبدو أن بعض الحكومات العربية هي التي مهدت الطريق لهم، وسكتت عن تصريحاتهم، ووافقت على تغريداتهم، وسهلت لهم ولغيرهم المضي بها والاستمرار فيها، إذ أنها تعبر عن سياستهم، وتنسجم مع برامجهم، وتتفق مع مواقفهم الجديدة ولا تتعارض معها، بل إنها تعتقل معارضيهم، وتحاسب منتقديهم، وتقسو على من يبدي رفضه لمواقفهم ويعترض على مشاركاتهم.

الإسرائيليون فرحون سعداء، مبتهجون ويرقصون، فها هم يجدون من العرب من ينتصر لهم ويقف إلى جانبهم، ويجرم الفلسطينيين ويتخلى عنهم، ويصف مقاومتهم بالإرهاب، ويتهمهم بالعدوان ويطالبهم بالكف عنه، ولعل أفيخاي أدرعي الناطق باسم جيش الاحتلال هو أكثر السعداء بهذه التغريدات، فهو يعيد نشرها، ويذكر بها، ويواجه العرب والفلسطينيين بها، ويشيد برجاحة عقل أصحابها، وحصافة رأي كتابها.

لا يدري أشباه المثقفين هؤلاء وأسيادهم، أنهم بفعلهم الخسيس وعملهم الدنيء، فإنهم يخسرون أنفسهم ويفقدون انتماءهم، وينسلخون عن أمتهم، ويقتلعون أنفسهم من جذورهم، ويَنْبَتُّونَ عن مجتمعاتهم، في الوقت الذي يحتقرهم فيه العدو ويزدريهم، ولا يحترمهم ولا يوقرهم، ولو كانوا خُدَّاماً له وعبيداً عنده، وأجراء معه يقدمون له الخدمات، ويقومون عنه بالأعباء، ويذللون له الطريق، ويزيلون من أمامه العقبات والتحديات، ورغم ذلك فإنهم لا يكسبون ثقته، ولا ينالون رضاه، ولا يرتقون عنده إلى مصاف الصادقين الأمناء، أو المخلصين الحلفاء، بل يبقون في وعيه عملاء وأجراء، يؤدون الخدمات بالسخرة، ويعملون عنده وهو السيد بمذلة، يستخدمهم وقتما أراد، ويلقي بهم كورقةٍ مهملةٍ وقتما يشاء.

 

 

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

 

شوهد المقال 453 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ بلاد الروح

محمد محمد علي جنيدي – مصر         في بلاد الروح ادور واجري فيها أمشي بين الناس وروحي مش لاقيها كل لحظه تعدي طيفها يمر بيه مر
image

للتاريخ! مع تحيات المادة 102 من الدستورالجزائري المغتصب

 للتاريخ!مع تحيات المادة 102 من الدستور المغتصب.  المادة 102:" إذا استحال على رئيس الجمهوريّة أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبا،
image

جمال الدين طالب ـ الإسرائيلي يوفال هرري.. يفقد عقلانيته عند سؤاله عن فلسطين .. ملحد لكنه يؤمن أن الله وعد اليهود بفلسطين

جمال الدين طالب يُقدّم الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي يوفال نوا هراري على أنه "أهم مفكر في العالم حاليا"، كما وصفته مجلة "لوبوان" الفرنسية. كتبه تحقق مبيعات
image

يسين بوغازي ـ بوحجة ــــ اويحيـي ـــــ ولد عباس حواش من صراع في البرلمان ؟

يسين بوغازي     بدأ مند ما يقل عن شهرا ، صراع سياسي  في البرلمان الجزائري ، ففتحت  بوابات هذه الأزمة في
image

عزالدّين عناية ـ نهضة الزيتونة.. أو كيف نخرج الحيّ من الميّت

  د. عزالدّين عناية*   بموجب الفترة المطوَّلة التي قضّيتها في جامعة الزيتونة طالبا وباحثا، على مدى السنوات المتراوحة بين منتصف الثمانينيات
image

إبراهيم يوسف ـ دهرٌ من التّشهيرْ والسُّمعةُ المُسْتباحة للأطفال الصِّغار.. والكِبار

  إبراهيم يوسف – لبنان   تقتضي الأمانة الأدبيّة الإشارة أنّ الحكاية نُشِرْت في مجلة عود النّد منذ
image

سيد أمين ـ وجهة نظر حول سوريا وايران والربيع العربي

  سيد أمين غياب الرؤى العميقة ، والأمية السياسية ، والتزمت والرعونة والانتهازية ، هي من الأسباب الأصيلة المسئولة عن تحول وطننا العربي
image

إيناس ثابت ـ ليالي شهرناس 2

 إيناس ثابت  حلَّ المساء ولف الظلام السماء. ولكن القمر كان ينشر خيوطه في الفضاء، والغيوم تحجب نوره من حين إلى حين. وهكذا تثاءبت حقول
image

مجمع اللّغة العربيَّة يصدر العدد التاسع من مجلّته المجلّة

    سيمون عيلوطي، المنسّق الإعلاميّ في المجمع         صدر حديثًا عن مجمع اللّغة العربيَّة في النّاصرة، العدد التاسع من مجلّة المجلّة، لعام 2018،
image

مادونا عسكر ـ الحبّ حتّى المنتهى قراءة في ديوان "لنتخيّل المشهد" للشّاعرة اللّبنانيّة سوزان عليوان

  مادونا عسكر "الحبُّ لا يصنعُ المعجزات هو، بحدِّ ذاتِهِ، معجزة" (سوزان عليوان) يتجلّى الحبّ في ديوان "لنتخيّل المشهد"، عذباً  رقراقاً

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats