الرئيسية | الوطن العربي | فاروق عبدالجبارالبياتي ......... بين الشهرة والتشهير(1 ) ... من هي (ح . م ) المرأة الشهيرة في العراق المعاصر ؟

فاروق عبدالجبارالبياتي ......... بين الشهرة والتشهير(1 ) ... من هي (ح . م ) المرأة الشهيرة في العراق المعاصر ؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فاروق عبدالجبارالبياتي

 

 نعرفُ الشهرة بمفهومها العام أن يكون شخص ما مميزا ومعروفا لدى أوسع قطاع من الناس، والشهرة عالم فضفاض غير خاضع الى أية معايير أخلاقية أو مقاييس إعتبارية، فليس بالضرورة أن تكون هذه الشهرة قد جاءت نتيجة أفعال خيرة يقدمها أحدهم الى المجتمع، أو علم ينتفع منه، أو أدب أو فن راقٍ يرفع من إنسانية الإنسان، فقد أشتهر مجرمون ومارقون وحمقى وأفّـاقون، أما مساحة الشهرة فهي تتفاوت من (مشهورٍ) الى آخر، على وفق أمزجة وثقافة وذائقة المجتمعات البشرية.

 هناك من إشتهر لأنه قدم خدمات إنسانية للبشرية جمعاء مثل العالم توماس إديسون الذي كانت إحدى إنجازاته العلمية - التي تجاوزت الألف - إنارة النصف المظلم المأهول من الكرة الأرضية، فيما كان خالق الكون قد إكتفى منذ الأزل ومازال بإنارة نصفه الآخر، ومع ذلك فإن شهرته لم ترق الى شهرة العالم الفرد نوبل الذي إبتلانا بإختراع الجلاتين المتفجّر ما عرف لاحقا بالديناميت، والفارق الزمني بين الإختراعين ستة أعوام فقط !.

 شهرة العظيم المهاتما غاندي لا ترقى هي الأخرى الى شهرة الجزّارين هتلر وموسوليني وستالين، وبالمطلق أن أي إستطلاع معاصر يقارن شهرة نلسن مانديلا بشهرة أسامة بن لادن فإن الأخير يتفوق عليه، أما أغرب معايير الشهرة فهي تلك التي ألفناها نحن في بلداننا العربية ومنها العراق، فلدينا من المفارقات العجيبة والغريبة في هذا الشأن، فهناك من العلماء والأدباء والفنانين من غـُمِرو ولم ينلوا الشهرة والحظوة التي نالها غيرهم من السفهاء.

 عندما سأل أحد الصحفيين العرب الأديب يوسف الصائغ في إحدى المرابد – تعقيبا على وصفه شاعر مهرجانات المربد : لماذا لم تحصل على الشهرة التي حصل عليها غيرك من الشعراء فرد قالا (الشهرة عندنا إحدى غرائبنا، ففي بغداد شيءٌ أسمه همبركر أبو يونان، وقد ألِفَ الناس أن يقفوا طابورا طويلا أمام شباك هذا المطعم الصغير، فيما كان هناك أكثر من مطعم على أمتار منه يقدم نفس الطعام ومكوناته وربما أحسن منه، لكنه فشل في مجاراة شهرة أبو يونان ما إضطرها الى غلق أبوابها، أبو يونان مات وطابور الزبائن بقي على حاله، ويونان أبنه باع المطعم وهاجر الى كندا، والطابور على حاله).

لو سألنا ألف مواطن عراقي من تعرفون من هاتين السيدتين العراقيتين : الأولى الغجرية ساجدة عبيد، والثانية المعمارية العراقية العالمية زها حديد؟ لأجابت الأغلبية (ساجدة عبيد)، ربما واحد منهم فقط من هؤلاء الألف يعرف المعمارية زها التي رحَّبَ بها في الصين الملايين من المواطنين بعد أن شيّدت لهم أشهر مول في العالم، العراقيون يعرفون الكثير ممن سفّهوا اللحنية العراقية وشوّهوا أغانيهم، لكن الذين يعرفون الموسيقار صالح الكويتي مؤسس الأغنية العراقية الحديثة في القرن العشرين لا يتجاوزون العشرات، وشهرة الغجرية الاخرى سناء تفوق مئات المرات شهرة العديد من الفنانات والمبدعات العراقيات اللائي تركن بصماتهن في العلوم والآداب والموسيقى والمسرح والفن التشكيلي، ولكثرة ما جمعت هذه الغجرية من ملايين الدنانير في مزرعتها الواقعة في منطقة النهروان، إستبدل أسمها من سناء الى (ملايين)، أما الإذاعي المخضرم ومعلم الأذواق سعاد الهرمزي، فلم يحصل على واحد بالمئة من شهرة المذيع )المُسفِّه) للأذواق ماجد سليم الذي فاقت شهرته شهرة العظيم رائد النحت العراقي جواد سليم صاحب ملحمة نصب الحرية، ففي إحدى حلقات التسفيه الإذاعي التي كان يقدمها هذا المذيع من إذاعة السفيه الآخر عدي صدام، كان قد سأل مستمعيه من هو جواد سليم؟. فلم يعرفه آنذاك أي منهم، بل جاءت معظم الإجابات وعلى مدى أكثر من ساعة مدة برنامجه أنه شقيقه (إي شقيق السفيه ماجد سليم)!!، برغم أنه حاول أن يغششهم ويقرب لهم الجواب متحدثا عن الباب الشرق ثم حديقة الأمة ثم نصب الحرية ولكن دون جدوى!, وفي لقاء صحفي لماجد هذا عام 2003 قال للإعلامي نبيل جاسم : لو أني رشحت نفسي لرئاسة الجمهورية لحصلت على أصوات أكثر من أي مرشح آخر!.

 في حفل أقامته إحدى الكليات كان شيخ المؤرخين المرحوم حسين أمين من بين المدعوين، وقد تحلق حوله جمعٌ من الطلبة إحتفاءا به، يمطرونه بالأسئلة وهو بهدوئه المعهود يجيبهم، وإذا بالجمع ينفضُّ من حوله على حين غرة – وهو لم يكمل حديثه – مهرولين نحو باب القاعة عند سماعهم وصول المغني الأهوج محمود العيساوي، فأسقط الرجل في يده!.

 هناك شهرة تصنعها الأكاذيب، وهناك تشهير يسقط ناجحين، ففي عراق القرنين الماضيين – على وجه التقريب – ولغاية ستينيات القرن الماضي كانت مقاهي المحلات تتكفل بترويج كل ذلك، كانت تصنع شهرة لأحدهم لدوافع معينة، يقابل ذلك تشهير بآخر لأغراض معينة حتى لو كان الأخير ذو كفاءة أو مروءة، وهي سابقا – أي مقهى المحلة – المَصْدَر والمُصَدّر الأبرز للمعلومة، الصائبة والملفقة على حد سواء، وهي المؤثر الأهم للشهرة أو التشهير في الوسط الشعبي، ونذكر هنا، أن الخبر الكاذب أو المعلومة الملفقة كانت وستظل عندنا الأكثر إستهواءاً للمتلقي، فهي تحمل في طياتها عنصري التشويق والإثارة، فبإمكانك أن تطلق توليفة كاذبة ببغداد لتجد صداها بعد أيام في شوارع البصرة والموصل.

 في العراق إشتهرت عوائل بأسماء الإمهات، ولتلك حكاية من الفائدة أن نذكرها، فعندما كانت المرأة تترمل تُجْبر ظروف بعضهن على العمل لإعالة أبنائها، فهذه خبازة وتلك خياطة، وشهرة أولائي محدودة ضمن عدد من الأزقة في محلاتهن، لكن الشهرة الأبرز تذهب للنساء اللائي يضطررن للعمل في السوق العام وسط عالم الرجال فتتصف رويدا رويدا بسلاطة اللسان وسفاقة الوجه، وهي صفات تكتسبها لا من قوتها بل من حياء الرجال من حولها، فتقاليد ذلك العصر كانت تعيب على الرجل أن يقف بوجه إمرأة, كقولهم إذا أردتَ أن تهين رجل إبعثْ له إمرأة، فتجد هذه المرأة من المكانة ما يجعلها تمتلك شهرة تفوق شهرة رجال السوق من حولها، ومنهن من إستفدن من هذه الحظوة فنجحن بعملهن وتجارتهن وصرن من أصحاب المال والأملاك بل فاقت شهرتهن شهرة رجال أغنياء حتى وإن كانوا أكثر غنىً منها، وبعد أن يرث الأبناء هذه الثروة يرثوا معها أسم الشهرة المرتبط بأمهم، وأمثلة ذلك الكثير من العوائل الشهيرة في كل بلدات العراق وأريافه.

 أما التشهير فهو فصل آخر من فصول الشهرة، فهو من يطبق الآفاق أكثر من أي شهرة أخرى عندنا، وأحد أمثلة فصول الشهرة القائمة على التشهير ما ناله المطرب سعدي الحلي رحمه الله، أماالقصة التالية التي سنوردها هنا فهي من أشهر قصص التشهير التي عرفها العراقيون والتي مازالت الأجيال تتوارثها الى اليوم، وتؤلف من حولها الكثير من الأخبار والقصص، وهي في مجملها إنطلقت من كذبة روّجها (جمعٌ) أراد أن يشهّر (بجمعْ) آخر, دون الحاجة الى ذكر من هؤلاء ومن هؤلاء.

 أتحدث هنا عن إمرأة من سكنة كرادة مريم نزلتْ سوق العمل بمنطقة الكرخ بعد أن ترمّلت، حالها كحال مثيلاتها سابقات الذكر، فعملتْ وكافحتْ لسنوات طويلة من أجل إعالة أبنائها، فجمعتْ مالاً وإمتلكت بيتا، وفي الستينات عندما أقعدها التعب، إشترت لولديها حافلة لنقل الركاب تعمل بين بغداد والبصرة، كان خطأها الأكبر إنها تبرعتْ ذات يوم من العام 1958 الى (جمع سياسي) ببعض المال، فطار صواب (الجمع السياسي) المضاد وهم يشكلون غالبيةٍ في منطقة الكرخ المعروفة – بين سكان بغداد القدامى – بعصبياتهم القبلية وبقدرتهم على التشهير وتوزيع النعوت اللاأخلاقية على خصومهم بالمجان، فتشكّلت حلقات تلك المقاهي سالفة الذكر تؤلف حولها من القصص الكاذبة ما فاق التصوّر، ثم ألصقوا بها هوية إمرأة أخرى مطعون بسمعتها ومتوفية منذ نهاية الأربعينات كانت تسكن محلة الذهب، فإنطلتْ الكذبة على الناس، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل بعثوا بأخبارها الى إذاعة (صوت العرب) المصرية – وكانت تحترف أنذاك ما تحترفه قناة الجزيرة اليوم –لتبث ضمن باقة من الأخبار التحريضية اليومية الموجهة ضد عراق عبدالكريم قاسم كما كانوا يسمونه.

 شاءت الظروف أن إلتقي بإمرأة مصادفة في العام 1972 تملك حافلة لنقل الركاب أردنا إستئجارها لمناسبة خاصة، كانت إمرأة في نهاية الخمسينات من عمرها، غاية في اللطف والطيبة والبشاشة، وأعترف من أني صُعقتْ عندما عرفت من أحدهم عقب لقائي الأول بها أني أمام (ح . م)، وإزدّدتُ فضولا للوقوف على حكايتها، ولم أتمكن من رؤيتها إلا في مطلع الثمانينات وتحت ذرائع واهية برفقة زوج إبنتها (ق . ح) وكان مدربا للخيول بنادي الفروسية، فوجدت الكِـبَرَ وتعب السنين قد أخذ منها مأخذاً، إستدرجتها لمحادثتي فكانت محافظة على لياقتها وبشاشتها.

 حدثتني – رغم أميّـتها – عن وقائع سياسية عاصرتها، وعن شخوص إشتهروا في  منطقتها، عن سياسيين وشقاوات وكرماء وأنذال وشرفاء وفُجّار، عن الإتجاهات الوطنية السياسية في أيامها وكيف توزّعت الولاءات بين زملائها في السوق، فهذا يتبرع لتلك الجهة السياسية وذاك يتبرع لغيرها، مفتخرة أنها كانت تتبرع لفصيل سياسي وطني، وإنها عانت بسبب ذلك من عداوات كثيرة.

 رجحتُ حينها أن تكون غير عارفة بما هو أبعد من هذه العداوات، أو إنها لم تسمع بما قيل ويقال عنها، أو هي لا تعرف أنها مشهورة كل هذه الشهرة (التشهيرية) على مستوى العراق كله تقريباً، ويبدو إن لا أحد أسمعها أو تجرأ وأخبرها بذلك, أو هي تعمدت التغاضي عن ذلك الجرح الذي أصاب سمعتها، وتوصّلت الى أن كل ما حيك حولها من قصص مشوهة للسمعة هي من أمهات خيال (الجمع المضاد)، ولا صحة لها إطلاقاً.

 في لقاء جمعني بالكاتب المرحوم محمد شمسي بمقر مجلة فنون بالصالحية عام 1986، نقل لي - عندما دار الحديث عن الإمرأة (ح . م) - أنه كان قد سأل يوما السياسي المؤرخ أمين الممّيز - صاحب (بغداد كما عرفتها) الكتاب الذي تطرق فيه لأسماء المشاهير (السفلـيّين) ومنهم النساء الغواني وغير ذلك – فنفى له الممّيز نفياً قاطعاً ورود أسم هذه الإمرأة في كل الأوساط التي تناولها، وإن ما نسمعه هو تهريج على حد تعبيره.

 تعطينا هذه القصة أكثر من مغزى إجتماعي وإخلاقي وطبائعي ونفسي، بل لابد من التوقف عندها طويلا، لما تكشفه لنا عن مدى قدرة البعض على الإدعاء والتزوير والتطبيل، ومدى قدرتهم على إيقاعنا أسرى تحت ضغط التشهير والتضليل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 بعد الإعتذار من أبناء وأحفاد هذه المرأة العراقية أعلن لكم أنها المرحومة (حسنية موسى واهي) التي ألصق بها الجمع المضاد ظلماً لقب (حسنة ملص)، وهو لقب ذو دلالات غير أخلاقية كانت تحمله إمرأة أخرى قيل انها كانت تدير منزل للفحش في محلة (الذهب) وتوفيت أوساط الاربعينيات.

وللحديث عن الشهرة والتشهير بقية باقية.

farooqalbasha@yahoo.com

 

 

 

 

شوهد المقال 1372 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الحجر الصحي و العطب السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 173. خرج عبد المجيد تبون رئيس الدولة مرة أخرى في قصر المرادية وهو يستقبل من اختارهم ممن يحاورونه، وقد
image

لخضر بن شيبة ـ الحراك الجزائري في زمن كورونا

لخضر بن شيبة   تعليق التظاهر خدمة للجميع… بسبب التهديدات المرتبطة بوباء فيروس كورونا، كان يوم 20 مارس / آذار 2020 أول جمعة بدون مسيرات شعبية
image

سليم بن خدة ـ ثمة ما يدفع إلى نوع من التفاؤل...العدد في تصاعد في الجزائر لكن لا داعي للذعر والتهويل

 د . سليم بن خدة  العدد في تصاعد، هذا كان منتظرا، لكن لا داعي للذعر والتهويل، و لا يعني أننا نهون من الأمر، فعلى عموم
image

علاء الأديب ـ خطيئتي

علاء الأديب           ماكان لي يوما سواك خطيئة يامن عصيت الله فيك لأقنعك. لو كنت أعلم أن حبك كذبة ماسرت في درب الظلال لأتبعك  سر التقى
image

خالد الهواري ـ سر الرقم 20

خالد الهواري  ـ  السويد  ليس بجديد القول الان ، ان السياسة الأمريكية في ظل حكم ترامب أصبحت غير مفهومة، ولايستطيع احد ان يتنبأ باي قرار سوف
image

يسرا محمد سلامة ـ ما ابتلاكَ إلا لـيُهذبك

د. يسرا محمد سلامة   يعيش عالمنا هذه الأيام مع أزمة صعبة جدًا تتعلق بوجوده في هذه الحياة من عدمها، وهو أمرٌ لم يكن يتوقعه أحد؛ خاصةً
image

عثمان لحياني ـ الجزائر ما بعد كورونا

عثمان لحياني  كيفما كانت النتائج والنهايات، أنجز الجزائريون حراكهم بأقل كلفة ممكنة وتحت عنوان أنّ هذا النظام فاسد ومفسد للمقدرات العامة وزارع للمظالم ويحتاج
image

وليد عبد الحي ـ العولمة بين الكورونا والواقع الدولي

 أ.د. وليد عبد الحي  يميل قدر غير يسير من الكتاب والباحثين الى الاعتقاد بأن الكورونا قصم ظهر العولمة، وان الانكفاء مرة أخرى نحو
image

وليد عبد الحي ـ دلالات كورونا " عربيا"

 أ.د. وليد عبد الحي   طبقا لأرقام منظمة الصحة العالمية – إذا كانت الارقام صحيحة- فان عدد الاصابات في دول الجامعة العربية هو حتى
image

نجيب بلحيمر ـ لخالد الحرية والمستقبل

نجيب بلحيمر   قبل ثلاث سنوات من الآن تحول مشروع تركيب السيارات في الجزائر إلى نكتة بعد ان أظهرت صور نشرت على فيسبوك سيارات منزوعة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats