الرئيسية | الوطن العربي | محمد المستاري ...... مع الدارجة المغربية.. لكن ضد اعتمادها في المنظومة التربوية

محمد المستاري ...... مع الدارجة المغربية.. لكن ضد اعتمادها في المنظومة التربوية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد المستاري*

تعرف الساحة المغربية، أخيرا، جدلا واسعا حول دعوة إلى اعتماد "الدارجة المغربية" في المنظومة التربوية، ويطفو على سطح هذا الجدل طرفان. أحدهما متعصب للدارجة إلى حد إعداد مذكرة تطالب باعتمادها في التدريس رسميا... والآخر مدافع عن اللغة العربية إلى درجة تقديسها -على حد تعبير الإعلامي والشاعر عدنان ياسين-. فكيف يمكن النظر إلى هذا الجـدل الذي هو متجاوز في مجموعة من الأقطار الأخرى المشابهة لنا؟ 

لا يمكن إنكار قيمة الدارجة المغربية، لأنها تعبر عن الغني والتعدد و"الاختلاف الجميل" الذي أشبه ما يكون بلوحة فنية تتحدد ألوانها للتعبير في الأخير عن رسالة أو مضمون واحد. كما أن الدارجة المغربية، تتميز بالعمق الدلالي، والإيحاء الرمزي، ولا يوجد فيها من الاعتباط مكان، هـذا وإن كانت تعرف تحويرا لبعض المصطلحات والمرادفات، فإن ذلك لا يكون معدوم الرمزية والمعنى.

لكن، نؤكد أننا ضد اعتماد هذه الدارجة في المنظومة التربوية، وإن كان هناك أنصار لها، وعلى رأسهم نور الدين عيوش –رجل الإشهار الأول-، فلا نخفي شكنا وارتيابنا الكبير في أن يكون الأمر مغرضا أو مدعما من قبل جهات خارجية تحاول زعزعة استقرار هذا البلد المتميز بالسلم والتعايش والاختلاف. 

ونرى أن هناك تأويلين ممكنين حول خلفية المدافعين عن الدارجة بنوع من التطرف، والمقترحين لاعتمادها في المنظومة التربوية، يمكن أن نعرضها على النحو التالي:

فإما أن أصحاب هذا الاتجاه مجهولون ويحاولون لفت الانتباه والأنظار إليهم. وقد وصلوا إلى ذلك بالفعل، ونفسر هذا الأمر بحديث المثقف العضوي عبد الله العروي حول الموضوع الذي نتحدث عنه، رغم غيابه الطويل، فقد أدلى الرجل برأيه الذي يفيد أن دعاة هذا الطرح يحاولون تقويض الوحدة الوطنية وتفكيكها وتفريقها وشرذمتها، عبر حوار خص به أحد المنابر الصحفية المغربية اليومية.

ولعل من هنا، يمكن أن نتأمل قمة المفارقة، المفكر عبد الله العروي الذي أفنى قمة طاقته في البحث الرصين حول قضايا الحرية، الدولة، السياسة والإيديولوجيا... وغيرها من المفاهيم العميقة. وعلى إثر ذلك العمل المضني أخذ قسطا من الراحة والتأمل و"الإنصات إلى عظامه قليلا" كما يقال. حركه دعاة مجهولون يطالبون باعتماد الدارجة المغربية في المنظومة التربوية؟

أما التأويل الثاني، فهو ذلك الذي كان قد تنبأ به المثقف العضوي سمحمد جسوس، منذ سنوات، حينما قال "إنهم يريدون خلق جيل من الضباع"، فأليس في مثل الدعوة إلى اعتماد الدارجة في المنظومة التربوية "استحمارا" للمواطنين ونوايا غير بريئة مؤسسة لخلق جيل من الضباع؟

ويمكن أن نوضح ذلك برسم صورة ذهنية بسيطة، ماذا يمكن أن ننتظر من وضع كهذا التالي: عندما يدخل الأستاذ لحجرته الدراسية فيسأل المتعلمين عن جملة مفيدة: فتكون إجابة أحدهم على الشكل التالي: "نطحت عمي خالد البكرة"، وإجابة آخر: "المغاربة فرحانين وناشطين في العواشر ديال عيشورة"؟.

إنهم يريدون خلق جيل من الضباع"، إنهم يريدون إبعاد الشعب عن فهم القضايا الكبرى لكي ينفردون بمعالجتها وحدهم. إنهم يتحدثون عن اعتماد الدارجة في المنظومة التربوية بينما هم يُقْدِمون على تدريس أبنائهم في أجود المؤسسات الأجنبية، التي بها مدرسون فرنسيون وإنجليزيون وعربيون يتقنون الفصاحة؟

إننا الآن، أمام حقيقة مرة، فإذا كانت اللغة باعتبارها عنصرا ثقافيا هاما، وقد وسمها مختصون وباحثون في مقامات كثيرة من أبحاثهم بأنها: "وعاء الفكر"، فلنختر أي وعاء نريد أن نضع ونحمل فيه هذا الفكر، فإما في وعاء سليم ومتماسك وتمثله اللغة الفصحى، وإما في وعاء كله ثقوب وتمثله الدارجة إذا ما تم إدراجها في المنظومة التربوية. ونضيف أكثر من ذلك، فنقول وداعا لك أيها الشعر الراقي الذي تفاخرت وتباهت بنظمك الأقوام، ووداعا لك أيها النقد الأدبي الرصين الذي يبعثر الأوراق ويربك الأذهان إذا ما حلت الدارجة داخل الحجرات الدراسية؟؟ 

صحيح أنه من حق كل شخص أن يلفت الأنظار إلى شخصه النكرة، لكن، حبذا أن يكون ذلك في برامج الكوميديا والاستوديوهات المنتجة للرداءة، والإشهارات التلفزية التي تقول 1+1=3، ولنترك المشهد الثقافي المغربي بخير، لأنه بات يعرف أخيرا إنتاج الرداءة والتطاول التي تتمثل في سن المقترحات والدفاع عنها، دون عمق منهجي ولا فكري. ولعل من أعظم الوقاحة أن يصل هذا التطاول حتى إلى المنظومة التربوية.

*باحـث مغربـي
med.mestari@gmail.com

شوهد المقال 1392 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الحجر الصحي و العطب السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 173. خرج عبد المجيد تبون رئيس الدولة مرة أخرى في قصر المرادية وهو يستقبل من اختارهم ممن يحاورونه، وقد
image

لخضر بن شيبة ـ الحراك الجزائري في زمن كورونا

لخضر بن شيبة   تعليق التظاهر خدمة للجميع… بسبب التهديدات المرتبطة بوباء فيروس كورونا، كان يوم 20 مارس / آذار 2020 أول جمعة بدون مسيرات شعبية
image

سليم بن خدة ـ ثمة ما يدفع إلى نوع من التفاؤل...العدد في تصاعد في الجزائر لكن لا داعي للذعر والتهويل

 د . سليم بن خدة  العدد في تصاعد، هذا كان منتظرا، لكن لا داعي للذعر والتهويل، و لا يعني أننا نهون من الأمر، فعلى عموم
image

علاء الأديب ـ خطيئتي

علاء الأديب           ماكان لي يوما سواك خطيئة يامن عصيت الله فيك لأقنعك. لو كنت أعلم أن حبك كذبة ماسرت في درب الظلال لأتبعك  سر التقى
image

خالد الهواري ـ سر الرقم 20

خالد الهواري  ـ  السويد  ليس بجديد القول الان ، ان السياسة الأمريكية في ظل حكم ترامب أصبحت غير مفهومة، ولايستطيع احد ان يتنبأ باي قرار سوف
image

يسرا محمد سلامة ـ ما ابتلاكَ إلا لـيُهذبك

د. يسرا محمد سلامة   يعيش عالمنا هذه الأيام مع أزمة صعبة جدًا تتعلق بوجوده في هذه الحياة من عدمها، وهو أمرٌ لم يكن يتوقعه أحد؛ خاصةً
image

عثمان لحياني ـ الجزائر ما بعد كورونا

عثمان لحياني  كيفما كانت النتائج والنهايات، أنجز الجزائريون حراكهم بأقل كلفة ممكنة وتحت عنوان أنّ هذا النظام فاسد ومفسد للمقدرات العامة وزارع للمظالم ويحتاج
image

وليد عبد الحي ـ العولمة بين الكورونا والواقع الدولي

 أ.د. وليد عبد الحي  يميل قدر غير يسير من الكتاب والباحثين الى الاعتقاد بأن الكورونا قصم ظهر العولمة، وان الانكفاء مرة أخرى نحو
image

وليد عبد الحي ـ دلالات كورونا " عربيا"

 أ.د. وليد عبد الحي   طبقا لأرقام منظمة الصحة العالمية – إذا كانت الارقام صحيحة- فان عدد الاصابات في دول الجامعة العربية هو حتى
image

نجيب بلحيمر ـ لخالد الحرية والمستقبل

نجيب بلحيمر   قبل ثلاث سنوات من الآن تحول مشروع تركيب السيارات في الجزائر إلى نكتة بعد ان أظهرت صور نشرت على فيسبوك سيارات منزوعة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats