الرئيسية | الوطن العربي | محمد المحسن - أي مستقبل ينتظر تونس..في ظل عزوف الشباب عن المشاركة في الحياة السياسية..؟ !

محمد المحسن - أي مستقبل ينتظر تونس..في ظل عزوف الشباب عن المشاركة في الحياة السياسية..؟ !

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد المحسن 

 

الإهداء: إلى الشباب التونسي الذي قال للحاكم المستبد:"لا" بملء الفم والعقل والقلب والدّم..وارتقى بقراره إلى منصة الإستشهاد"

 

.. أتعب الماراتون الإنتخابي التونسيين،غير أنّ ذلك لم يمنعهم من القدوم للتصويت وانتخاب رئيسهم ومن ثم استكمال مشوارهم الديموقراطي والخروج بالتالي بالبلاد من طور-المؤقت- إلى رحاب المؤسسات الدائمة،يحدونا أمل في بناء ديمقراطيتنا واستدامتها..

غير أنّ الشباب التونسي آثر العزوف،وهو ما انعكس بشكل واضح على نسبة التصويت المتدنية، وقد فسّر البعض هذه المقاطعة بتفشي البطالة والمشاكل الاقتصادية،علاوة على حالة الإحباط التي انتابت العديد من الشباب التونسي بعد أن رأى أحلامه بغد مشرق تتدحرج صوب الهاوية، في ظل أوضاع إقتصادية وأمنية واجتماعية مهتزة، شهدتها البلاد عبر ثلاث سنوات ونيف من عمر ثورة أشعلها البوعزيزي بعد أن خرّّ صريعا ملتحفا لهيبا بحجم الجحيم..

وهنا أقول: لا أحد بإمكانه أن -يزايد-على مهر الحرية الذي دفعت البراعم الشبابية أرواحها ثمنا له،ولا أحد كذلك يستطيع الجزم بأنّ ما تحقّق في تونس من إنجاز تاريخي عظيم تمثّل في سقوط نظام مستبد جائر،إنما هو من إنجازه..لا أحد إطلاقا..فكلنا تابعنا المشاهد الجنائزية التي كانت تنقلها الفضائيات في خضم المد الثوري الذي أطاح -كما أسلفت- برأس النظام مضرجا بالعار، ومنح الشعب التونسي تذكرة العبور إلى ربيع الحرية..

تلك المشاهد الجنائزية كان ينضح من شقوقها نسيم الشباب..شباب وضع حدا لهزائمنا المتعاقبة،قطع مع كل أشكال الغبن والإستبداد،خلخل حسابات المنطق،جسّد هزّة عنيفة مخلخلة للوعي المخَدّر والمستَلب،وصنع بالتالي بدمائه الطاهرة إشراقات ثورية قدر الطغاة فيها هو الهزيمة والإندحار..

 أقول..مرّت ثلاث سنوات ونيف على ثورة حملت معها حلم الانعتاق من واقع القهر والبؤس في تونس،إذ صاغ الشعب بدماء شيوخه وشبابه صفحة جديدة من تاريخ تونس الحديث.ولئن كان النفس الرافض مبهرا في تجلياته الثورية،فإنّ الشغل الشاغل اليوم،هو عن سؤال أي مستقبل ينتظر الثورة،وأي دور للشباب التونسي مستقبلا؟!

لقد استطاعت تونس تحقيق خارطة الطريق التي راهنت عليها القصبة 2،والتي كان الشباب الحاضر الأبرز فيها،فتمّ إنشاء دستور حظي بإجماع نواب المجلس الوطني التأسيسي،وتمّ إنشاء قانون للعدالة الانتقالية ومؤسسات دستورية لحماية مكتسبات الثورة،وتستعد بلادنا خلال هذه الأيام المثقلة بالطموح والأمل لتكوين حكومة،وبذلك يكون مسار البناء رهين اختيارات المجتمع،بصوته الانتخابي وعمله المدني وابداعه الثقافي والفني،كما انتاجه العلمي والمعرفي..

ولكن ما يبعث على القلق،هي-كما أسلفت- النسبة المتدنية لمشاركة الشباب في الاقتراع.وهو ما يرسّخ المخاوف من استمرار الفجوة بين النخب السياسية من جهة،والشباب من جهة ثانية.على الرغم من كون الشباب،هم الذين فجّروا الحدث الثوري،لكن خيبة الأمل التي أصيبوا بها بعد ذلك شكّكتهم في أهمية الديمقراطية وجدواها..

في هذا السياق يقول المدير العام للمرصد الوطني للشباب وأستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية،محمد الجويلي:"الشباب مهتم بالشأن العام عبر وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية والمجتمع المدني،كما نجده في الاحتجاجات الميدانية،أما الانتخاب فهو بالنسبة للشباب سلوك جديد.."

 كما أكّدت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس،أنّ نسبة مشاركة الشباب في العمليات الإنتخابية:التشريعية/الرئاسية التي شهدتها -تونس التحرير- منذ أواخر شهر أكتوبر 2014 إلى غاية الإستحقاق الإنتخابي الأخير،كانت جد ضعيفة،فيما تحدثت بعض المنظمات غير الحكومية عن نسبة لم تتجاوز 10 في المائة من الشباب المسجّل في القوائم الانتخابية..علما وأنّ الباجي قايد السبسي(الرئيس التونسي المنتخَب) شدّد خلال حملته أنه سيعمل على "نقل التجربة والخبرة السياسية إلى الشباب"،أما الرئيس التونسي-المنتهية ولايته-محمد المنصف المرزوقي فقد دعا خلال ظهوره الإعلامي الشباب إلى المشاركة بكثافة..

البنك الدولي،أكّد بدوره في الأيام الماضية،أنّ الشباب التونسي يعانى من ارتفاع معدل البطالة والإحباط،مشيرا إلى أن لديهم حضورا محدودا في عالم السياسة،ومازالوا يواجهون حالة من التجاهل وعدم التشاور المنظّم معهم بشأن القضايا الرئيسية التي تمسهم مباشرة في البلاد..

أما  منظمة "أنا يقظ"فقد كشف استطلاع رأي أجرته عن الديمقراطية التشاركية،أنّ نسبة اقتناع الشباب بأهمية الدّيموقراطية التشاركية،والعمل البلدي تتجاوز الـ80 في المائة،إذ يعتبرونها الطريقة الأفضل لإيصال أصوات المواطنين الى ممثلي الشعب المنتخبين.كما أظهر استطلاع الرأي أنّ الشباب التونسي يفضّل المراقبة عن بعد،والبقاء بعيداً عن المشاركة في الحياة السياسية في البلاد.. !

ولكن..تونس تشهد،على غرار بقية البلدان العربية التي عرفت موجة انتفاضات الربيع العربي،عزوفاً للشباب عن المشاركة في الحياة السياسية بصفة عامة،رغم المشاركة الكثيفة للفئات الشبابية في الثورة..علما وأنّ يوم الانتخاب في تونس لم يكن حدثاً بارزاً قبل الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع:بن علي،لأنّ النتيجة كانت معلومة سلفاً،كما يقول كثير من التونسيين.وتراجع اهتمام الشباب بالسياسة في تونس أواسط تسعينيات القرن الماضي مع حملات التضييق على الجامعة التونسية من أجهزة النظام البائد..

 وهنا أضيف:لقد  كان الشباب التونسي طليعياً في خطوات ملحمة الدم منذ اليوم الأول للحراك الثوري في 17 ديسمبر 2010،وصولاً إلى يوم فرار المخلوع في 14 جانفي 2011.لكنّه صار الضحية الأولى،بامتياز،لعملية الاستيلاء الممنهج على مفاصل الدولة.

وعندما أقول الشباب،إنما أعني بالقول كل قطاعاته،ممن يناضلون من داخل جامعاتهم ومدارسهم الثانوية،وأولئك الذين استطاعوا بإرادة شبابية فذة إشعال الأحياء الشعبية والأرياف وهجاً ثورياً،لكنّهم تعرّضوا لحملة تحييد واختزال لدورهم في الحراك الميداني،وجرت محاولات عديدة لاستعمالهم أداة تنفيذية في الجسم الحزبي والخصومات الإعلامية..

 وهنا أختم:

إننا اليوم،ونحن على أبواب مرحلة هامة من مراحل بناء ديمقراطيتنا واستدامتها،ومن ثم التأسيس لتشييد أركان جمهوريتنا الثانية، يتضح أن الطلاب والشباب المعطّل عن العمل والشباب العامل يتخذ على نفسه مسؤولية ومهاما متفقة مع رهانات المرحلة،ويعود إلى الساحة الوطنية بنفس جديد،وإرادة في التنظيم والفعل لا يستهان بها،كما أنّه أمام سؤال تشبيك العلاقات والروابط فيما بينه وطنياً،ومع التنظيمات والنقابات الشبابية العالمية..

 إنّ الحصن القوي والواقعي لتونس ما بعد -14 جانفي- هو جيل يحمل قيم الحرية والعدالة والكرامة،ويعمل لها وفيها من خلال مجتمعه وعبر مؤسسات دولته..

وما على النخب السياسية إلا استيعاب الإقبال الشبابي على العمل النقابي والمدني ومن ثم تشريكه في الحياة السياسية،خدمة للمشروع الديمقراطي والاجتماعي الذي تناضل من أجله التنظيمات الشبابية في تونس ما بعد الثورة..إذ،لا مستقبل لبلد يصبو إلى أن يكون منتجا وخلاّقا..في ظل عزوف الشباب عن المشاركة في الحياة السياسية..

وأرجو..أن تصلَ رسالتي إلى عنوانها الصحيح..

 

كاتب صحفي وعضو بإتحاد الكتّاب التونسيين

شوهد المقال 1345 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats