الرئيسية | الوطن العربي | وليد عبد الحي ـ الاقتصاد السياسي لمشروع " نيوم" السعودي

وليد عبد الحي ـ الاقتصاد السياسي لمشروع " نيوم" السعودي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


أ.د. وليد عبد الحي
 

 

 

يستشعر القارئ لإسم المشروع السعودي (NEOM) والذي طرحه ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان بدبيب نزعة الفكاك من قيود المجتمع الوهابي المشدود للثقافة المحافظة "بأمراس كتان إلى صم جندل" على حد وصف إمرؤ القيس، فطبقا للأمير بن سلمان فإن (NEOM) تعني اسما متحررا من أي ايحاء لحضارة محددة بل هو تجميع لكلمة(NEO) وتعني الجديد مع حرف (M) الحرف الأول من كلمة مستقبل العربية ، فيصبح المعنى هو " مستقبل جديد" من مفردة هجينة من لغات أو حضارات مختلفة..أي ان المشروع ليس له " هوية معينة لا اسلامية ولا عربية".
ويأتي المشروع في سياق اتجاه كنت قد أشرت له في دراستي عن مستقبل ايران عام 2008 ، بأن النخب السعودية الجديدة ستجد نفسها مستقبلا مضطرة لمجاراة العصر ، ولعل بوادر ذلك كانت مع مسلسل سعودي شهير وهو " طاش ما طاش"( بدأ عرضه عام 1993) وغلب على حلقاته السخرية من العادات والتقاليد المحافظة مع تركيز واضح على تقديم شخصية رجل الدين بطريقة كاريكاتورية ويشكل ذلك تحولا مثيرا في دولة كالسعودية، ومع التغير في بنية النخبة بدأ الامر يزداد جلاء منذ خلع انياب جماعة الامر بالمعروف ثم تغيير التأريخ الهجري إلى الميلادي مرورا بالتضييق على الاخوان المسلمين ثم دمجهم في قوائم الإرهاب ، وصولا لحق المرأة في قيادة السيارة وأخيرا لإعادة النظر في الأحاديث النبوية...
ذلك يعني ان الرغبة في انفتاح اقتصادي (بهدف التحرر من ثقل وزن البترول في بنية الاقتصاد السعودي) رافقه انفتاح اجتماعي يناهض الثقافة السائدة ، وهو ما سيتجلى في مشروع "نيوم" كما سنوضح بعد قليل.
غير أن هذه التحولات – الاقتصادية والاجتماعية الثقافية- تساندت بتوجهات سياسية ابرزها صرف التركيز السياسي العربي عن الخطر الصهيوني باتجاه الخطر الإيراني او نحو الانكفاء الداخلي بعد الاضطراب العربي منذ نهاية عام 2010 حتى الآن، وهو ما جعل التقارب مع الكيان الصهيوني امرا متسقا مع ذلك ، فجاءت لقاءات انور عشقي ثم المشاركة لشخصيات سعودية في لقاءات اسرائيلية تلتها تصريحات متواترة من نتينياهو وغيره عن تقارب عربي متزايد مع اسرائيل، وهو أمر بحاجة للتأمل.
مشروع "نيوم " الذي تبلغ اعتماداته المالية حوالي نصف تريليون دولار، يقوم على بناء " مدينة " تقارب مساحتها مساحة فلسطين تقريبا ، وتضم مشروعات ضخمة وغير تقليدية في مجالات مستقبلية في المياه والنقل والتقنيات الحيوية والغذاء والترفيه والمعيشة...الخ، وتقع المدينة في الزاوية الشمالية الغربية من السعودية محاذية للاردن ولمصر مطلة على خليج العقبة في البحر الأحمر، اما القوانين والنظم الادارية التي ستسود ميدان العمل في هذه المدينة فلا صلة لها بقوانين الدولة السعودية من حيث الاختلاط وكل ما يتعلق بضرورات العمل ، وستكون السيادة السعودية في قطاعات معينة وبطريقة مواربة مثل " حل مشكلة المشروبات الروحية للعاملين من مصر والأردن " وربما لاحقا من اسرائيل.
غير أن المشروع الذي يمكن ان تستفيد منه الاردن ومصر، سيشتمل على بناء جسر يعبر البحر الاحمر فوق مضيق تيران وهو ما يعني ضرورة ان يكون لإسرائيل رأي في ذلك استنادا للمعاهدة المصرية الاسرائيلية حاصة حق اسرائيل في المرور من المضيق، وهو ما يعني أن خيطا اسرائيليا سيكون جزءا من نسيج المشروع .
لكن بعدا آخر يجدر التنبه له، وهو تداخل هذا المشروع مع المشروع الصيني الاستراتيجي " طريق واحد-حزام واحد) والذي سيمر من البحر الاحمر وتتفرع منه سكك حديدية من ايلات وصولا للبحر المتوسط، وهو ما يعني ان منتجات المدينة (نيوم) ستكون في أمس الحاجة للاستفادة من المشروع الصيني ، وهو أمر ستكون اسرائيل طرفا في الاتفاق حوله، لا سيما في ظل التطور الواضح للعلاقة الإسرائيلية الصينية منذ التسعينات من القرن الماضي.
ومن المقدر ان يكتمل المشروع ويبدا في العمل عام 2025( في إطار مشروع 2030 الذي طرحه الأمير بن سلمان)، لكن السنوات الثماني القادمة تشترط ما يلي:
أ‌- قدرة الأمير على مواجهة " الدولة السعودية العميقة" والتي يمسك بتلابيبها قوى اجتماعية تتشكل منظومتها المعرفية من ثقافة ذكورية غيبية قبلية غرائزية ، ولهذه الثقافة امتداداتها في شرائح النخب الدينية والجامعية والعسكرية والقبلية.
ب‌- قدرة السلطة السعودية على التوفيق بين مجتمعين " مجتمع النيوم" ومجتمع " النيام"
ت‌- القدرة على ضبط توترات الاقليم السياسية واحتمالات انعكاساتها على قوة الجذب للمستثمرين في هذا المشروع، فرأس المال " جبان " كما هو معروف، فاستراتيجيات الصواريخ التي بدأت تنتشر في كل المنطقة سيجعل هذه المراكز الحضرية هدفا سهلا للصواريخ في حالة وقوع مواجهات او اضطرابات سياسية.
هل اتضحت معالم الاقتصاد السياسي للمشروع..ربما.
 
 https://www.facebook.com/walid.abdulhay

 

شوهد المقال 914 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اطلقوا سراح المساجين السياسيين في الجزائر .. قائمة متجددة

 ي . ب    #فكوا_العاني #فكوا_الاسير أقدم للشعب الجزائري قائمة بعض الجزائريين الذين يقضون أكثر من عشرين سنة في سجون النظام الجزائري الانقلابي، و مدينتهم،
image

المدون والناشط السياسي انور سليماني مازال يتعرض للتضييق ومحاولة اسكاته بشتى الطرق

 محمد الصادق  الحياة السياسية في الجزائر خاملة بمجتمعها الحزبي الذي إما يسير في فلك النظام أو ممارس للتصفيق على كل مبادرة تقوم بها السلطة التنفيذية ...لايحمل
image

اليزيد قنيفي ـ الجزائر ..الوجه الآخر..!

اليزيد قنيفي في ايام الشهر الفضيل أعطى الشباب المتطوع صورة رائعة ومشرقة عن المجتمع الجزائري ..بهبات وخرجات تضامنية قمّة في العطاء والانسجام وخدمة المجتمع .
image

غادل خليل ـ خليك راكض بالحلم يابني

  غادة خليل            ما ضلّ في عيوني دمعيبكيكولمّا المسا .. تنسى العشاكيف ما ناديك؟!ومين في برد العتم..يمدّ الحلم.. تَيغطّيك ؟!ويفتّح عيونه الصبح..ع الورد فتّح فيك؟  يا ريحة أرض
image

ثلاث مؤلفات عن مركزية المغرب الأوسط للباحث الدكتور عبد القادر بوعقادة من جامعة البليدة 2

الوطن الثقافي  باحث مركزية المغرب الاوسط: د. عبد القادر بوعقادة.سنكون في معرض الكتاب الدولي 2018 على موعد مع مؤلفات الأستاذ القدير عبد القادر بوعقادة-
image

فوزي سعد الله ـ عندما تُردِّد مآذن قصَباتنا ...صدى ربوع الأندلس.

  فوزي سعد الله  عندما يحين آذان المغرب لتناول الإفطار في شهر رمضان المعظَّم بألحان وأشكال متباينة أحيانا بعمق، القليل منا تسعفهم البطون ليتساءلوا عن سر
image

سامي خليل ـ انقلاب 1992 المحرقة الجزائرية وتبعاتها

سامي خليل   لا حرج في إنتقاد بوتفليقة و محيطه و ذلك ما نقوم به شبه يوميا على هذا الفضاء لكن الخطر أن يتحول هذا
image

فرحات آيت علي ـ متي ينتهي الكرنفال الذي سيدمر الدشرة ان استمر

فرحات آيت علي   كما كان منتضرا حتى من المتخلفين ذهنيا، أنهت حوكمة "غير هاك"، مشوار قانون المالية التكميلي كما كان مقررا له بإلغاء
image

فضيل بوماله ـ الموقف! تساؤلات ؟؟؟ فرنسالجزائر: بين الدبلوماسية والمركوبية؟!

  فضيل بوماله  المتابع لسياسة الجزائر الخارجية وترجمتها الدبلوماسية يلاحظ ركودا و تحولا غريبا في اتجاهاتها. كما يلاحظ تأثرها الكبير بسياسات الدول الكبرى والفواعل الإقليمية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats