الرئيسية | الوطن العربي | رائد جبار كاظم - النفط مقابل الحياة

رائد جبار كاظم - النفط مقابل الحياة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


د. رائد جبار كاظم
 
صرح الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب حول مسألة النفط في العراق بقوله : "إن واشنطن كان عليها أن تأخذ احتياطيات الخام العراقية" وقد أثار هذا التصريح موجة من السخط والرد الشعبي والاعلامي والسياسي، وقد استدعى ذلك رد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على ترامب بقوله : " ان نفط العراق ملك للعراقيين"، وكثيراً ما يردد ويثير ويؤكد ترامب في تصريحاته على أهمية النفط العراقي، ويقول أن احتياطي نفط العراق يبلغ المرتبة الثانية في العالم، وأنه رغم ذلك لم يستفد منه، وهو لا يزال يقبع في الفقر والفساد والحرمان، وقد قام داعش والعصابات الارهابية بالسيطرة على الكثير من النفط العراقي وسرقته وبيعه والاستفادة منه، كما يذهب ترامب في تصريحاته المثيرة، كما أكد على أنه لابد من الحصول على هذا النفط من أجل تعويضات العراق لأمريكا في دفاع الثانية عن الأول طوال تلك السنوات، كما يذهب ترامب الى القول بأن العراق لو دفع النفط لأمريكا منذ السابق لما أصابه ما أصابه من الحروب والارهاب والدمار، وكان على الولايات المتحدة الأمريكية السيطرة على النفط العراقي منذ دخولها للعراق عام 2003 بدلاً من سيطرة ونهب الحركات الارهابية له.
لا شك أن هذا الكلام لا يُطاق ولا يتحمله أي انسان ومواطن عراقي وطني وغيور، ومثير للغاية وحساس جداً، لأنه فيه من التجاوز والاساءة على العراق وشعبه وثرواته الشيء الكثير والكبير، وفيه من الجرأة والوقاحة ما لم يقل به ويصرح بذلك أي رئيس أمريكي سابق قبل ترامب في سياسته تجاه العراق، ولكنني في الوقت نفسه أرى أن في سياسة ترامب وتصريحاته من الصراحة والمكاشفة دون تغطية وخداع وتزييف للحقيقة التي أتت أمريكا من أجلها لمحاربة العراق والسيطرة عليه ونهب ثرواته بالطرق غير الشرعية، وهذا الأمر ما فعله قادة أمريكا قبل العام 2003 في تطبيقها للعقوبات الاقتصادية على العراق من أجل السيطرة على النفط.
لا أحد من العراقيين والعالم أجمع، ينسى ما تعرض له العراق من ظروف قاسية ومأساوية ومدمرة في كافة المجالات الحياتية والاجتماعية والاقتصادية والاهم من ذلك الكوارث الانسانية التي مُني بها الشعب العراقي بكافة فئاته ومكوناته وشرائحه، في بداية التسعينيات من القرن العشرين، حين أقدم الرئيس العراقي صدام حسين على أحتلال الجارة الكويت، بتاريخ 2 آب من العام 1990، وردة الفعل السريعة والعجيبة من قبل الجهات السياسية والدولية في العالم والعالمين العربي والاسلامي وعقد التحالفات حتى ضم (34) دولة لمواجهة العراق ومحاربته في حرب الخليج الثانية والتي سُميت بعملية (عاصفة الصحراء) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وما تسبب عنه بعد ذلك من فرض لعقوبات اقتصادية وانسانية كبيرة وطويلة الأمد من قبل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي على العراق وشعبه، والذي كان الشعب العراقي الضحية الكبيرة لهذه العقوبات وليس الطبقة السياسية العراقية الحاكمة، فكانت ورقة ضغط كبيرة على حكومة بغداد، مارستها دول التحالف الغربي والعربي، لمعاقبة النظام السياسي واجباره للتخلي عن سياسته العدوانية تجاه الكويت والمنطقة، وقد عانى الشعب العراقي المأساة الانسانية الكبرى تحت ظل العقوبات التي فُرضت عليه من الخارج والداخل، وكان قرار (661) في 6/آب /1990 الذي فرض بموجبه العقوبات الاقتصادية والعسكرية وجزاءات شاملة على العراق وعرفت تلك المدة بـمرحلة (الحصار) على العراق، والتي كانت مدة زمنية مأساوية زادت في حجم الخراب والدمار والوفيات والأمراض والمجاعة التي عاشها الفرد والمجتمع العراقي طوال تلك الاعوام السوداء، ومن جراء تلك الأحداث وورقة الضغط الامريكي والدولي على حكومة صدام حسين، وجعل الشعب (كبش الفداء)، أتفقت الامم المتحدة مع حكومة العراق على قرار (986) عام 1995، والذي ينص على الاتفاق على (النفط مقابل الغذاء ) (Oil for Food Program). وهو برنامج يسمح للعراق بتصدير جزء محدد من نفطه، ليستفيد من عائداته في شراء الاحتياجات الإنسانية لشعبه، تحت إشراف الأمم المتحدة. والذي تم تحديد نسبة بيع ما تصل قيمته إلى ملياري دولار من النفط، في فترة مدتها 180 يوماً مقابل الحصول على تلك العائدات. وقد بدأ تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء بنهاية عام 1996، وطيلة السنوات السابقة قبل هذا القرار تحمل الشعب العراقي الويلات والمحن والألم من الحصار الذي فُرض عليه وأعتمد فيها على طاقاته البسيطة وما توفر له من زراعة وصناعة وأقتصاد متهالك ومدمر تم تجفيف منابعه للقضاء على العراق تماماً. وقد تحقق لأمريكا والدول الغربية المتحالفة معها ما أرادت من العراق في شراء نفطه وتدميره وزيادة.  
وتحاول اليوم دول العالم المتقدم وأمريكا ومن يملك قوة السلاح والمال وتسعى جاهدةً وبصورة جنونية للسيطرة على نفط الدول العربية والاسلامية ونهبه بشتى الطرق والوسائل، سواء كانت شرعية أو غير شرعية، و(حرب النفط) هي الحرب الكبرى التي يعاني منها العالم منذ أكتشاف النفط وأستخراجه، وتزداد شعوب الدول النفطية فقراً وبؤساً وحرماناً، بسبب السياسات الخارجية والداخلية السيئة في ادارة البلاد والشعوب وعدم الاستفادة من النفط في الاستثمار والتنمية والعمران ورقي الشعوب واسعادها.
انها حرب (النفط من أجل الحياة)، هذا ما أراه في العالم اليوم ويراه الجميع، وقَدر الدول النفطية أن تكون مُحتلة ومسُتعمرة ومُسيطر عليها من قبل الدول القوية عبر التاريخ، حتى يتم السيطرة الكاملة على النفط لأستخدامه كقوة أخرى في محاربة العالم اقتصادياً والسيطرة عليه، فمن يملك النفط يملك العالم ويزداد قوةً وبقاءً وثراءً، وفقاً لسياسة وأستراتيجية الحكومات الغربية والولايات المتحدة الأمريكية التي تتنافس وتتصارع من أجل البقاء، أما الشعوب والدول العربية فهي تتصارع من أجل الفناء، بسياسات غبية لا تطاق، ونبقى نحن (شعوب النفط) نُقتل ونُدمر ونتعرض للحروب والخراب ما دمنا نمتلك آخر حقل أو آخر برميل من النفط ونُسحق من أجل ذلك وندفع الثمن دون رحمة أو انسانية، ومتى تُدرك وتعي حكوماتنا وشعوبنا أن أمريكا عازمة على تلك السياسة التوسعية والقمعية ولا تغادرها أبداً، مقابل (النفط من أجل الحياة)، ومن هو الأغلى والأعز والأثمن النفط أم الحياة، لا بالخضوع لسيطرة أمريكا وسياستها، بل بالتنسيق معها من أجل بيع النفط لها وتحقيق مصالحنا معها كما هي تطلب مصلحتها ونفعها بشكل جنوني، سواء قبلت الحكومات بتلك السياسة الأمريكية التنافسية التوسعية الجنونية أم لم تقبل، فما على الحكومات النفطية، والعراق على رأسها،  الا أن تعقد الاتفاقيات والمعاهدات مع الدول الغربية وأمريكا لتحقيق ثورة تنموية واعمارية واستثمارية في سبيل كسب حياتنا وواقعنا ومستقبلنا، بدلاً من ضياع النفط وسرقته من قبل المافيات السياسية والحركات الارهابية وتجار الحروب والدماء. وقد أدركت بعض الدول العربية النفطية حقيقة تلك السياسة الامريكية والغربية منذ زمن مبكر وتعاملت مع الموضوع بجدية وحيوية، وحققت ثورات وقفزات كبيرة لشعوبها ومجتمعاتها، ببيع النفط مقابل الحياة والتنمية والاعمار والأمن والأستقرار، الا نحن في العراق ندفع الثمن الباهض (الموت من أجل النفط) وليس العكس من ذلك.      

شوهد المقال 2496 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان - أوجاع بصرية

 عادل السرحان - العراق             الرصيف يسرح النظر الى آخر السفن الخشبية المغادرة وهي ترشه برذاذ من دموع الوداع دون ان تلتفت اليه بين انين ووجوم ودخان وصيحات سرب
image

كلمة الى الرئيس بوتفليقة من دون زيف او تدليس

جزائرية  أيها الرئيس إنني الآن قبل أن أخاطب فيك قلب صاحب الجاه والسلطان فإنّني أخاطب فيك قلب الإنسان ،لأتوجه إليك باسم عدالة السماء التي لم تجعل
image

الصمت القاتل: سجن باحث اقتصاد في الإمارات الدكتور ناصر بن غيث

 أورسولا ليندسي  حكمت محكمة إماراتية الأسبوع الماضي على ناصر بن غيث، الخبير الاقتصادي البارز الذي يدعو للمزيد من الديمقراطية وحقوق الإنسان، بالسجن عشر سنوات. وتضم جرائمه المزعومة
image

تاريخ مؤلم من العبودية خلف تنوع الموسيقى العُمانية

بنجامين بلاكيت  مسقط – لم يمضِ وقت طويل على مقابلتي مع ماجد الحارثي، المختص بعلم موسيقى الشعوب (علم الموسيقى العرقية)، حتى تحدث عما يراه تميّزاً هاماً. قال موضحاً بحماس ودود “لا
image

ناهد زيان - فيرحاب أم علي عمدة النسوان

 ناهد زيان  كنت لا زلت طفلة تلعب بالدمى وتقضي يومها لاهية في جوار جدتها وعلى مرأى من أمها في غدو ورواحها وهي تقضي حوائجها وتنجز
image

عبد الباقي صلاي - غياب الاستثمار الحقيقي في الجزائر إلى أين؟؟

عبد الباقي صلاي* لا أدري لماذا كلما استمعت إلى خطاب الحكومة حول الاستثمار سواء كان محليا أو أجنبيا  إلا وتذكرت فيلما شاهدته عدة مرات عنوانه "بوبوس"
image

سهى عبود - موعد مع الياسمين.. تفصيل بحجم الكون.. الحلقة الاولى.

  سهى عبود سماء القرية هذا الصباح متواطئة مع حالتي النفسية.. تزيح عنها الغيوم برفق لتفسح الطريق لخيوط ذهبية خجول..تحدثتُ طويلا مع امي قبل ان أغادر البيت،
image

محمد مصطفى حابس - الرجيمة" مسرحية تستغيث ، من يرشدها ؟

  محمد مصطفى حابس : جنيف -  سويسرادُعيتُ نهاية هذا الأسبوع في إطار النشاطات الثقافية للتقريب بين الأديان، للتعليق على مسرحية دولية، أمام جمهور غربي!! و كل ما في أمر
image

مادونا عسكر - القصيدة مخلوق في لحظة سجدة " لمحة نقديّة في نصّ للشّاعرة التّونسيّة فريدة بن رمضان

مادونا عسكر - لبنان - النّصّ:يناوشني اللّيل:"في قلبي لكِ كلمة"يهمس في أذني الشّعر:"حان أوانُ الغزل"أختلسُ غفلةً من زمنٍ هجيعوأفرُّ إلى سجدة!(فريدة بن رمضان)- لا يكون الشّعر شعراً
image

عامر موسى الشيخ - عكود السماوة و سماء التسميات ...

عامر موسى الشيخ - شاعر و روائي.عكد اليهود  ، عكد الشوربة ، عكد دبعن : أسماء مرّت عليها عقود  ولازالت على قيد التداول. فوق  أريكة من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats