الرئيسية | الوطن العربي | مصطفى يوسف اللداوي ـ مسيرة العودة الكبرى : الاثنين المشهود واليوم الموعود

مصطفى يوسف اللداوي ـ مسيرة العودة الكبرى : الاثنين المشهود واليوم الموعود

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 د. مصطفى يوسف اللداوي

يومٌ واحدٌ يفصلنا عن يوم الاثنين الكبير، الرابع عشر من مايو/آيار، اليوم الذي أعلن منظمو مسيرة العودة الوطنية الكبرى عزمهم أن يصلوا مع الشعب الفلسطيني إليه تدريجياً، ليكون يوم الذروة وقمة المسيرة، ويوم التحدي وعنوان المواجهة، ورمز الحراك وغاية الشعب، ومنعطفاً جديداً ومرحلةً أخرى، وليكون مختلفاً عن بقية الأيام التي سبقته، ومغايراً له في الحشد والشعار، وفي الزحف والمسير، وفي الرباط والمواجهة، وفي الامتداد والانتشار، وفي العزم والإرادة، وفي التصميم والإصرار، وفي الوضوح والصراحة، إذ فيه سيجتازون الحدود، وسينتزعون الأسلاك، وسيسقطون السياج، وسيدخلون زحفاً إلى بلداتهم وقراهم.

أراد الفلسطينيون أن يجعلوا من هذا اليوم أساساً قوياً ومنطلقاً جديداً للأيام القادمة التي ستليه، يتحدون فيه سلطات الاحتلال بعزيمتهم، ويواجهونه بإرادتهم، ويصمدون أمام قواته ببسالتهم، ويثبتون أمام جحافله بإيمانهم، ليثبتوا له أنهم صُدُقٌ في الإرادةِ، وصُبُرٌ عند المواجهة، وجُندٌ عند اللقاء، ومشاريع شهادة عند الحاجة، وأنهم سيخوضون هذه المعركة رغم تباين القدرات واختلاف موازين القوى، فهم أقوياء بحقهم، وأشداء بثباتهم، ويريدون في يومهم هذا أن يرسلوا لعدوهم رسالةً واضحةً صريحةً، أن هذه الأجيال لن تنسى وطنها، ولن تفرط في حقها، ولن تساوم على مقدساتها، ولن تفاوض عدوها، وأنها تتطلع كما الآباء والأجداد إلى العودة إلى الديار، وإلى استعادة الوطن والحقوق والممتلكات.

إنه اليوم المشهود، يوم الاثنين الموعود الذي تهيأ له الفلسطينيون واستعدوا، وأعلنوا عنه وأصروا عليه، ومضوا في الإعداد له والتحضير لخوضه، غير عابئين بتهديدات العدو، ولا خائفين من استعداداته، إذ ماذا سيحمل لهم أكثر من القتل، وأسوأ من الإصابة والقنص، فقد مارس ضدهم غاية بطشه، وقمع بسلاحه مسيرتهم السلمية، وحراكهم الشعبي، فقتل على مدى عمر المسيرة القصير أكثر من خمسين فلسطينياً، وأصاب آلافاً آخرين بجراحٍ مختلفة، استشهد بعضهم نتيجة إصاباتهم الخطيرة، ومع ذلك ما انكفأ الفلسطينيون ولا ارتدوا على أعقابهم، ولا رفعوا راية يأسهم ولا ما يدل على قنوطهم، بل مضوا يطلقون على كل يوم جمعةٍ اسماً جديداً فيه تحدي ومواجهة، وفيه إصرارٌ وعنادٌ، وفيه تجديدٌ وابتكار.

يدرك العدو الصهيوني أن هذا اليوم سيكون مختلفاً، وأن المواجهة فيه قد تكون دامية، وأن الضحايا فيه سيكونون كثرٌ، وقد يفوق عددهم عدد الذين سقطوا على مدى أيام الجمع الماضية كلها، وتعلم أجهزته الأمنية والعسكرية أن الفلسطينيين في قطاع غزة قد أعدوا لهذا اليوم عدته، وتجهزوا لخوضه وخاطبوا العالم كله ليرقب تحركهم، ويشهد مسيرتهم، ويتابع زحفهم، ويكون شاهداً على همجية الكيان الصهيوني وجيشه، الذي يقمع بسلاحه الفتاك المسيرات المدنية، ويقتل برصاصه الشبان البعيدين عن السياج، الذين لا يحملون في أيديهم سلاحاً، ولا يلوحون للعدو الذي يراهم بسكينٍ أو بندقية، ولا بعصا أو قضيبٍ، ولا بخشبةٍ أو حديدة، إذ أن مسيرتهم سلمية، ونضالهم شعبي، وأهدافهم معروفة ومشروعة.

أدرك العدو وحلفاؤه، كما أدرك الأشقاء والأصدقاء والمراقبون والمتابعون، جدية الحراك الشعبي الفلسطيني، وإصراره على المضي حتى النهاية في نضاله، وعلموا جميعاً أن القوة والعنف، والبطش والإرهاب لن يثني الفلسطينيين عن عزمهم، ولن يفت في عضدهم، ولن يمنعهم من مواصلة طريقهم واستكمال نضالهم، فنشطت لثنيهم عن هدفهم عواصم القرار الدولية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وحمل المبعوثون الدوليون والمسؤولون الأمنيون ملفاتهم، ومع كلٍ منهم سلة من المغريات وجملة من العطاءات، والكثير من التسهيلات والامتيازات، ليوقف الفلسطينيون مسيرتهم، أو ليبتعدوا عن السياج ويتوقفوا عن التهديد باجتيازه.

كما أدرك الفلسطينيون أن حراكهم مجدي، وأن مسيرتهم مؤثرة، وأن وحدتهم رائعة، وأن صفوفهم متماسكة، وإرادتهم صلبة، وأنهم باتوا يدقون أبواب بلداتهم وبوابات مدنهم الكبرى، وأن العدو أخذ يستشعر الخطر من حراكهم، ويخشى بالوناتهم الحارقة، وطائراتهم الورقية، ومقاليعهم اليدوية، ودواليبهم القديمة، وأفكارهم المتجددة، وأسلحتهم المبتكرة، وآفاقهم المفتوحة وفضائهم الواسع الفسيح، فبات يبدي استعداده للتفاهم والحوار، ورغبته في التفاوض واللقاء، وأنه على استعدادٍ لتلبية حاجات سكان غزة، ورفع الحصار جزئياً عنهم، وتقديم سلة مغرياتٍ وتسهيلاتٍ لهم، شرط أن يكفوا عن حراكهم، ويوقفوا مسيرتهم.

لا ينبغي أن نترك الفلسطينيين وحدهم، ولا أن نتخلى عنهم، ولا أن ننشغل بأي قضيةٍ عن مسيرتهم، ولا نسمح لأحدٍ بأن يغمطهم حقوقهم، أو أن يطمس تضحياتهم، فالفلسطينيون لا ينجحون وحدهم، ولا يتمكنون من مواصلة مقاومتهم دون دعمٍ وإسنادٍ من شعوبهم العربية وأمتهم الإسلامية، فهم في حاجةٍ إلى الإحساس بالسند العربي والعون الإسلامي، ولا يستغنون عنهم، وإنهم يشعرون بالكثير من الأسى عندما يتبجح العدو بأنه اخترقنا  ومزقنا، وفرقنا وشتتنا، وجردنا من أنصارنا ومؤيدينا، وحرمنا من عمقنا وانتمائنا، فبتنا نواجهه وحدنا، ونقاومه بمفردنا.

يجدر بالشعوب العربية والإسلامية التي ينتمي إليهم الفلسطينيون، أن تفخر بهذا الشعب المعطاء، وأن تعتز بهذه الأجيال المقدامة، والشبان الشجعان والرجال الأماجد، والأمهات الخنساوات الصابرات، فهم يصنعون المجد لهم ولكم، ويرسمون بتضحياتهم لهذه الأمة على هام الزمان آياتٍ من العز والفخار، ما يجعلهم يستحقون كل تحية، ويستأهلون كل تقدير، فهم محل فخرٍ وشرفٍ، وموضع تقديرٍ واعتزاز، يرفعون الرأس، ويشرفون أهلهم، وتباهي بهم أمتهم، فطوبى لمن انتسب لهم وعمل معهم، وهنيئاً لمن ناصرهم وأيدهم، وساندهم وساعدهم، وتعساً لمن خذلهم وتآمر عليهم، وسحقاً لمن تخلى عنهم وانقلب عليهم.

شوهد المقال 164 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فوزي سعد الله ـ في فِقْهِ البُورَاكْ وأُصُولِ حَشْوِهِ باللُّحُومِ والأجْبَانِ والأَسْمََاك

فوزي سعد الله وأنت صائم، ليس سهلا أن تتغلب على شهيتك المتفجِّرة كالبركان وأنت تنظر إلى بُورَاك طازج، يَغمز غمزًا إغوائيًا أمامك على المائدة في لحظة
image

فضيل بوماله ـ الموقف / تساؤلات ؟؟؟ علي بلحاج، رشيد نكاز ، النشطاء و النظام البوليسي؟!

  فضيل بوماله  سلوكيات النظام القمعية ضد النشطاء صارت من يومياتنا الحقوقية والسياسية. لقد صنع النظام تحالفا واضحا بين الداخلية والعدل اي بين جهازي الأمن
image

شاكر لعيبي ـ سمة المثقفين الجوهرية اليوم: الانبطاح

 د. شاكر لعيبي أمام القضايا الكبرى في الوجود، في السياسة، في استباحة الأوطان وفي القيم (العليا)، أجد أن توصيف المثقفين العرب، أقصد الغالبية، بـ (الانبطاح)
image

نبيل نايلي ـ أين فلسطين في كل هذه البيانات السمجة؟؟؟!!

  د.نبيل نايلي "إنّ إسرائيل ترفض بشدّةٍ القرار الذي اتخُذّ بأغلبية أوتوماتيكيّة معادية لإسرائيل، وهذا يؤكّد أنّه لا جديد تحت الشمس: نتائج القرار معروفة سلفًا!
image

أحمد يوسف ـ قدسية اللغة

د. أحمد يوسف   هل من بين لغات البشر منذ القدم حتى الآن لغة مقدسة؟أعلم أن تكون لغة للمعابد أو الأديرة أو دور العبادة لقوم من
image

غادة خليل ـ كلُّ هذا المطر

  غادة خليل                كلُّ هذا المطرولا تزالُ سماؤنا ملبدةً بالغيوم!!  يالَصوتِك الصباحيإذ يُغرِقُ قلبي... بالندى!  وجهُك بلون الشمسيشبه انتظاري الملوَّحَ .... تماما!  وحدك تجعلُ روحيتبكي ضحكا !  قلبي صار شارعا يقود
image

زين الدين شلغوم ـ ﺣﻀﺎﺭﺓ ﺗﺘﺤﻀﺮ ﻭﺗﻠﻐﻲ ﻣﻔﻬﻮﻣﻬﺎ ﻓﻲ ﻇﻞ ﺍﻷﻟﻔﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ

 زين الدين شلغوم الحضارة ﻣﺼﻄﻠﺢ ﻣﺘﺪﺍﻭﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻴﺘﻨﺎ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﻪ ، ﻓﺒﻌﻴﺪﺍ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻻﻳﺘﻴﻤﻮﻟﻮﺟﻲ ﻟﻠﻜﻠﻤﺔ ﻭﺍﻟﺮﺅﻯ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﺍﻟﻤﺆﺭﺧﻴﻦ ﻭﺍﻟﻔﻼﺳﻔﺔ ﺍﻻ ﺍﻧﺎ ﻫﻨﺎﻙ ﻧﻘﻄﺔ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻳﺘﻔﻖ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ
image

علاء الأديب ـ مهرجان الأدب والفنون في بوسالم انتقالة ملحوظة في المشهد الثقافي التونسي

علاء الأديب وأنا في بغداد بين الأهل والأحبة والأصدقاء فوجئت بدعوة أنيقة كريمة من إدارة مهرجان ربيع الأدب والفنون بنسخته32 في مدينة بوسالم التابعة لولاية
image

وليد عبد الحي ـ فلسطين : الخطوة القادمة

أ.د. وليد عبد الحي يقوم التخطيط الاستراتيجي الاسرائيلي حاليا على قضية واحدة وهي " التخلص تماما من سلاح المقاومة الفلسطينية في غزة" باعتباره الجدار
image

خميس قلم ـ ملحة العيون

خميس قلم      للعين و للعينان و للعيون حضور شاخص في تاريخ الشعر العربي  من قبل ما ينسب لعنترة: عيون العذارى من خلال البراقع أحد من البيض الرقاق

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats