الرئيسية | الوطن العربي | سفيان بنحسن - من لورنس العرب إلى برنار ليفي، ثورات عربية تسطو عليها الصهيونية

سفيان بنحسن - من لورنس العرب إلى برنار ليفي، ثورات عربية تسطو عليها الصهيونية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 

سفيان بنحسن 

 

 

"العدل أساس العمران والظلم مؤذن لخراب العمران" يقول إبن خلدون، فالجماهير العربية التي ثارت منذ قرن من الزمان على الدولة العثمانية وطالبت بالإنعتاق من ربقة الأتراك كان قد أشعل جذوة الثورة فيها حيف الطورانيين وظلمهم وتفردهم بالقرار وعزمهم على طمس الهوية العربية وزرع بذرة الطبقية في المجتمع المسلم تكون فيها الغلبة للعنصر التركي على حساب مكونات المجتمع العثماني، تحولت الخلافة من خيمة جامعة لعموم المسلمين إلى دولة إحتلال تسعى لفرض ثقافتها ولغتها وقوميتها فأحيت هذه النزعة القومية التركية الشعور بحاجة العرب إلى كيان قومي موحد يجمعهم ويحفظ تاريخهم من الإندثار، ومع وصول جمعية الإتحاد والترقي إلى الحكم إبان الإطاحة بعبد الحميد الثاني باتت الثورة العربية نتيجة حتمية للحراك القومي التركي وإثباتا جديدا على صواب القانون الثالث لنيوتن بأن "لكل قوة فعل قوة رد فعل، مساوية لها في المقدار ومعاكسة لها في الاتجاه، تعملان على نفس الخط وتؤثران على جسمين مختلفين". لكن خطيئة العرب الكبرى في هذا الحراك الصادق والملح أنهم إنسجموا مع الرغبة البريطانية في كسر الدولة العثمانية ونسقوا مع الغرب ومع عدد من دعاة الصهيونية في سبيل الوصول إلى الغاية النبيلة، فأن تقوم المراسلات بين مكماهون وقائد الثورة الشريف حسين على ضرورة التنسيق العسكري بين الطرفين وأن يقام المؤتمر العربي الأول في باريس المعروفة بعدائها لكل ما هو عربي أو مسلم وأن يلتقي فيصل إبن الشريف حسين بحاييم وايزمان الذي تولى في ما بعد رئاسة الكيان الصهيوني فهذا يكشف مدى الإنحراف الذي أصاب ثورتنا ومدى الإختراق الغربي والصهيوني لها.
يتحدث توماس إدوارد لورنس أو "لورنس العرب" في كتابه "أعمدة الحكمة السبعة" عن دوره في توحيد العشائر العربية وعن مشاركته المباشرة في ضرب سكك الحديد العثمانية وفي كثير من العمليات التي أدت في نهايتها إلى تقسيم الدولة، وبقطع النظر عن دقة ما أورده لورنس في كتابه من عدمها فإن التوافق الغربي العربي قد أدى إلى ظهور كيان سرطاني في قلب الأمة فرضته لعبة تقسيم المنطقة بين الفرنسيين والبريطانيين، وكان حظ العرب من ثورتهم المزيد من الشهداء ومن أمراء الحروب ولم ينلهم سوى تغيير الراية العثمانية بالرايتين الفرنسية والبريطانية، بينما تمكن الغرب نتيجة لتحالفه مع العشائر العربية من إنهاء صراعه القديم مع الدولة العثمانية بمسحها من الوجود ووضع الحدود المقدسة التي تمنع عودة الدولة المترامية الأطراف وتضمن ديمومة الإنقسام بين ولاياتها.
قرن من التمزق والتناحر والتباعد لم يكن كافيا ليتعظ بعض العرب، ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه والعرب يخوضون نفس التجربة ويتحالفون مع نفس الحلفاء الذين خذلوهم بالأمس ومع ذلك ينتظرون نتائج مختلفة، ربما علينا إنتظار الجزء الثاني من "أعمدة الحكمة السبعة" يكتبه هذه المرة الصهيوني برنار ليفي لندرك أننا قد لدغنا من نفس الجحر مرتين. نحن لا ننكر حاجتنا الملحة في كل الأقطار لكسر ربقة الحكم الواحد ولضمان المشاركة الشعبية في صنع القرار كما تشارك فيه جماهير العالم الحر في بلدانها ولا ننكر أن الطبقية التي صنعتها الحركات الطورانية منذ قرن من الزمان قد تجددت مع آل حكامنا، وأن عائلة نافذة في كل قطر عربية هي فوق القانون محتكرة لكل السلطات والصلاحيات تعبث بمقدرات البلاد وثرواتها، ولا ننكر أنه لولا هذا الحراك لما أمكنني الكتابة اليوم عن المشهد السياسي بحرية وأنا من بلد الشرارة الأولى لما أتفق على تسميته ب"الربيع العربي"، لكن مع هامش الحرية الذي جنيناه من هذه الثورة المسروقة فإن الثمن كان من دماء ودموع ملايين الشهداء والأيتام والثكالى، والمتابع للحراك الجيوسياسي يدرك اليوم أن بعض الأقطار لم يعد لها وجود فعلي على هذه المعمورة بعد أن طغى على المشهد فيها أمراء الحرب والجواسيس وجنود الغرب الذي تسيل أرضنا لعابه من قديم الزمان. بحث الشريف حسين عن السيادة العربية فقاده طريق التحالف مع العدو إلى مزيد من أغلال العبودية وبحث الثائر العربي اليوم عن الكرامة والسيادة والنزاهة والديمقراطية عبر جبهات برنار ليفي المستعرة فقاده الطريق إلى عودة الأساطيل الغربية والفارسية إلى ليبيا وسوريا واليمن. الثورة حق في كلا المشهدين والطريق خاطئة لا تقود إلا لتكريس التبعية وتغيير مستعمر بآخر وإلى نشر الحريق الكبير في عموم الوطن المكلوم، ومع إرتماء المعارضين والموالين في أحضان الغرب طلبا للدعم يجد المواطن العربي نفسه بين معسكرات محلية تقودها أياد أجنبية آخر همها تحقيق المطالب الشعبية وجل ما يعنيها ضمان مناطق نفوذ في أقطار ما بعد سايكس بيكو.
ست سنوات مرت على إنبعاث الشرارة الأولى لما سيكتب التاريخ أنه كان ربيعا حارقا، ست سنوات من الحرائق رأينا فيها برنار ليفي في ساحات تونس وفي جبهات الجماهيرية وفي مناطق الأكراد ورأينا أمراء الحروب وقادة الثورات يستقبلون جون ماكين إستقبال الفاتحين، ورأينا قوما يسجدون على العلم الفرنسي ويتغنون ب"فزعة ساركوزي" غير مدركين لحقيقة أن التحالف مع الثعابين والرقص معهم نهايته سكرات موت وزفرات ندم وألم، ليبيا التي كانت عصية على الإختراق محرمة على أحفاد موسليني باتت مرتعا لكل المخابرات الدولية لكل إقليم فيها حكومته وجيشه وحلفاؤه، وسوريا التي كانت بالأمس تفتح ذراعيها لكل لاجئ بات أهلها يركبون قوارب الموت هربا من حريق لا تبدو له نهاية، واليمن دخل حروب الجاهلية والرؤية في نهاية النفق تبدو ضبابية، وحديث الصهيوني ليبرمان عن ضرورة تقسيم سوريا والعراق لكيانات عرقية وطائفية يكشف أن الصهيونية كانت حاضرة في ساحات الحريق الأكبر تدافع عن وجودها وتفوقها الأزلي وتصب الزيت بأساليبها القذرة على نيران الفتنة الكبرى، وحديث برنار ليفي المتكرر عن الجزائر يكشف لوعة في قلب هذا الصهيوني لعدم مرور ألسنة اللهيب إلى بلد المليون شهيد.
الربيع العربي كان يمكن أن يكون صرخة مظلوم في وجه حكامنا وعصاباتهم، وكان يمكن أن يمثل الإنطلاقة الأولى نحو كسر حدود سايكس بيكو وإحياء آمال العرب القديمة بإنشاء وطن عربي واحد من المحيط إلى الخليج، لكن الثائر يسقط وتسقط مشاريعه وأحلامه وثورته وقدسية سلاحه حين يتحالف مع العدو المتربص، وثورة الديمقراطية تفقد روحها حين تدعمها إمارات النفط التي يتزامن فيها حفل تنصيب الحاكم الجديد دوما مع نصب خيام عزاء الحاكم السابق، فهل هي جينات ملوك الطوائف في الأندلس الفقيد هي ما يقودنا دوما إلى طريق الهلاك أم أننا قوم لا نقرأ أحداث التاريخ وإن قرأناها فلا نستوعب عبرها ودروسها؟
 
Benhassen.sofiene@yahoo.fr 
تونس

 

شوهد المقال 2842 مرة

التعليقات (4 تعليقات سابقة):

ابو عمر في 04:07 26.01.2017
avatar
مقالك رائع و تشبيهك "المعنوي" بليغ الذي يتعض بدروس التاريخ هو الذي يقرأ بعقلانية و تحليل هناك جماعات محسوبة على النخبة و لا تقرأ فما بالك بالمواطن العادي .....
ابوعمر - الجزائر في 02:38 31.01.2017
avatar
الأخ إبن حسن تحية طيبة و بعد: مشكلة الثورات أو الإنتفاضات العربية أنها كانت إرتجالية وإنفعالية و ليس لها رأس مدبر عاقل مخطط ..الأمر الذي نشاهده في ثورات كبرى عرفت إنتصارات تاريخية مثل الثورة الفرنسية التي كانت تديرها الجمعيات الماسونية لها إستراتيجية و أهداف محددة نفس الشيئ مع الثورة الشيويعية في كل من الصين و روسيا التي لم تكن لتنجح دون وجود نخب و إطارات مفكرة و مخططة .أماثورة الشريف حسين على الأتراك فكانت مغامرة قام بها شخص أو أشخاص لم يكونوا على تام بالوضع الدولي وبأهداف الإستعمار الذي عرف كيف يدير تلك الإنتفاضة لصالحه ... إن كنت قرأت أعمدة الحكمة فقد وجدت أن الأمير فيصل أو واحد من أبناء الشريف حسين - لست أذكر جيدا- سأل لورانس عن مدى إلتزام بريطانيا بوعودها إتجاه العرب وثورتهم رد عليه لورانس بأن ذلك يترتب عن ضعف و قوة العرب وفعلا عندما أكتشف الأنكليز ضعف القوة العربية التي تحولت من قوة طلبت مجرد المساعدة من الأنكليز الى قوة ملحقة ضمن القوات البريطانية
ابوعمر - الجزائر في 02:44 31.01.2017
avatar
المشروع العربي الوحدوي فشل لأنه لا يوجد على وجه البسيطة من لا يعارض هذا المشروع الغرب الصهيونية الماسونية الصين الأفارقة الروس الأقليات في الوطن العربي الإسلاميين السلفية على وجه الخصوص الأنظمة العربية يعني بإستثناء القوميين العرب و الأحرار الكل مجند ويقارع هذه الفكرة لوادها قبل أن ترى النور ....
ابوعمر - الجزائر في 03:14 02.02.2017
avatar
السلام عليكم وكما قال حكيم و شاعر وصوفي المغرب العربي سي عبد الرحمن المجذوب " تخلطت ولابد تصفى و لعب خزها فوق ماها= رياس من غير مرتبة هم سباب خلاها" أولا نسال أنفسنا من الذي بحكم الأوطان العربية اليوم هل هم رجال دولة حقيقيون ام مجرد مغامرين سياسيين إصطنعهم الغرب و النظام العالمي ليديروا بإسمه هذه الشعوب المغلوبة على أمرها كيف تطلب من مغامرين يحركهم الجشع و حب السلطة أن يتعلموا من التاريخ و دروسه وهم أصلا لايعلمون شيئا عن التاريخ....تاريخ الأمس فقط فما بالك بالتاريخ القديم .نحن محظوظون أننا لسنا في الحلقة الثانية من مسلسل لورنس العرب. المشكل ليس إمارات النفط وحدها من يتحمل المسؤولية كل الأنظمة ملكية كانت أو جمهورية هي أنظمة وضعها النظام العالمي ليتحكم في شعوب المنطقة و ثرواتها ..لا فرق إلا في الشكل بين نظام الجزائر الجمهوري ونظام قطر الملكي أو بين تونس وسوريا و المغرب و الإمارات
الإختلاف في الشكل فقط العامل المشترك بينها هي الصبغة العائلية و المخابراتية للأنظمة، القائمة أساسا علة منظومة من الإمتيازات العائلية و القبضة الحديدية المخابراتية

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان - أوجاع بصرية

 عادل السرحان - العراق             الرصيف يسرح النظر الى آخر السفن الخشبية المغادرة وهي ترشه برذاذ من دموع الوداع دون ان تلتفت اليه بين انين ووجوم ودخان وصيحات سرب
image

كلمة الى الرئيس بوتفليقة من دون زيف او تدليس

جزائرية  أيها الرئيس إنني الآن قبل أن أخاطب فيك قلب صاحب الجاه والسلطان فإنّني أخاطب فيك قلب الإنسان ،لأتوجه إليك باسم عدالة السماء التي لم تجعل
image

الصمت القاتل: سجن باحث اقتصاد في الإمارات الدكتور ناصر بن غيث

 أورسولا ليندسي  حكمت محكمة إماراتية الأسبوع الماضي على ناصر بن غيث، الخبير الاقتصادي البارز الذي يدعو للمزيد من الديمقراطية وحقوق الإنسان، بالسجن عشر سنوات. وتضم جرائمه المزعومة
image

تاريخ مؤلم من العبودية خلف تنوع الموسيقى العُمانية

بنجامين بلاكيت  مسقط – لم يمضِ وقت طويل على مقابلتي مع ماجد الحارثي، المختص بعلم موسيقى الشعوب (علم الموسيقى العرقية)، حتى تحدث عما يراه تميّزاً هاماً. قال موضحاً بحماس ودود “لا
image

ناهد زيان - فيرحاب أم علي عمدة النسوان

 ناهد زيان  كنت لا زلت طفلة تلعب بالدمى وتقضي يومها لاهية في جوار جدتها وعلى مرأى من أمها في غدو ورواحها وهي تقضي حوائجها وتنجز
image

عبد الباقي صلاي - غياب الاستثمار الحقيقي في الجزائر إلى أين؟؟

عبد الباقي صلاي* لا أدري لماذا كلما استمعت إلى خطاب الحكومة حول الاستثمار سواء كان محليا أو أجنبيا  إلا وتذكرت فيلما شاهدته عدة مرات عنوانه "بوبوس"
image

سهى عبود - موعد مع الياسمين.. تفصيل بحجم الكون.. الحلقة الاولى.

  سهى عبود سماء القرية هذا الصباح متواطئة مع حالتي النفسية.. تزيح عنها الغيوم برفق لتفسح الطريق لخيوط ذهبية خجول..تحدثتُ طويلا مع امي قبل ان أغادر البيت،
image

محمد مصطفى حابس - الرجيمة" مسرحية تستغيث ، من يرشدها ؟

  محمد مصطفى حابس : جنيف -  سويسرادُعيتُ نهاية هذا الأسبوع في إطار النشاطات الثقافية للتقريب بين الأديان، للتعليق على مسرحية دولية، أمام جمهور غربي!! و كل ما في أمر
image

مادونا عسكر - القصيدة مخلوق في لحظة سجدة " لمحة نقديّة في نصّ للشّاعرة التّونسيّة فريدة بن رمضان

مادونا عسكر - لبنان - النّصّ:يناوشني اللّيل:"في قلبي لكِ كلمة"يهمس في أذني الشّعر:"حان أوانُ الغزل"أختلسُ غفلةً من زمنٍ هجيعوأفرُّ إلى سجدة!(فريدة بن رمضان)- لا يكون الشّعر شعراً
image

عامر موسى الشيخ - عكود السماوة و سماء التسميات ...

عامر موسى الشيخ - شاعر و روائي.عكد اليهود  ، عكد الشوربة ، عكد دبعن : أسماء مرّت عليها عقود  ولازالت على قيد التداول. فوق  أريكة من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats