الرئيسية | الوطن العربي | مصطفى يوسف اللداوي ـ ياسر مرتجى الصحافي المحلق والطير المغرد مسيرة العودة الكبرى

مصطفى يوسف اللداوي ـ ياسر مرتجى الصحافي المحلق والطير المغرد مسيرة العودة الكبرى

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 د. مصطفى يوسف اللداوي

 

أوجعت تغريدتُه الأخيرة كلَ حر، وآلمت كلماتُه كلَ ثائرٍ، ووخزت أحلامُه كلَ الضمائرِ، وطرقت مفرداتُه كلَ العقول، وزار صفحتَه كلُ غيورٍ وغاضبٍ، وأدهشت كلماتُه كما صورُه كلَ متابعٍ، ووقف أمام شهادته بكل خشوعٍ ووقارٍ كلُ وطنيٍ صادق، وربما ذرفت حزناً عيون البعض بصمتٍ، أو شهقت نفوسٌ بألمٍ، أو تفطرت قلوبٌ بوجعٍ، أو تحسرت أرواحٌ بأسى، فقد آلم الجميع إذ رحل، وأحزن الكثير إذ خاب فأله ولم يتحقق حلمه، وسكنت إلى الأبد آلته، فلم تعد تصور أو توثق، وتدون أو تسجل، فقد أودع الأمانة لغيره عندما سلم الروح إلى بارئها، ونعى نفسه إلى خالقها، وحلقت روحه في سماء الخلد في حواصل طيرٍ خضرٍ، والتقت بمن سبقها من شهداء مهنته، ورفاق حرفته، وزملائه الذين سبقوا، وإخوانه الذين رحلوا.

 إنه الفلسطيني الياسر، الحر الثائر، الغاضب المنتفض، الحالم الواعد، الصحافي الشهيد ياسر مرتجى، المناضل بعدسته، والمقاتل بكلمته، والمقاوم بصفحته، الذي اعتاد أن يسجل بعدسته جرائم العدو، وأن يوثق بصوره ما يقترفه جنوده بحق أبناء شعبه، وما يرتكبه من فضائع بحق أهله، وربما أغاضهم كثيراً بعمله، وأزعجهم أكثر بصوره، التي تفضح فعلهم، وتكشف حقيقتهم، وتعري وجههم، وتفضح سياستهم التي يحاولون تزيينها، أو يعملون على إخفائها، ولكن الشهيد ياسر وأمثاله اعتادوا على نشر فضائحهم، وبيان جرائمهم، ونشرها بكل لغات العالم المفهومة، بالصورة التي يفهمها كل البشر فلا تحتاج إلى ترجمة، فتحدثت بلسانٍ فصيحٍ وكلماتٍ فاضحةٍ عن جرائمهم، وأشارت بأصابع الاتهام بكل وضوحٍ إليهم. 

ياسر مرتجى اسم جديدٌ في عالم الإعلام قد ارتقى، ونجمٌ فلسطينيٌ آخر قد سما، وشهيدٌ تألق في مسيرة الشعب الكبرى، التي كان فيها سباقاً وأولاً، ومقداماً متقدماً، وصحافياً متألقاً، يرى جنود العدو بعينيه ولا يهابهم، ويشاهد بنادقهم المصوبة ولا يجزع منهم، يراقبهم إذ يهمون بقنص أبناء شعبه، ويصورهم وهم يهمون بقتلهم، وما كان يعلم أن منيته قد حانت، وأن رصاصةً من بنادقهم الحاقدة ستنطلق بعد قليل، وستخترق جسده، وستمزق أحشاءه، وستكون سبباً في استشهاده، ربما كان الشهيد يعلم أنه قد يكون أحد الشهداء، وأن غيره سيوثق شهادته، وسيرصد إصابته، ولكن خوفه لم يمنعه، وغدر جنود الاحتلال لم يحد من اندفاعه، ولم يضع حداً لسعيه ومقاومته، فهنيئاً لك ياسر، طبت حياً وفزت شهيداً.

في مسيرة العودة الكبرى لا مكان للمصادفة، ولا قتل غير مقصودٍ، ولا جريمة إسرائيلية غير مبررة، فقد نشر جيش العدو على الحدود الشرقية والشمالية لقطاع غزة مئات القناصة، المزودين ببنادق آلية حديثة جداً، ذات مناظير دقيقة ومتطورة، التي يمكنها أن ترى أبسط الأمور وتكبر أدق التفاصيل، وتحدد أبعد الأشخاص، وتصوب بدرجةٍ عاليةٍ، وتصيب بدقةٍ كبيرة، ولهذا فإن استهداف المصور ياسر مرتجى كان مقصوداً، وقتله كان متعمداً، إذ كان يلبس بزة الصحافة المميزة، ويضع إشارتها المعروفة، ويحمل كاميراته الواضحة، فلا شيء يبدو عليه مريباً، ولا شبهة فيه أو عنده أنه كان يحمل آلة قتالٍ تخيف العدو وترعبه أكثر من كاميرته الإعلامية، ورغم ذلك فقد أصابه قناصٌ متعمداً، وأطلق عليه النار قاصداً.

إنها جريمةٌ جديدةٌ تضاف إلى جرائمه الكبيرة، وخرقٌ فاضحٌ للقوانين والأنظمة، واللوائح والاتفاقيات الدولية، التي تحرم استهداف الصحفيين وطواقم الإسعاف والدفاع المدني، طالما أنهم في الميدان يمارسون مهنتهم، ويلبسون بزتهم، ويحملون أدواتهم المهنية، ولا يقومون بأي عملٍ من شأنه أن يكون قتالياً، ولا يوجد أي شبهةٍ عليهم تثير اللُبس أو الاشتباه فيهم، وهذه الأنظمة والقوانين تلزم دولة الاحتلال، ويجب عليها احترامها والالتزام بها، وعدم خرقها أو المساس بها.

ولهذا ينبغي على المؤسسات الدولية، وأندية الصحافة العالمية، و"صحافيون بلا حدود"، والاتحاد العالمي للصحافة وغيرها من المؤسسات الإعلامية الدولية والإقليمية، أن تهب لإدانة هذا الفعل الشائن، وأن تستنكر هذه الجرمة النكراء، وأن تطالب بتحقيقٍ مهني دوليٍ نزيه، يكشف حقيقة الجريمة الإسرائيلية، ويطالب بمحاسبة من يقف وراءها، ومحاكمة الضباط المسؤولين والجنود المنفذين، وعدم السماح لهم بالإفلات من عواقب هذه الجريمة النكراء المتكررة، فهو لا يرعوي ولا يكف عنها، إذ ليس هناك من يحاسبه أو يلاحقه، ولا يخشى الإدانة ولا يخاف من المحاكمة، وقد كثرت جرائمه ضد العاملين في الصحافة والإعلام والهلال الأحمر ومؤسسات الإغاثة وطواقم الإسعاف وموظفي الأونروا، وغيرهم ممن يتمتعون بالحماية الدولية، وتحميهم المواثيق والأعراف الأممية.

هنيئاً لك ياسر شهادتك، وطوبى لك ما قدمت وأعطيت، وأكرمك الله بأكثر مما تمنيت، وأعظم مما تخيلت، فلعلك اليوم في العلياء تسبح، وفي الجنان تتمتع، ومع النبي محمد صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام تهنأ، وعلى الدنيا من فضاء الآخرة تتطلع، ومن السماء إلى الأرض تنظر.

ويوماً سترى غزة العزة حرةً أبيةً، وفلسطين الحبيبة مستقلةً طليقة، وسيهنأ طفلك من بعدك وسيفخر بما قدمت، وسيرفع رأسه عالياً بما ضحيت، وسيسافر من غزة إلى كل الدنيا، وإليها ومن كل مكانٍ سيعود، وسيصور للعالم كله غزة من العلياء، والقطاع من الفضاء، وحينها سنذكرك جميعاً يا ياسر، فهذا ولدك، وهذا سرك وبقيتك في الأرض، وإننا وإياه معك ومن بعدك على العهد ماضون، وعلى الدرب سائرون، لا يردنا خطبٍ، ولا يقتل حلمنا عدوٌ، بل سيقتل حلمنُا العدوَ، وسينتصر يقينُنُا على وهمه، وحقنُا على باطله، وسيكون حلمنا غداً هو الحق والحقيقة، وحينها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

 

 

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

moustafa.leddawi@gmail.com

شوهد المقال 328 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ رشيد طه… المُسافر خارج الأزمنة

 سعيد خطيبي   غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو فهم صريح لما تُخفيه. يظهر على البعض
image

ناصر بن غيث ـ الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة

 الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة د. ناصر بن غيث المريكتب بتاريخ  2012-09-13   لماذا تخلفنا؟ سؤال قديم جديد سهل ممتنع ولعله أحد أصعب الأسئلة التي يمكن
image

المغرب والكعكة الفقودة

 فريد بوكاس  منذ اندلاع حراك الريف شمال المغرب، والدولة تتخبط في سياستها الداخلية والخارجية، باحثة عن مخرج بأقل الخسائر، لكن وللأسف لازال
image

مفدي زكريا..عندما تخونه الجزائر؟؟

د. وليد بوعديلة عندما يتجدد الاحتفال بلحظات هامة من الذاكرة الجزائرية على الجزائريين أن يتأملوا واقعهم وأحوالهم في جميع الميادين، لأجل قراءة واعية للمتغيرات التاريخية و
image

اسلام سلال ـ أمهات ساحة مايو والاختفاء القسري

اسلام سلال   في عام 1971 قام جنرال عسكري في الارجنتين يدعى خورخيه فيديلا بانقلاب عسكري وفي خلال ثلاثة اشهر اختفى الالاف من المواطنين
image

سعيد عبد القادر عبيكشي ـ الأفلام الوثائقية.. متعة التحيز المرغوب

د.سعيد عبد القادر عبيكشي يشاهد الكثير منا الأشرطة الوثائقية على اعتبار أنها جزء من منظومة تثقيفية ومعرفية، فهي تزيد من معارف الشخص وتطلعه على مجموعة
image

وفاة رمز الآهاليل الجزائري مولاي الصديق سليمان { مولاي تيمي }

  د. ميلود ولد الصديق  الواحة الحمراء تفقد ذاكرتها الحية وموسوعتها في الاهليل والتراث الشعبي. انتقل الى جوار خالقه أمس الثلاثاء السيد مولاي
image

وليد عبد الحي ـ من كتابي:إيران 2020(2)

 أ.د. وليد عبد الحي  الثقافة السياسية في المجتمع الإيراني:نقصد بالثقافة السياسية مجموع الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التي تشكل نظاما وتعطي معنى للعملية السياسية،وتقدم قواعد حاكمة لسلوك
image

عادل السرحان ـ رُفِعَ الغِطاءُ وانْكَشَفْ

  عادل السرحان             رُفِعَ الغِطاءُ وانْكَشَفْ وامْتازَ تَمْرٌ عَنْ حَشَفْ وَتَوَقَّدَتْ قِيَمُ العِراق ولاحَ يَوْمُ المُنعَطَفْ وازْدانَ صُبْحٌ بالْهِتافِ على الخِداعِ المؤتَلِفْ نحنُ العراقُ اذا
image

عبد العزيز بوباكير ـ تداعيات الأمير والإمام

  د. عبد العزيز بوباكير في كتاب للمؤلفة الانجليزية ليسلي بلانش "سيوف الجنة"The sabres of paradise صورة نادرة حفظها لنا التاريخ، لحسن الحظ، التقطت سنة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats