الرئيسية | الوطن العربي | أحمد سعداوي - فضاء التظاهرات في العراق

أحمد سعداوي - فضاء التظاهرات في العراق

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

أحمد سعداوي 
 
من أبرز الاشياء التي حصلت في عراق ما بعد 2003 هو اغلاق وانغلاق الفضاءات المدنية أو انحسارها، وانفتاح الفضاءات الحزبية والدينية وتمددها الهائل.
وما أقصده بالفضاء هنا هو "المكان" تحديداً.
بالتأكيد لم يكن الوضع ما قبل 2003 مثالياً، ولعل بدايات الانحسار للفضاء المدني كانت من عقد التسعينيات؛ المسارح وصالات السينما وقاعات العرض التشكيلي والمكتبات العامة. المقاهي والمنتديات الثقافية والرياضية والعلمية، الجمعيات والروابط، ثم المكان الاجتماعي العام؛ الأسواق ومراكز الترفيه والبيع والشراء والمتعة، المتنزهات والحدائق والمطاعم.
كل شيء أختفى بشكل حاسم، خصوصاً في فترة العنف الطائفي في 2006-2007 التي شهدت اغلاق حتى شارع المتنبي ببغداد.
يقابل ذلك ازدهار الفضاء الحزبي والديني، من جوامع وحسينيات ومنتديات، وطقوس وشعائر ومهرجانات دينية يتم رعايتها وانفاق الاموال عليها وتسخير الجيش والشرطة وكل ممكنات الدولة من اجل انجاحها وادامتها.
في الفضاء المدني، أياً كانت خلفيتك الطائفية والعرقية فأنت غير قادر على استعمالها. تنطفئ الغدة العنصرية بشكل تلقائي، لأن الفضاء المدني يحرض غدداً أخرى مناسبة له.
في الفضاء المدني تتعود على التنوع، وعلى رؤية أشكال وسحنات متباينة ولهجات ونبرات صوت متعددة. في هذا الفضاء تتعود على أن تعيش ذاتك من دون حبال تحركك كدمية ضمن فصيل دمى بالحركة ذاتها.
في الفضاء المدني تتشكل تصنيفات أخرى للمجتمع، غير الطائفية والعرقية، تتشكل جماعات الميول والاتجاهات والأذواق والحاجات.
ولكن، بدون فضاء مدني لن تتمكن من القيام بشيء، فهذا الفضاء مثل الأرض التي تريد بناء منزل عليها. بدون الارض لا شيء يحدث.
لذلك فإن فضاءً جديداً مثل شارع الفراهيدي في البصرة، هو ليس مجرد سوق او بسطات لبيع الكتب، انه تأسيس لمكان مدني. لذلك تبدو السخرية من تحوّل شارع المتنبي الى منتدى مفتوح وصاخب وليس سوقاً تقليدية لبيع الكتب، امراً غير مفهوم ولا مقبول. المجتمع يريد توسيع هذا الفضاء المدني، لانه لا يملك بدائل كثيرة.
لذلك، برأيي الشخصي، قوة ساحة التحرير ببغداد، واماكن التظاهر المشابهة في المحافظات، في أنها ارتجلت مكاناً مدنياً، وباستمرار تقاليد التظاهر فيه، فإن ما يتأسس على المدى البعيد هو تعزيز الحاجة للمكان المدني، واشعار الجماعة المدنية بجسدها الاجتماعي، والاستفادة من المكان كبؤرة ونواة لتوسيع القاعدة المدنية.
لا أحد يضمن استمرار التظاهرات بالوتيرة ذاتها الى ما لا نهاية، ولكنها لحظة صحوة وولادة للشعور، ودعونا ننطلق من هذا المكان الارتجالي لتأسيس أماكن وفضاءات مدنية أكثر رسوخاً، فهذا منطق وحركة التاريخ. التنوع ينتصر، واللون الواحد مقهور لا محالة.
.

شوهد المقال 1082 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

ناصر جابي ـ هل تتجه الجزائر نحو أسوأ السيناريوهات؟

د. ناصر جابي  تعيش الجزائر هذه الأيام حالة استقطاب سياسي حاد، يمكن أن يؤدي إلى ما يحمد عقباه في الآجال القريبة، إذا استمرت الاتجاهات
image

محمد هناد ـ لا لانتخابات رئاسية مفروضة !

د. محمد هناد  أيها السادة أعضاء القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي :  القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل
image

خيط الدم للشاعر الإيراني علي موسوي كرمارودي ..ترجمة الشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي

ترجمة : محمد الأمين الكرخي         لابد من أن نراك متجليا في الحقيقة وفي العشب الذي ينمو وفي الماء الذي يروي وفي الحجر الذي للصمود يرمز وفي
image

علاء الأديب يصدر ديوانه الثامن عشر { المرأة الحلم } في بغداد

المرأة الحلم ..قريبا في بغدادديوان جديد للشاعر العراقي المغترب علاء الأديبفي موعد قريب ومن بغداد سيصدر الشاعر العراقي علاء الأديب المقيم في تونس ديوانه الثامن
image

وليد بوعديلة ـ ذاكرة "قالمة " وهويتها في رواية سنوات المحبة للأزهر عطية

د.وليد بوعديلة  رواية " سنوات المحبة" للكاتب الجزائري الأزهر عطية:تحولات وطن،وهج فني وهوية مدينة بعد أن أبدع الكثير من النصوص التي عانقت التاريخ الجزائري، يختار الكاتب
image

محمد محمد علي جنيدي ـ هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ يا فؤادي لا تسلْ كيف ارتضيتُ هذه الدنيا قلاعٌ من عذابٍ وسيولٌ من دموعي فاكتفيتُ كانت الأيامُ
image

معتقلي الرأي في الحراك الشعبي الجزائري

ابراهيم دواجي  اخوتي: محمد دعدي، توفيق حلاتي، محمد سمالح، نبيل بوالقمح، رضا عمرود، رابح بلكور، الشيخ ڨاريدي، رشيد، رضا بوعريسة، بوعلام الغاز، الصادق، بشير،
image

زوايمية العربي ـ محمد شرفي وتاريخه الأسود ضد الجزائريين

 زوايمية العربي  محمد شرفي الاسم الذي لم انساه منذ 33 سنة . افلاني ريعي من ولاية قالمة كان صديق
image

البروفيسور الجزائري عبد العزيز برغــوث يحرز على جائزة التميز الدولية لهذا العام "جائزة جواهر العالم الإسلامي" بمساهماته في وضع خطة ماليزيا للتنيمة 2050 منذ سنوات

محمد مصطفى حابس : جنيف /  سويسرا The JEWELS OF MUSLIM WORLDLes joyaux du prix du monde musulman هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان
image

حمزة حداد ـ المختفون قسرا في الجزائر حراك مستمر

حمزة حداد  منذ أسبوع تدخل الأستاذ مصطفى بوشاشي بمقر حزب الافافاس، حول قضية المساجين السياسيين والمفقودين بدزاير في فترة التسعينات، وتحدث عن حجم المعاناة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats