الرئيسية | الوطن العربي | محمد غازي الأخرس ...... «مهرجان الأمة» يعود من جديد!

محمد غازي الأخرس ...... «مهرجان الأمة» يعود من جديد!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد غازي الأخرس

 

مؤلم جدا أن ترى في التلفزيون التابع للدولة ما يذكرك بتلفزيون بغداد في عهد صدام، مؤلم هذا الأمر ومخيب للآمال، وقد يصيبك بصدمة إذا ما ما تطابقت الصورتان لدرجة نصل معها لما يسميه اللغويون بـ"الجناس الناقص". هذا ما همست به وأنا أوازن بين اسم مهرجان طالعت تقريرا عنه بالأمس وآخر تحتفظ به الذاكرة: هو ذاك، "مهرجان الأمة الشعري" يحضر فجأة في "مهرجان الهمة" الجديد فماذا عن الأول يا ترى وماذا عن الآخر؟

مهرجان الأمة الشعري هذا يتذكره أبناء جيلي جيدا، عقد عام 1985 على ما أتذكر ودعي له شعراء من مصر والخليج والمغرب العربي حيث بانتظارهم حدثٌ لافت الفخامة لدرجة أنني شخصيا، وكان عمري لا يتجاوز الثامنة عشر، كنت أقف في باب القاعة على حياء في انتظار أن أرى شعراء "الأمة"، أولئك الذين طالما ضحكوا علينا آنذاك فروجوا عن أنفسهم صورة القديسين بينما هم، في الواقع، مثقفون أجراء ويستقدمون غالبا للمهرجانات بـ"كروتهم"، فيقبضون ما يتيسر لهم مستمتعين بالفنادق الفارهة، في زمنٍ كنا نقتل في الجبهات "ولا من شاف ولا من دري".

ولكن لا عليَّ من تلك الذكرى التعيسة التي لا زلت أتحسس ملمسها الخاكي ولأقف عند مهرجان "الهمة" الذي عقد قبل أيام برعاية رسمية وأحياه شعراء شعبيون نعرفهم جميعا، ولبعضهم صولات وجولات في مهرجانات التعبئة الثمانينية، يوم كانوا يهزجون للموت ويمتدحون الطغيان. لأقف عند هذه الفعالية المستهجنة الغريبة عن عصرها، التي أصابتني بالغثيان وأعادت علي شريط سينمائي طويل ثيمته "اللواكة" وأبطاله الشعراء المتلمقون. ولكي تتفهوا غضبي، عليكم أن تعرفوا أن المهرجان خصص لمديح وزارة الكهرباء والثناء على منتسبيها وقادتها، هؤلاء الذين أعادوا لنا "النور" بـ"همة" عراقية لا مثيل لها في العالم.

نعم، صدقوا أو لا تصدقوا، كان "مهرجان الهمة" مخصصا لهذا الغرض تحديدا وبمباركة من وزارة الكهرباء التي تفضلت علينا بإصلاح المنظومة ولولاها لبقينا نترادم في الظلام.الشعراء الشعبيون بصلعاتهم وقوطهم وأصواتهم الجهورية التي تذكّر بطلايب العشائر قالوا ما نتحرق جميعا لقوله منذ أن تحسنت الكهرباء، كانوا خير نواب لضميرنا الشعبي "الشاعر" بالممنونية لرجال "الفولت" وأبطال "الميكاواط".

هل ثمة من يعقل هذا الخرف؟ هل هناك من يصدق هذه المخازي؟

أنمتدح وزارة أو مؤسسة على عمل تقوم به؟ عمل هو من مهماتها التي ما وجدت إلا لأجله؟ أمتفضلون هم علينا بإصلاحهم منظومة كهرباء يفترض بها ألا تتعطل لحظة واحدة ؟ أتراهم "مصخرين" مثلا ؟ ألا يتقاضون رواتب على وظائفهم هذه كباقي خلق الله؟

أوسمعتم بشيء شبيه جرى في أي دولة تحترم نفسها؟ أسمعتم بمهرجان عقد في نيويورك مثلا عنوانه "أبطال ناسا" وموضوعه إطراء العلماء العاملين بتلك الوكالة؟

ما الذي يجري وفكرة من هذه؟ بأي طريقة يفكر مسؤولونا الأفاضل؟ هل يشعرون أنهم متفضلون علينا بانجاز وظائفهم التي هم مقصرون بها أساسا؟ لماذا المهرجان في الأساس ولدينا وسائل أخرى نستطيع من خلالها إيصال شكرنا وممنونيتنا لهم؟ ما رأيهم مثلا أن نجمع لهم "عيديات" تشجيعية أو أن " نلم " لهم من كل دار خمسة آلاف دينار لنعبر لهم عن فرحتنا بإعادة الكهرباء؟ بل بدلا من المهرجان، كان يمكننا الخروج بمسيرات رافعين شعارا واحدا هو: انعم الله عليكم يا طيبين!

أي والله إنها لكارثة، أن يسود هذا الفهم في وزارات الدولة ومؤسساتها فيستعاد مفهوم المهرجان الشعري والهوسة والأبوذية والأغنية التعبوية بعد كل الذي جرى. أين هذا الفهم من معنى الدولة الذي قدمنا مئات آلاف الشهداء من أجل ترسيخه؟ ما هذه الردة المرعبة لأيام المكرمة والمرحمة التي ذقنا مرارتها وتلمسنا تفاهتها ونكاد لا نصدق أننا تركناها وراء ظهورنا؟

 الآن، بالعودة لزمن "مهرجان الأمة" الذي يريدون إعادته، فإن شعراء ذلك الزمن كانوا يختمون طقسهم بتوجيه برقية للقيادة "الحكيمة" يشكرونها فيها ويعاهدونها على " المضي قدما في دروب التضحية والفداء"، والحق أنني لا أدري إن كانت مثل تلك البرقيات قد استعيدت أيضا، ولكن في كل الأحوال، لا أظن أن الأمر يحتاج إلى برقية أو فاكس، يكفي أن تسمع اسم المهرجان الجديد لتتذكر سلفه العتيد، مهرجان الهمة ـ مهرجان الأمة ..يا له من "جناس ناقص"!

العالم العراقية  

شوهد المقال 1400 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عاشور فني ـ التاريخ الثقافي المقلوب ..الجزائر رسمت ابجديتها تاماهق

د. عاشور فني  على حجر عمقه آلاف السنوات أحاول أن أتهجى حروف اسمها. وامام خيمة تضيئها أشعة الشمس الأولى بعد الليلة الأولى بصحراء تادرارت
image

نجيب بلحيمر ـ العلاج بالحرية

نجيب بلحيمر   الأفكار لا تجابه بالسجن، والذين تزدري أفكارهم، أو تحسبهم جهلة، هم في النهاية يعتنقون فكرة مهما كانت مشوشة أو مشوهة. نعيش في مجتمع مغلق، ويحكمنا
image

السعدي ناصر الدين ـ زروال

السعدي ناصر الدين في اليوم الثاني من زيارتي بجاية حيث اقضي كل عام جزء من عطلتي السنوية توجهت مع الاولاد الى تيشي وقضينا يوما رائعا..عدنا
image

عثمان لحياني ـ بكل وضوح : عند رأي خبيه عندك

 عثمان لحياني  "عندك رأي خبيه عندك ، لا تكتبه في الفايسبوك، لا تخرج هن ولي الامر"..لن تستطيع المؤسسة الرسمية أن تكون أوضح من هذا الوضوح
image

رشيد زياني شريف ـ حتى لا يختلط علينا الأمر ونخطئ المعركة

رشيد زياني شريف   ما تطرقت إليه في منشورات سابقة وجديدة بشأن اللغة العربية وما يدور حولها من حديث وحروب، واعتبرتها فخا ومصيدة، لا يعني
image

محمد هناد ـ من وحي الحراك !

 د. محمد هناد  اعتبرني أحد المعلقين وكأنني اقترفت إثما عظيما بمقارنتي الحراك بحرب التحرير. ولعله، مثل الكثيرين، مازال يعتبر هذه الحركة، الضاربة في عمق
image

زهور شنوف ـ #الجمعة66 لا تختبروا صبر "الصبارة" أكثر!

 زهور شنوف    يوم الجمعة 10 جانفي 2020 التقطت هذه الصورة.. كانت تمطر يومها.. تمطر بغزارة، وهذا الشاب يقف تحت شجرة في شارع الشهيدة حسيبة بن
image

عبد الجليل بن سليم ـ نشطاء الحراك تشوه إدراكي إنحياز تأكيدي.. باش نفيقو

عبد الجليل بن سليم  منذ بدأ حراك الشعب و كل ما كتبته أو على الاقل حاولت كتابته كان نقد للنظام و سياساته و منذ عوام
image

وليد عبد الحي ـ عرض كتاب:ابن رشد وبناء النهضة الفكرية العربية(7)

أ.د . وليد عبد الحي يقع متن الكتاب الصادر عام 2017 في 305 صفحات (منها 20 صفحة مقدمة ومدخل) وتم تقسيمه الى 3 ابواب و
image

العياشي عنصر ـ الجيش؛ الجيل، التعليم والسياسة

 د. العياشي عنصر  عندما يطرح موضوع الجيش في الجزائر خلال المناقشات ، ويقع التطرق الى مكانته ودوره في الحياة السياسية عامة، وموقفه من الحراك الشعبي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats