الرئيسية | الوطن العربي | مصطفى يوسف اللداوي ـ الهولوكوست إيذانٌ بالظلم وجوازٌ بالقتل

مصطفى يوسف اللداوي ـ الهولوكوست إيذانٌ بالظلم وجوازٌ بالقتل

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 د. مصطفى يوسف اللداوي

يريد الإسرائيليون من العالم أجمع، دولاً وحكوماتٍ، وأفراداً وجماعاتٍ، وأحزاباً وتنظيماتٍ، وقادةً ومسؤولين، وكتاباً وفنانين، وإعلاميين وقانونيين، وغيرهم من كل الفئات البشرية على مدى العالم كله والتاريخ بأكمله، أن يعترفوا بجريمة الأفران النازية والمحرقة اليهودية "الهولوكوست"، وأن يقروا بها زماناً ومكاناً، وألا يشككوا فيها أو يستخفوا بجرمها، وألا ينكروا وقوعها أو يكذبوا وقائعها، أو ينفوا حقائقها ويشككوا في أعداد ضحاياها، أو يستهينوا بمعاناة من قضوا فيها أو من نجوا منها، وإلا يفعلوا ذلك فإنهم سيتهمون بمعاداة السامية، وظلم أتباع الديانة اليهودية، والمشاركة في الجريمة الدولية، وبذا يستحقون الطرد واللعن، والسب والشتم، والحساب والعقاب، إلا أن يظهروا ندمهم، ويعلنوا توبتهم، ويتراجعوا عن خطأهم.

يطالب الإسرائيليون شعوب العالم كلها أن تقف احتراماً وإجلالاً لضحايا المحرقة، وأن تبدي أسفها على ما لحق بالجاليات اليهودية في أوروبا الشرقية، وما أصابهم من أذى وحل بهم من بلاء، وكأنهم يبرؤون أنفسهم من الأخطاء التي وقعوا فيها، والفتن التي أشعلوها، والمفاسد التي خاضوا فيها، ويحملون شعوب العالم كلها مسؤولية ما تعرضوا له، والمحنة التي نزلت بهم، وكأنهم شركاء مع النازيين في هذه الجريمة، يتحملون وإياهم المسؤولية، لذا فإن عليهم التكفير عن جريمتهم، والأسف على فعلتهم، وإبداء الندم على ما ارتكبوا في حقهم، وتعويضهم عما خسروا وفقدوا، وتقديم العون لهم تكفيراً، ومساعدتهم اعترافاً بالمسؤولية وتعويضاً عن المصيبة.

نحن لا نقبل بالظلم أبداً ولا ندعو له، ولا نشجع عليه ولا نسكت عنه، ولا ننكر محنة اليهود في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية، ولا ندافع عمن ارتكبها، ولا نشمت في ضحاياها، ولا نقول عنها أنها كذبة وفرية، وأنها مبالغة وتهويل، فهي بالنسبة لنا جريمة أياً كان حجمها، وأياً كانوا ضحاياها، فهم في حينها لم يكونوا أعداءً لنا، ولم يستوطنوا أرضنا، ولم يطردوا شعبنا، ولم يعتدوا على أهلنا، لذا فإننا لا ننكر محنتهم، ولا نقبل بظلمهم، ولا نمنعهم من الشكوى وإظهار الحزن والألم، ولا نطالبهم بالغفران والنسيان، والمسامحة والمصالحة، ولا نقول لهم سحقاً لكم ولا أسى على قتلاكم، وتستحقون ما حل بكم ونزل فيكم.

لكننا في الوقت نفسه لا نقبل أن تكون هذه المحرقة سيفاً مسلطاً على كل الرقاب، وعصا ثقيلة يلوحون بها في وجه كل من يرتفع صوته معادياً لسياستهم، أو معترضاً على ممارساتهم، أو رافضاً لسلوكياتهم، وداعياً إياهم للكف عن الظلم، والتراجع عن ممارسة الجريمة وحماية مرتكبيها، فقد استغلوا تعاطف الكثير من دول العالم معهم في إسكات أصواتٍ دوليةٍ معارضة لهم، وساهموا في محاكمتهم أو تسببوا في تجريدهم من حقوقهم وممتلكاتهم، وحرموهم من التمتع بحقوقهم والقيام بواجباتهم، وأجبروا الكثير منهم على حرق كتبهم والبراءة مما كتب فيها، والتراجع عن الكثير مما ورد فيها، إرضاءً لهم وخوفاً منهم.

لكن الكيان الصهيوني الذي يدعي المظلومية، ويشكو من مرارة المحنة، يمارس الظلم ذاته على الشعب الفلسطيني خاصةً ، وعلى شعوب الأمة العربية عامةً، فيعتدي عليهم ويستولي على أرضهم، ويصادر حقوقهم ويقتل أبناءهم، ويشرد أهلهم ويسلبهم ممتلكاتهم، ويزج بالآلاف منهم في سجونه ومعتقلاته، يسومهم فيها سوء العذاب، ويجرعهم في غياهبها الموت ألواناً، ويذيقهم الأسى فيها أصنافاً، ويعذب معهم أهلهم وأسرهم، ويضطهد أبناءهم وعائلاتهم، ويفرض عليهم عقوباتٍ تضنيهم واجراءاتٍ تزيد في معاناتهم، ويورثهم آلاماً تحملها أجيالهم وتعانى منها ذرياتهم، ويرفض أي صوتٍ ينتصر لهم أو يثور من أجلهم، أو يعلو للدفاع عنهم، رغم عدالة قضيتهم وجلاء حقهم.

ألا يشبه ما تفعله سلطات الاحتلال الإسرائيلي وحكومات كيانه المتعاقبة في حق الشعب الفلسطيني، ما فعلته النازية بحقهم، وما ارتكبته دول المحور في مجتمعاتهم، فهم يحاصرون شعبنا ويضيقون عليه سبل الحياة، ويحرموننا من أبسط سبل العيش الكريم والحياة الإنسانية البسيطة، إنهم يحرقون بيوتنا، ويسكبون المواد الحارقة في أفواه أبنائنا، ويشعلون النار في أجسادهم الغضة، ويلقون قنابلهم الحارقة على البيوت الآمنة لتقتل الأطفال والآباء والأمهات، وتمنع أحداً من مساعدتهم، في الوقت الذي تمنع فيه محاكمة المستوطنين المجرمين، وتحول دون إدانتهم أو معاقبتهم، وترفض محاسبتهم أو المساس بهم.

يبدو أن الكيان الصهيوني يريد أن ينتقم من العرب عموماً ومن الفلسطينيين خصوصاً لجريمة الهولوكوست، وكأنهم من حرضوا عليها أو قاموا بها، ويريدون من دول العالم أن تقف معهم وتؤيدهم في حربها عليهم، وانتقامها منهم، وترى في أفعالها المشينة ضدهم عدلاً وانصافاً، وقضاءً وقصاصاً، إذ يحق لشعبهم "المظلوم" أن يثأر وينتقم، وأن يهنأ في الأرض ويستقر، وألا يتزعزع أمنه أو يمس بسوءٍ كيانه، الذي لا يقبل من دول أوروبا خاصةً أن تعترض عليه أو أن تدين سلوكه، وعلى هذه الدول أن تسلم للكيان الصهيوني بما يقوم به، اعترافاً منها بالخطأ، وإقراراً منها بالمسؤولية، ورغباً منها في التكفير والتعويض وإبداء الندم، ويطلبون من العرب والفلسطينيين أن يتفهموا مظلوميتهم، وألا ينكروا محرقتهم، وألا يهزأوا من معاناتهم، ويعلنون أن هذه هي شروط البراءة والقبول بهم شركاءً، والجلوس معهم للتفاوض، والاعتراف بهم قادةً.

 

 

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

شوهد المقال 201 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ رشيد طه… المُسافر خارج الأزمنة

 سعيد خطيبي   غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو فهم صريح لما تُخفيه. يظهر على البعض
image

ناصر بن غيث ـ الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة

 الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة د. ناصر بن غيث المريكتب بتاريخ  2012-09-13   لماذا تخلفنا؟ سؤال قديم جديد سهل ممتنع ولعله أحد أصعب الأسئلة التي يمكن
image

المغرب والكعكة الفقودة

 فريد بوكاس  منذ اندلاع حراك الريف شمال المغرب، والدولة تتخبط في سياستها الداخلية والخارجية، باحثة عن مخرج بأقل الخسائر، لكن وللأسف لازال
image

مفدي زكريا..عندما تخونه الجزائر؟؟

د. وليد بوعديلة عندما يتجدد الاحتفال بلحظات هامة من الذاكرة الجزائرية على الجزائريين أن يتأملوا واقعهم وأحوالهم في جميع الميادين، لأجل قراءة واعية للمتغيرات التاريخية و
image

اسلام سلال ـ أمهات ساحة مايو والاختفاء القسري

اسلام سلال   في عام 1971 قام جنرال عسكري في الارجنتين يدعى خورخيه فيديلا بانقلاب عسكري وفي خلال ثلاثة اشهر اختفى الالاف من المواطنين
image

سعيد عبد القادر عبيكشي ـ الأفلام الوثائقية.. متعة التحيز المرغوب

د.سعيد عبد القادر عبيكشي يشاهد الكثير منا الأشرطة الوثائقية على اعتبار أنها جزء من منظومة تثقيفية ومعرفية، فهي تزيد من معارف الشخص وتطلعه على مجموعة
image

وفاة رمز الآهاليل الجزائري مولاي الصديق سليمان { مولاي تيمي }

  د. ميلود ولد الصديق  الواحة الحمراء تفقد ذاكرتها الحية وموسوعتها في الاهليل والتراث الشعبي. انتقل الى جوار خالقه أمس الثلاثاء السيد مولاي
image

وليد عبد الحي ـ من كتابي:إيران 2020(2)

 أ.د. وليد عبد الحي  الثقافة السياسية في المجتمع الإيراني:نقصد بالثقافة السياسية مجموع الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التي تشكل نظاما وتعطي معنى للعملية السياسية،وتقدم قواعد حاكمة لسلوك
image

عادل السرحان ـ رُفِعَ الغِطاءُ وانْكَشَفْ

  عادل السرحان             رُفِعَ الغِطاءُ وانْكَشَفْ وامْتازَ تَمْرٌ عَنْ حَشَفْ وَتَوَقَّدَتْ قِيَمُ العِراق ولاحَ يَوْمُ المُنعَطَفْ وازْدانَ صُبْحٌ بالْهِتافِ على الخِداعِ المؤتَلِفْ نحنُ العراقُ اذا
image

عبد العزيز بوباكير ـ تداعيات الأمير والإمام

  د. عبد العزيز بوباكير في كتاب للمؤلفة الانجليزية ليسلي بلانش "سيوف الجنة"The sabres of paradise صورة نادرة حفظها لنا التاريخ، لحسن الحظ، التقطت سنة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats