الرئيسية | الوطن العربي | مصطفى يوسف اللداوي ـ الجرحى والمصابون رحلةٌ بين العجز والموت .. مسيرة العودة الكبرى

مصطفى يوسف اللداوي ـ الجرحى والمصابون رحلةٌ بين العجز والموت .. مسيرة العودة الكبرى

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 د. مصطفى يوسف اللداوي

 

شهداء مسيرة العودة الوطنية الفلسطينية الكبرى التي خطت أولى خطواتها يوم الأرض الثلاثين من مارس/آذار 2018، ليسوا فقط مائة وعشرين شهيداً، وهم الذين ارتقوا على مدى أقل من شهرين، منهم أكثر من ستين شهيداً سقطوا في يومٍ واحد، يوم الاثنين الكبير، الرابع عشر من مايو/آيار، الذي تزامن مع يوم افتتاح السفارة الأمريكية في مدينة القدس، حيث حصد جنود الاحتلال الإسرائيلي وقناصته أرواح عشرات الفلسطينيين العزل خلال مسيرتهم المدنية السلمية على سياج قطاع غزة، ليكون يوم الاثنين هو اليوم الأكثر دموية والأشد حزناً، إذ فقد فيه الفلسطينيون نخبةً من خيرة أبنائهم، منهم الشبان والرجال والأطفال، ومنهم المقعدون الذين بترت سيقانهم جراء إصابةٍ سابقةٍ في مواجهاتٍ أخرى، إلا أن ذلك لم يمنعهم من أن يكونوا في الصفوف الأولى، بل في مقدمة المسيرة، وفوق أعلى التلال فيها.

حَزِنَ الفلسطينيون على مصابهم، وبكوا على شهدائهم، وآلمهم فقدُهم وفتت قلوبَهم غيابُهم، ولكنهم صبروا واحتسبوا، وسألوا الله لهم المغفرة والرحمة، والرضوان والجنة، وودعتهم أمهاتهم بالزغاريد، وأهلوهم بالدعاء والبكاء، وتمنوا أن تكون دماؤهم مفتاحاً للفرج، وسبيلاً للكرامة، وإيذاناً بالنصر، وبداية الطريق نحو إنهاء الحصار ورفع الظلم وكف الأذى، وتخفيف المعاناة عن الشعب المظلوم، وأن تكون أرواحهم درباً للحرية، وطريقاً للكرامة، ومعبراً إلى الخلاص، وبذا يكون لشهادتهم قيمة، ولتضحيتهم معنى، ولدمائهم أثرٌ ونتيجة.

لكن الشهداء الذين رحلوا إلى عليين، وسكنت أرواحهم قناديل معلقة تحت عرش الرحمن، ويطوفون في علياء الجنة في حواصل طيرٍ خضر، تركوا خلفهم أكثر من عشرة آلاف مصابٍ وجريحٍ، جراحُ العديد منهم خطيرة، وأوضاعهم حرجة، ونسبة الشفاء متدنية، فقد تعمد جنود جيش الاحتلال وقناصته إصابتهم في أماكن حساسة من أجسادهم، وأصابوا الكثير منهم في الجزء العلوي من الجسد.

فضلاً عن أن الطلقات التي يستخدمها جيش العدو طلقاتٌ غريبة، وصفتها اللجان المختصة بأنها طلقات محرمة دولياً، حيث تلحق بالجسد أذىً بليغاً وضرراً كبيراً، ويبدو أنها سامة ولديها القدرة على أن يبقى أثرها في الجسد ساكناً، ويتحرك ببطيءٍ شديدٍ قبل أن يؤدي إلى الموت، حتى لو أصابت أماكن غير حساسةٍ من الجسد، ولكنها إذا أصابت الأجهزة عطلتها، وتسببت في توقفها عن مهامها، وإذا أصابت العظام فتتها وهشمتها، وإذا أصابت الأوردة والشرايين مزقتها وذوبتها.

هذه المعلومات ليست تكهنات أو توقعات، كما أنها ليست مبالغة وتهويل، فضلاً عن أنها ليست كذباً واختلاقاً، بل هي حقيقة شهدت بها أكثر من هيئةٍ ومؤسسةٍ، حقوقية وطبية، وقانونية وصحية، فلسطينية وإسرائيلية، وعربية ودولية، حيث جمع العاملون فيها الدلائل والبراهين، وسجلوا الإصابات ودونوا الملاحظات، ورصدوا الآثار والتغيرات، والظواهر والنتائج، وتأكدوا من التشابهات والمقارنات، حتى باتوا متأكدين يقيناً أن جيش العدو يستخدم طلقاتٍ غريبةً، يطلقها على المواطنين الفلسطينيين العزل خلال مسيراتهم السلمية بقصد القتل أو إحداث عاهاتٍ مستديمة، أو التسبب في بتر الأطراف وتفتيت العظام، وإلحاق أضرارٍ ومضاعفاتٍ على الجرحى بحيث يصعب علاجها، أو يستحيل السيطرة عليها.

وإلى جانب الممارسات الشيطانية، والسياسات العدوانية الإسرائيلية، التي تسببت في إصابة أكثر من عشرة آلاف فلسطيني بهذه الطلقات، نجد أن مستشفيات قطاع غزة عاجزةٌ تماماً عن استيعاب هذه الأعداد الكبيرة والمتزايدة من الجرحى والمصابين، وغير قادرة على تقديم العلاج المناسب لهم، إذ لا قدرة عندها، ولا تجهيزاتٍ كافية فيها، ولا أدوية متوفرة لديها، في الوقت الذي تفاجأ فيها الأطباء والعاملون في المستشفيات بهذا النوع من الطلقات، وبالآثار السريعة والمدمرة التي تتركها على وفي أجساد المصابين والجرحى، إذ لا خبرة لديهم فيها، ولا قدرة عندهم على التعامل معها أو الإحاطة بها والسيطرة عليها.

كما أن الحدود مغلقة، وقوافل الأطباء ممنوعة، وإمكانية دخول الأطقم الطبية العربية والإسلامية والدولية إلى قطاع غزة متعذرٌ لأكثر من سبب، وإمكانية علاج الجرحى والمصابين في مستشفيات القدس والضفة الغربية أمرٌ غير ممكنٌ، ويصعب تحقيقه بسبب الاجراءات الإسرائيلية.

كما يتعذر نقل المصابين إلى الخارج، إما بسبب إغلاق المعبر الوحيد، أو لرفض الكيان الإسرائيلي السماح لبعض الدول باستقدام الجرحى والمصابين إلى بلادهم لتلقي العلاج، ولعل قرار مصر الأخير، الذي سمحت بموجبه نقل المصابين لتلقي العلاج في المستشفيات المصرية، قد خفف قليلاً من هذه المأساة، لكن العقبات التي تعترض نقلهم كثيرة، فضلاً عن الأعداد الكبيرة للجرحى الذين يصعب على دولةٍ واحدةٍ استيعابهم جميعاً، وتقديم العلاج الكافي واللازم لهم.

أمام هذه الوقائع الدامغة والحقائق الأكيدة، نجد أن أوضاع الجرحى والمصابين جداً صعبة، وظروفهم قاسية، ومستقبلهم مجهول، وعلاجهم غير ممكنٍ أو مأمول، وما يؤكد هذا الأمر أننا نسمع في كل يومٍ عن شهداء جددٍ يرتقون، وفلسطينيون يستشهدون، لكنهم لم يسقطوا في معارك جديدة أو مواجهاتٍ أخرى، بل إنهم من جرحى المسيرات السابقة، ومن مصابي أيام الجمع الستة الماضية ويوم الاثنين الكبير، ولعل ذووهم الذين يراقبونهم ويتابعون حالتهم الصحية، يدركون هذه الحقائق، ويستشعرون الخوف والقلق من النتائج، إذ أنهم يلاحظون التغييرات الطارئة على صحةِ أبنائهم، ويقرأون تقارير أطبائهم، فيدركون أن حالتهم خطرة، وأن شفاء الكثير منهم صعبٌ وغير متوقع.

أمام هذه الجريمة الكبيرة، الخطيرة والمستعصية، التي تتفاقم يوماً بعد يوم، ينبغي على المجتمع الدولي أن يواجه حكومة الكيان الصهيوني بجريمته، وأن يحمله كامل المسؤولية عنها، وأن يعمد إلى مساءلته ومحاسبته ومحاكمة المسؤولين عن هذه المذبحة المروعة، كونها جريمة ضد الإنسانية، وإلا فإنه شريكٌ والعدو فيها، ومتواطئٌ وإياه فيها، ومدان مثله بسببها، وبصمته عليه فإنه يشجعه على المزيد، ويحرضه على الأخطر والأسوأ بحق شعبنا وأهلنا في الأرض المحتلة.  

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

شوهد المقال 536 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ بين عسر ويسر

د.علاء الأديب            أأبيع نفسي كي أعيش منعّما؟هيهات لو بلغ الجفاف دمائي اني اشتريت بكلّ عمري عزّتيولبست تاج كرامتي وآبائي وسعيت بين الناس ابسط خافقيقبل الكفوف
image

نجيب بلحيمر ـ الثورة السلمية فوق الإنكار

نجيب بلحيمر   تقعدك نزلة برد شديدة وحمى في يوم قائظ في البيت، وتجبرك على متابعة الإعلام الجزائري وكيف يغطي الثورة السلمية، لا أثر للمظاهرات على
image

العربي فرحاتي ـ بين الحكم المدني والحكم العسكري برزخ لا يبغيان

د. العربي فرحاتي  السلطة الفعلية تطور من الشيطنة.. فمن شيطنة شعار " يتنحاو قاع " واتهامه بالشعار "التعجيزي" إلى شيطنة شعار "دولة مدنية ماشي
image

نوري دريس ـ دولة مدنية مقابل دولة قانون

د. نوري دريس  الانزعاج الكبير الذي ظهر على لسان قائد الجيش من شعار "دولة مدنية وليست دولة عسكرية" لا اعتقد أنه يعكس رغبة الجيش في
image

نوري دريس ـ منطق الحراك ومنطق المعارضة

د.نوري دريس   بعد أن انسحبت السلطة بشكل رسمي من الحوار، باعتبار نفسها غير معنية به، ولن تشارك فيه، لأنها ( هي الدولة) وأقصى ما يمكن
image

ثامر ناشف ـ تعويذة الحفاظ على الحِراك من اجل الدولة والمجتمع!

د.ثامر ناشف  ان حركية المجتمعات ضمن اطار "عصر الجماهير III" والقدرة على بناء التوجه العام لن يتوقف ولن يستتب الا بمدى انتاج وإحداث
image

يسين بوغازي ـ خوارج الحراك

يسين بوغازي الخوارج عصابة  خرجت على فكرة فسميت بدلالة الخروج اللغوي  خوارجا ،وكانت فئة متدينة  ، أخلص العصب المناصرة  لعلى بن أبي طالب!
image

رضوان بوجمعة ـ أحزاب الغلق و المجتمع المفتوح

د. رضوان بوجمعة   ستولد الجزائر الجديدة بوعي سياسي جديد، وبوعي وطني ذكي يعترف بالاختلاف والتنوع، ويقطع نهائيا مع منطق العصبة والعصبية والشبكة والزمرة.هذا الوعي
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجزائر 20 ..عرس وطني ..الجزائر كلها اهازيج

د.العربي فرحاتي  حسب ما تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي تحولت الجزائر اليوم في ٥ جويليا إلى عرس وطني بهيج .. بأهازيج وأغاني الثورة التحريرية التي
image

نجيب بلحيمر ـ إن الذكرى تنفع الثائرين

نجيب بلحيمر   نحن بحاجة إلى ذاكرة قوية لننتبه إلى أهم أساليب النظام في احتواء المطالب, وإفراغها من معانيها, وإدخالها إلى رصيد هذا النظام.نتذكر جيدا عندما كانت

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats