الرئيسية | الوطن العربي | محمد غازي الأخرس ...................... باسم يوسف: تعظيم سلام

محمد غازي الأخرس ...................... باسم يوسف: تعظيم سلام

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد غازي الأخرس

 

نادرة هي اللحظات المفصلية في حياة المثقفين، نادرة وصعبة، وقد تبدو بوصفها اختباراتٍ كبرى يمكن أن تودي بأصحابها إلى حيث لا يتمنون. قلت هذا لنفسي وأنا أترقب عودة الساخر باسم يوسف لجمهوره بعد غياب، أي بعد أحداث يونيو الماضي، حيث المشهد تبدل ليتبدل معه الإعلام المصري من النقيض إلى النقيض، من مهاجمة الإسلام السياسي بكل ما أوتي من قوة، قبل مرسي، إلى تمجيد العسكر والتطبيل لهم، بعد سقوط الإخوان، من التثوير والمناداة بقيم الحرية والدفاع عنها إلى السير في ركاب السلطة ووسم مخالفيها بالعمالة والإرهاب.

كان باسم يوسف قد اختفى عن الأنظار قبل اختفاء الإخوان المسلمين بأسابيع، وكان من المتوقع أن يعاود برنامجه الشهير بعد العيد مباشرة لكنه لم يظهر ما أدى إلى انتشار شائعات أبرزها أن الأجواء في مصر لن تسمح له بالعمل خصوصا مع انهيار الإعلام الحر، بعد سيطرة "السيسي" وسقوط رموزه الفاعلة وركونها إلى لغةٍ غوغائية تخوّن الآخر وتحرض عليه. وقد ساعد على شيوع هذا التوقع صمت عددٍ من الأصوات وانزوائها كيسري فودة وريم ماجد وعمرو حمزاوي وبلال فضل، وهؤلاء الأخيرون هوجموا كثيرا وطُعن في مواقفهم المعارضة لما جرى لدرجة أنهم اتهموا من قبل الإعلام المماشي للعسكر بـ"خيانة" مصر والعمل كـ"طابور خامس" لصالح مخابرات خارجية.

كل ذلك جعل المتابعين للشأن المصري يتحرقون شوقا لما سيقوله باسم يوسف في إطلالته الجديدة، هل تراه سيماشي الموجة أم سيظل مصرا على نهجه الانتقادي الحاد الذي عرف به؟ هل "سينقلب" مشيحا ببصره وبصيرته المتهكمة عن الرمز الأقوى في مصر حاليا، السيسي، مكتفيا بـ"الصغار" الذين يتصدرون المشهد أم انه سيفاجئ محبيه بما لا يتوقع الجميع في ظروف كالتي تعيشها أرض الكنانة؟

شخصيا، كنت أشعر بخوفٍ عظيم من أن يسقط باسم يوسف في الامتحان العسير فيصدمنا ويحرمنا من رهانٍ تعلقنا به طوال السنة الماضية، لذا هرعتُ فورا لأتسمر أمام الشاشة متابعا حلقته، ثم ما هي إلا دقائق حتى تنفست الصعداء قائلا لنفسي - الحمد لله، باسم لا يزال باسما وهو ربما سيهزّ صورة "السيسي" بالطريقة نفسها التي خلخل بها عرش "مرسي"، الحمد لله أنه حفظ لوجه الإعلام المصري ماءه المسفوح على أيدي مثقفين كنا نحبهم كابراهيم عيسيى ومحمود سعد وغيرهما، الحمد لله أنه لقّن المثقفين جميعا درسا بليغا في الحياد والموضوعية والانتصار لقيم الحرية، فتعامل مع السلطة الجديدة بالطريقة ذاتها التي تعامل بها مع سلطة الإخوان، سخر منها كما سخر من الأولى ولم يسوّغ لها أخطاءها كما يفعل أغلب زملائه،ً مرمط العسكر ومسح بهم الأرض وتهكم من محاولات تأليههم التي تسود في مصر على أيدي عشرات، بل مئات، الكتّاب الأجراء.

الحال أنني، وبينما كنت أتابع باسم، تذكٰرت واقعنا الثقافي البائس الذي يكاد يغيب حياده وهو يتعاطى مع الأحداث، تذكرت كثيرا من صحفيينا العوران الذين ينظرون للمشهد بعين واحدة فيكتفون بانتقاد هذه الجهة دون تلك ويعرون هذا المكوّن دون ذاك. نعم، إن الأمر متشابه بيننا حدٌ اللعنة؛ في مصر، برع المثقفون في تعرية الإخوان المسلمين - وهم يستحقون ذلك - لكنهم مع العسكر وأخطائهم الكارثية صمتوا صمتا غريبا ومقرفا، تماما مثلما فعل أصحابنا وما زالوا يفعلون حين ينتقدون جهة واحدة لا غير ويسكتون عن جهاتٍ لا تقل أخطاءً عنها.

باسم يوسف فضح الجميع في الواقع، الأخوان والعسكر والإعلام، فضح مهازل المصريين فكشف عورتهم التي لا تختلف كثيرا عن عورتنا. فكان بذلك عزاءً رائعا عن سقوط كثير من المثقفين هناك وهنا وفي كل مكان في عالمنا العربي المريض. كان كذلك بالفعل فله تعظيم سلام على عودته الكبيرة.

 

العالم العراقية  

شوهد المقال 1854 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ الدرس الثاني من وحي الخيانة الوطنية خديعة التغيير في ديانة الوصوليين

د. حكيمة صبايحي  ستحاول مرارا، عندما تصاحب العاطلين، المقاومة، ستجهد اجتهادك كي تغير نأمة في نأمة مسألة، وبكلٍ روحٍ للمثابرة، ستخلق مبادرة تلو المبادرة،
image

سعيد لوصيف ـ ليس من تقاليد الثورات الانتحار..

د. سعيد لوصيف   ابحثوا عن الخطابات في نضالاتكم ، ولا تبحثوا عنها في صالونات فارغة لا تملك رؤى و لا استراتجيات.. ابحثوا عن مأسسة مؤسسة رئاسية، ومؤسسات
image

السعدي ناصر الدين ـ المهنة : استاذ الهوية : متشرد

 السعدي ناصر الدين  عندما شاهدت تقريرا مصورا بثته قناة " الجزائرية " عن محمد استاذ اللغة الالمانية الذي رحّلته حملة الترحيل الى العراء في العاصمة،
image

نوري دريس ـ التسلط عشيق الريع

د.نوري دريس  ربما يمكن للسلطة ان تجادل في عدم فصل العلم في أخطار استغلال الغاز الصخري على البيئة, وربما تدعي ان التقنية تطورت بشكل
image

أحمد سعداوي ـ أحزاب السلطة العراقية ومليشياتها وتعاملها مع ثورة تشرين

أحمد سعداوي    منذ البداية تعاملت أحزاب السلطة ومليشياتها مع تظاهرات تشرين على أنها مشكلة، وليست أعراضاً لمشكلة أو مشاكل أعمق.وما زالت حتى الساعة تنظر إليها على
image

رضوان بوجمعة ـ الرئيس يسجل ضد مرماه !

 د. رضوان بوجمعة    الجزائر الجديدة 150   اللقاء الذي جمع الرئيس عبد المجيد تبون بمدراء ورؤساء تحرير الاجهزة الإعلامية العمومية والخاصة، أمس، كشف عن وجود استخفاف كبير
image

محمد هناد ـ حكومة جزائرية تفتقد للشجاعة

  د. محمد هناد   كما هو معلوم، من عادة الحكومات التي تعاني ضائقة مالية أن تلجأ إلى أسهل طريق لإعادة الروح إلى خزينتها وذلك من خلال
image

العربي فرحاتي ـ خطر التفاهة .. وثقافة "سقد واعقب"

د. العربي فرحاتي  كما عرفنا من تقدم العلوم الفيزيائية أن للفوضى نظام ..أنقلت التفكير من حالته التبسيطية التسطيحية إلى التعقيد والعمق..فإن "التفاهة" حسب "
image

وليد عبد الحي ـ معارك الشرق الاوسط

 أ.د. وليد عبد الحي  منذ أن نشر Leon Carl Brown دراسته عام 1984 حول النظم الاقليمية المخترقة تزايدت أدبيات " النظم الاقليمية المخترقة " والتي
image

فوزي سعد الله ـ فن "الحوفي"...من بساتين وديار تلمسان إلى قاعات العروض الموسيقية

فوزي سعد الله   "...الحوفي صيغة تعبيرية شعرية شفوية شعبية من نَظْمِ النساء في تلمسان العتيقة، ظهر خلال القرون الأربعة أو الخمسة الأخيرة قبل أن ينتقل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats