الرئيسية | الوطن العربي | فريد بوكاس - المغرب :المملكة العلوية والريع الاقتصادي والسياسي

فريد بوكاس - المغرب :المملكة العلوية والريع الاقتصادي والسياسي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

فريد بوكاس 

 


إذا أردنا أن نستعير مفهوم الريع من اصطلاحه الاقتصادي إلى الاصطلاح السياسي، فإننا لا نتردد في افتراض وجود "ريع سياسي" في الحقل السياسي يتمظهر بأشكال مختلفة.

إن الثقافة، في هذا السياق يمكن أن تعبر عن ذهنيات وممارسات شائعة، هي بمثابة مشترك لدى الفاعلين السياسيين، الذين لا ينتجون ثقافة سياسية وأفكارا ونضالات وتضحيات ديمقراطية حضارية وتاريخية كانت أو معنوية، لذلك فإن علاقة الثقافة بالريع والسياسة، غالبا ما تؤثر في نظام العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، التي هي بمثابة ثروة أو رأسمال رمزي وازن، حيث كلما تحقق الإشباع على هذا المستوى، كلما كانت التركة السياسية عرضة لكل التوجهات والنزاعات.

السياسة هي فن الممكن كما يقال، والسياسة هي عمل نبيل إذا اقترنت بأبعاد أخلاقية، وهي ما يميز الإنسان عن باقي الكائنات الحية، ولذلك كانت الإيديولوجيات والتوجهات الفكرية والسياسية، وأنشئت أنظمة سياسية، وتكونت أحزاب ومنظمات ومؤسسات.
والسياسة بطبعها ماكرة.

المجال السياسي المغربي حكمته فكرة "التعاقد" لعقود، خلال فترة الاستعمار وما بعده بدرجات متفاوتة ، أي "التعاقد" بين الدولة والحركة الوطنية، لكن بعد حصول الاستقلال السياسي ستعرف هذه الفكرة ارتكاسا واضحا، ومن هنا فإن العمل السياسي، ترتبت عنه نتائج غير منصفة للتاريخ والفاعلين الحقيقيين، أدت إلى انقلاب تاريخي أتاح السلطة والثروة لأغلب الخونة والذين لم يقاوموا، أو يجابهوا المحتل، بل إنهم كانوا ضحايا ما ناضلوا من أجله، حينما "تغيرت" الأمور، ولذلك جاء من احتل المشهد السياسي لعقود من الزمن، دون أن تكون ولادته طبيعية كشكل من أشكال الريع السياسي، والقرصنة السياسية والتاريخية، وإجهاض مراحل تطور تاريخ المغرب المعاصر.

وإذا كانت فترة القهر السياسي لها انعكاسات مضرة على مسار الحركة السياسية بصفة عامة، ونحن نتحدث عن المشهد السياسي الوطني، فإنها ساهمت في المقابل، في إطار جدلية الاعتقال والحرية، وجدلية نفي النفي، وجدلية الصراع السياسي والاجتماعي، في تصفية الجسد السياسي من بعض الشوائب والرواسب. في عملية دورة دموية تجديدية، قَوَّتْ عناصر من الحقل السياسي وأضعفت أخرى، أبرزت وجوه سياسية ونضالية، ووضعت أخرى جانبا.

وهكذا يمكن القول إن الوجوه والهيآت، التي صٌنعت صنعا، في تاريخ المغرب المعاصر هي ذات جذور ريعية، استفادت من وضع معين، ولا يمكن أن تعيش خارج هذا الريع السياسي المعنوي والمالي والاقتصادي، في مواجهة شرعيات تاريخية وشعبية جماهيرية وديمقراطية.

 

 


وهذا ما يمكن أن يحدث في المجال السياسي ومؤسساته، بحكم أن أية حركة كانت منغلقة أو منفتحة، صغيرة أو كبيرة، منسجمة إيديولوجيا أو غير منسجمة، فإن وجودها يندرج في ما يجري داخل المجتمع من تبدلات وعلاقات وصراعات ونظام سياسي معين، له خصائصه التي تتأثر بمحيطها سلبا أو إيجابا.

ما نريد قوله، إن العديد من الفاعلين السياسيين لا يمكن أن يعيشوا إلا من خلال الموروثات السياسية الفكرية والنضالية والأخلاقية، والعلائقية، التي فقدت مقوماتها التأسيسية حتى وهم يسعون إلى تدمير هذه المرتكزات، والسؤال لا يتعلق بجوهر الارتباط بالماضي، الذي هو مطلوب لبناء الحاضر والمستقبل، وإنما بمدى الاستعداد لتقبل أي منظور نقدي وعقلاني، أي أن السؤال المركزي هو كيف يجري هذا الارتباط ؟ وبأي مرتكزات ؟ وما هي غاياته ؟ هل الغايات التي بقيت مؤجلة والتي لها صلة بأسباب وظروف التأسيس والنشأة والتطور ؟ أو غيرها ما يستحق تطعيمه أو تجديده، أو يستحق إزالته.

ما يبدو سائدا اليوم هو السعي الحثيث نحو الاستهلاك الرمزي للتراث السياسي والنضالي، من موقع الوصي، وعدم إنتاج أي معرفة سياسية ونضالية بعيدا عن ظل ماضوي غيري، بل ما ينتج هو ثقافة ريعية سياسية، هذه الثقافة التي تقوم على الحفاظ على الصورة والشكل، ولكن لا يمكن أن تتمسك بالمحتوى، الذي يتناقض مع الاعتبارات التي تخاف من الشرعية الديمقراطية، التي هي شرعية مجتمعية بالدرجة الأولى، في علاقتها بالشرعية التاريخية، إن الحركات السياسية الحقيقية لا يمكن أن تكون إدارة تعمل على تخريج "إداريين" أو تقنويين بملبس سياسي مع ما يفرض ذلك من مستويات التفاوت والتمايز.
 
صحفي باحث ومعارض سياسي مغربي مقيم بالمنفى

 

 

شوهد المقال 296 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان - أوجاع بصرية

 عادل السرحان - العراق             الرصيف يسرح النظر الى آخر السفن الخشبية المغادرة وهي ترشه برذاذ من دموع الوداع دون ان تلتفت اليه بين انين ووجوم ودخان وصيحات سرب
image

كلمة الى الرئيس بوتفليقة من دون زيف او تدليس

جزائرية  أيها الرئيس إنني الآن قبل أن أخاطب فيك قلب صاحب الجاه والسلطان فإنّني أخاطب فيك قلب الإنسان ،لأتوجه إليك باسم عدالة السماء التي لم تجعل
image

الصمت القاتل: سجن باحث اقتصاد في الإمارات الدكتور ناصر بن غيث

 أورسولا ليندسي  حكمت محكمة إماراتية الأسبوع الماضي على ناصر بن غيث، الخبير الاقتصادي البارز الذي يدعو للمزيد من الديمقراطية وحقوق الإنسان، بالسجن عشر سنوات. وتضم جرائمه المزعومة
image

تاريخ مؤلم من العبودية خلف تنوع الموسيقى العُمانية

بنجامين بلاكيت  مسقط – لم يمضِ وقت طويل على مقابلتي مع ماجد الحارثي، المختص بعلم موسيقى الشعوب (علم الموسيقى العرقية)، حتى تحدث عما يراه تميّزاً هاماً. قال موضحاً بحماس ودود “لا
image

ناهد زيان - فيرحاب أم علي عمدة النسوان

 ناهد زيان  كنت لا زلت طفلة تلعب بالدمى وتقضي يومها لاهية في جوار جدتها وعلى مرأى من أمها في غدو ورواحها وهي تقضي حوائجها وتنجز
image

عبد الباقي صلاي - غياب الاستثمار الحقيقي في الجزائر إلى أين؟؟

عبد الباقي صلاي* لا أدري لماذا كلما استمعت إلى خطاب الحكومة حول الاستثمار سواء كان محليا أو أجنبيا  إلا وتذكرت فيلما شاهدته عدة مرات عنوانه "بوبوس"
image

سهى عبود - موعد مع الياسمين.. تفصيل بحجم الكون.. الحلقة الاولى.

  سهى عبود سماء القرية هذا الصباح متواطئة مع حالتي النفسية.. تزيح عنها الغيوم برفق لتفسح الطريق لخيوط ذهبية خجول..تحدثتُ طويلا مع امي قبل ان أغادر البيت،
image

محمد مصطفى حابس - الرجيمة" مسرحية تستغيث ، من يرشدها ؟

  محمد مصطفى حابس : جنيف -  سويسرادُعيتُ نهاية هذا الأسبوع في إطار النشاطات الثقافية للتقريب بين الأديان، للتعليق على مسرحية دولية، أمام جمهور غربي!! و كل ما في أمر
image

مادونا عسكر - القصيدة مخلوق في لحظة سجدة " لمحة نقديّة في نصّ للشّاعرة التّونسيّة فريدة بن رمضان

مادونا عسكر - لبنان - النّصّ:يناوشني اللّيل:"في قلبي لكِ كلمة"يهمس في أذني الشّعر:"حان أوانُ الغزل"أختلسُ غفلةً من زمنٍ هجيعوأفرُّ إلى سجدة!(فريدة بن رمضان)- لا يكون الشّعر شعراً
image

عامر موسى الشيخ - عكود السماوة و سماء التسميات ...

عامر موسى الشيخ - شاعر و روائي.عكد اليهود  ، عكد الشوربة ، عكد دبعن : أسماء مرّت عليها عقود  ولازالت على قيد التداول. فوق  أريكة من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats