الرئيسية | الوطن العربي | العراق جنة لولا

العراق جنة لولا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. حامد العطية

في أواسط القرن الماضي كان اللبنانيون يقيسون مدى نجاح مواسمهم الصيفية بعديد المصطافين العراقيين، آنذاك لم تكن السياحة حكراً على العراقيين الموسرين، فما أن تبدأ عطلة المدارس الصيفية حتى يشد الألاف من الموظفين والمعلمين والمعلمات الرحال إلى مصائف لبنان، ولعل زملائهم اليوم يذرفون الدمع على تلك الأيام الخوالي عندما كان الموظف الحكومي يقبض جزاء عمله اجراً مناسباً إضافة إلى إحترام وتبجيل الناس، ولكن عراقيي ذلك الزمان – وكل الأزمنة- لا تسحرهم تماماً أجواء بحمدون البديعة ولا تشبع أذواقهم النهمة أسواق بيروت العامرة، وإن سألتهم عن رأيهم لردوا عليك بصوت واحد: لبنان جنة لولا... يتوقفون برهة لينظروا حواليهم لئلا يسمعهم لبناني غيور على وطنه قبل أن يكملوا: لولا اللبنانيون!!
في جنة العراق لم يتعرض آدمها وحوائها للطرد، بل تركوا لاستيطانها وتعميرها، وعندما كان آدم العراقي يخرج لصيد الأسود والنمور والغزلان كانت حواء العراقية تجري البحوث الزراعية على باب مغارتها أو كوخها، وقبل أن يصطاد آدم كل الطرائد بين الرافدين كانت حواء قد اكتشفت الزراعة، وإذا كان الغربيون يفتخرون علينا بصناعة عمرها ثلاثة قرون فقط فلنا كل الحق أن نتباهى عليهم باكتشاف الزراعة منذ مايزيد على مائة قرن، ولولا الزراعة لكنا جميعاً أسارى العصر الحجري أو الحديدي...
العراق جنة لا نقولها تفاخراً أمام الغرباء فحسب، ولا نرددها مثل أنشودة مدرسية مفروضة علينا من دون اقتناع حقيقي بفحواها، عندما يتفوه بها العراقي تكاد تساقط الكلمات من فمه رطباً جنياً، وعندما تتغنى بها عراقية تشم في أنفاسها عطر الجنة، لا عجب أن يولد فيه الأنبياء وأن يدفن فيه الأولياء، ولا غرابة أن تبدأ به أول حضارة ولن أستغرب لو نهضت فيه آخر الحضارات، هنا تعلم البشر الكتابة، وهنا أفاق العقل والفكر والفلسفة والعلم بعد سبات طويل.، ولكن هل نحن خير خلف لذلك السلف الحضاري؟
لو قارنا بين جنة العراق وجنة الخلد لوجدنا تشابهاً بينهما، في بعض جوانب الجغرافية على وجه التحديد، فالجنة تجري من تحتها الأنهار والعراق يجري في وسطه نهران عظيمان، وفي الإثنين جنات من نخيل ورمان وفواكه متشابهة وغير متشابهة، ولكن هل حفظنا نحن العراقيون هذه النعم التي تكاد تجعل من بلدنا جنة في الأرض؟
لا مجال للمكابرة وإنكار الحقيقة، ولو كانت أمر من العلقم، ومن المؤكد بأن واقعنا المزري من صنع أيدينا من دون مواربة، أيدينا أهملت جنات النخيل حتى فقدنا عشرة ملايين نخلة في سبعينات القرن الماضي فقط، وغزت الطحالب نهري دجلة والفرات بفعل سوء تدبيرنا وافراطنا في استخدام المخصبات أثناء التسعينيات، وبدلاً من شكر الله على نعمه بالاستفادة منها أشترى بها المتسلطون علينا السلاح لنقتل بها الأبرياء، وأخوتنا وأولادنا هم قتلوا أنفسهم عدواناً وبغياً على جيراننا.
إذا كنا قد ضيعنا بعض ملامح الجنة في بلدنا بفعل أيدينا فهل فينا شيء من صفات أهل الجنة؟ تبين الآية الكريمة التالية (الحجر:47) الخصائص المميزة لأهل الجنة: (ونزعنا ما في قلوبهم من غل أخواناً على سرر متقابلين)، وللأسف فإن حال العراقيين على النقيض من ذلك، فالقلوب متقيحة بالحقد الديني والطائفي والعنصري والحزبي والطبقي إلى درجة أستحلينا بها القتل الجماعي وذبح الأطفال وقطع رؤوس الأبرياء واغتصاب النساء ونهب الممتلكات، وعندما نتقابل كرهاً نتبادل الاتهام والشتائم واللعنات واللكمات والركل وأحياناً الطلقات النارية والقنابل وهي الدليل على اضمحلال روابط الأخوة والانسانية بيننا.
بعد استعراض هذه الحقائق لا بد من الاستدراك على عنوان المقالة، وقد أخطأت في صياغته كما شططت في المقاربة بين الوضع في العراق وبين الحالة اللبنانية، فالعراق اليوم جحيم لا جنة، وكما أن أهل الجحيم الأبدي لايطيقون الحياة فيه ويتمنون الخروج منه أحياءً أو أمواتاً فقد غدت الحياة في العراق لا تطاق، وما صبرالعراقيين عليها إلا من قلة الموت كما يرددون.
العراق جحيم لأننا طردنا الجنة من بلادنا، نحن الخائفون المترددون الإتكاليون المفوضون أمرهم إلى أسوء الخلق المنقادون وراء أقل الناس علماً ومعرفة الساكتون عن الحق المائلون مع الباطل والأهواء، نحن الذين ما زلنا على العصبية القبلية الجاهلية ولما يدخل الإيمان في قلوبنا، ولكن وعلى خلاف أهل الجحيم الأبدي ما تزال أمامنا فرصة أن نغير ما بأنفسنا، والبداية هي في التحلي بالشجاعة الكافية لنعترف مع أنفسنا وبعضنا البعض بأن الجحيم العراقي نتاج أيدينا، ولنفتح عقولنا على المعرفة وقلوبنا على العواطف السامية ولنجعل من العدل والقيم العليا نبراس حياتنا، آنذاك فقط نكون جديرين بالجنة العراقية.
ليس في هذا المقال جديد، هو مطابق تقريباً في العنوان والمحتوى لمقال نشرته قبل سبع سنوات، ووجدت حاجة لإعاة نشره إذ ما يزال العراق جحيماً بفعل السلوك غير السوي لأبناءه، ولو قدر لي أن أكون حياً بعد سبع سنين فلن أعيد نشره، فأمام العراقيين فرصة أخيرة: أما أن يخرجوا أنفسهم من الجحيم و إلا فلن يكون هناك عراق أو عراقيون.
سيكون العراق جنة بالفعل عندما يخلو من الاكراد الإنفصاليين والسنة الإرهابيين والشيعة المتذللين والقبليين المتعصبين والساسة الفاسدين والموظفين المرتشين.
(للإسلام غايتان عظمتان هما الإحياء والإصلاح ووسيلة كبرى هي التعلم)
15 آب 2014م

شوهد المقال 1046 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوعلام زياني ـ صندوق لعجب التلفزيون العمومي الجزائري في خدمة الإستبداد

بوعلام زياني  يسمونها الأرضية لان مستواها يمسح الارض ولا يعانق أحلام الجزائريين الكبيرة ،سموها سابقا باليتيمة لانها لم تنعم بدفء العائلة وعاشت مشردة يستغلها
image

وليد عبد الحي ـ دبلوماسية ترامب بين النووي الايراني وفلسطين

 أ.د.وليد عبد الحي  في إطار اعداد المسرح الاقليمي والدولي لاعلان ترامب عن تفاصيل " صفقة القرن" بُعيد الانتخابات الاسرائيلية القريبة ، وبعد أن ضمن
image

نجيب بلحيمر ـ الجزائر على موجة الثورة السلمية

نجيب بلحيمر   غاب كريم طابو عن الجمعة الثلاثين من الثورة السلمية لأنه في السجن، لكن الثمن الذي يدفعه الآن من حريته الشخصية لا يساوي شيئا
image

صدر حديثا أناشيد الملح - سيرة حراڴ للجزائري العربي رمضاني

المتوسط للنشر :  صدر حديثاً عن منشورات المتوسط - إيطاليا، الإصدار الأول للكاتب الجزائري العربي رمضاني، بعنوان: "أناشيد الملح - سيرة حراڴ"، وهي من
image

المرصد الأوروالمتوسطي لحقوق الإنسان : اعتقال النشطاء السلميين صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر

جنيف- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اليوم إنّ السلطات الجزائرية اعتقلت أخيرًا عدد من النشطاء السلميين في خطوة تشكّل صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر.     المثير للقلق
image

اليزيد قنيفي ـ العهد الجديد ..بين التفاؤل والتشاؤم ..!!

اليزيد قنيفي  على مدار عهد طويل تعرضت البلاد إلى حالة من التدمير والحرق والإهانة والسخرية والتجريف والنزيف غير مسبوقة ..استبداد وغلق وفساد معمم وشامل... ورداءة وفضائح
image

علاء الأديب ـ أدباء منسيون من بلادي..الروائي العراقي فؤاد التكرلي

 علاء الأديبعلى الرغم من أن الروائي العراقي المرحوم فؤاد التكرلي لم يكن غزيرا بكتابة الرواية من حيث عددها إلا إنه يعتبر من أوائل الروائيين العراقيين
image

العربي فرحاتي ـ حراك الشعب في الجمعة 30 ..المدنية هي شرط قوة الشعب والجيش

د. العربي فرحاتي  الجيش يقوى بقوة الشعب ..ويبقى قويا مادام الشعب قويا.. ويضعف بضعف الشعب ويبقى كذلك مادام الشعب ضعيفا...ولا يمكن لشخص مهما كان
image

محمد محمد علي جنيدي ـ حكاية بلد

محمد محمد علي جنيدي- مصر   كنتُ كُلَّما سافرتُ إلى بلدِها صباحاً لزيارةِ عَمَّتي العجوز، رأيْتُها تقطعُ الطَّريقَ لتذهبَ إلى محلِ الوردِ الذي تعملُ فيه، فإذا ما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats