الرئيسية | الوطن العربي | محمد غازي الأخرس .................... صدام وهتلر

محمد غازي الأخرس .................... صدام وهتلر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد غازي الأخرس

 

منذ مدة ليست قصيرة لم أكتب عن صدام حسين شيئا، وها أنا أفعل تحت تأثير ذكرى إعدامه وتجدد جدل العراقيين حوله بين من يعدّهُ بطلا ويترحم على أيامه، من جهة، وبين من يعاود شتمه بأقذع العبارات كونه طاغية مجنونا ورجلا قاسيا ودمويا، من جهة أخرى.

شخصيا، وبينما الجدل يحتدم، كنت أنا منشغلا بقراءة دراسة تحليلية لكارل غوستاف يونغ عن شخصية هتلر ومزاج الشعب الألماني، دراسة التهتمها التهاما وأنا أهمس - يا للعنة، ما أشبهنا بهم، ما أعمق عقدنا وعقدهم، ما أجلى جنوننا وجنونهم!

نعم، فمثلما انتج الشعب الألماني هلتره، كذلك صنع العراقيون صدامهم، ومثلما حكمت الألمان عقدة الشعور بالنقص، كما يقول يونغ، كذلك استحكمت بنا العقدة ذاتها برأيي، وكانت النتيجة أن تبادلنا الكراهية مع الآخرين وانعزلنا عنهم أو عُزلنا من قبلهم، تماما مثلما جرى للألمان قبل الحرب العالمية الأولى كما يفترض صاحب فكرة اللاشعور الجمعي. ولكن ماذا عن عقدة الشعور بالنقص هذه ؟ يقول يونغ أنها من نوعٍ "تجعل المرء سيء الخلق ويؤدي به إلى بذل جهود تعويضية لنيل إعجاب الآخرين، نتيجة لذلك يتقدم الألماني الصفوف لينال الحظوة أو يبرهن على فاعليته الألمانية بنوع من الثقة بالنفس تؤدي إلى حكمٍ إرهابي أو قتل الرهائن رميا بالرصاص وعندئذ لا يعود الألماني يعتبر هذه الأفعال من قبيل القتل لأنه غارق في اعتبارات هيبته".

الرجل يتحدث هنا عن عقدة مستحكمة من أعراضها تضخم الذات واحتقار الآخرين وتسفيه آراء المخالفين، ومن ثم، عدم التبصر بأخطاء النفس والإيمان بعصمتها. ولئن اختلفت العلل المؤدية لهذه الأعراض بيننا وبينهم، إلا أن جميعها موجود عندنا، نحن العراقيين، وهي موجودة بحذافيرها لدرجةٍ أنتجت لدينا نمطا من الشخصية يستعيرها يونغ من نيتشة ويزعمُ أنها غلبت على الألمان، يقصد مفهوم "المجرم الشبح"، أي ذلك "الذي لا يقبل ولا يستطيع أن يقبل أنه هو ما هو كائن"، ولذا" لا يستطيع أن يتحمل ذنبه، تماما مثلما لم يستطع تفادي الوقوع فيه، ينحني أمام كل نوع من أنواع الخداع الذاتي إن كان ذلك يعينه على الهرب من رؤية نفسه".

المقصود أن الألماني، كما العراقي، لا يعترف بالصورة التي هو عليها بل يجهد للتهرب منها من خلال أوهام يخلقها عن نفسه، العراقي مثلا غيور، شريف، نزيه، محبّ لبلده، وهو أيضا متفوق، أصيل، مبدع وشجاع. هو مخدوعٌ بصورته الافتراضية هذه تماما مثل الألماني الذي قاده الوهم لتخيل أنه يتسم بالتفوق العرقي وأنه "سوبرمان" لا يجارى من قبل محيطه الأوربي، ولذا، رغم ادعائه الواقعية في التفكير، يركن الألماني في بعض مآزقه إلى الخرافة ويؤمن بها من قبيل تبريره لهزيمته في الحرب العالمية الأولى من أنه "طعن في ظهره"، وهذا ذكرني فورا بخرافات العراقيين عن أنفسهم وإيمانهم بطهرانيتهم حدّ أنهم عزوا حربهم الطائفية لما وراء الحدود قائلين بلسانٍ واثقٍ : هؤلاء المفخخون ليسوا منا. وقبل ذلك برأووا أنفسهم من لوثة الدكتاتورية التي ترعرعت في أحضانهم وكانت نتاجا لمجتمعهم.

عند الألمان جرى الشيء ذاته كما يقول كارل يونغ فهو حين يمعن في وصفه الكاريكاتيري لهتلر يصل إلى القول أنه أشبه بـ"فزاعة نفسية" ثم يعلن عن حيرته الكبرى في تفسير سبب تأثيره السحري في الجماهير "مع أنه كان محدود الذكاء وذو حركات بهلوانية مضحكة"، ثم يقرر أنه ما كان للشعب الألماني أن يقع تحت تأثير هذا الشخص ويستلب بتلك الطريقة لو لم يكن هذا الشخص يعكس صورة عن الهستيريا الجماعية الآلمانية، هستيريا الشعور بعقدة النقص وما نتج عنها من تضخمٍ مرضيٍّ للذات وتقبل للأوهام والأكاذيب وشيوع فكرة المحيط المعادي. كلُّ ذلك عرفناه في عراق صدام، ذلك العراق المريض الذي هو نتاج لثقافة مجتمعية ومنظومة قيم كاملة.

نعم، المقارنة بين صدام وهتلر، والعراقيين والألمان، مفيدة جدا ولذا سأعود لها غدا فانتظروني.

 

العالم العراقية  

شوهد المقال 1250 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ سنة أولى حراك

سعيد خطيبي   في أكتوبر 1988، عاشت الجزائر ثورة شعبية ضد النّظام، كانت لحظة فارقة، ترتبت عنها تغيّرات جوهرية في البلد، وكان يمكن لها أن تكون
image

مصطفى كيحل ـ الحراك وسيكولوجيا الحشود

   د. مصطفى كيحل  ساد الانطباع في الجزائر منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي ، أن التغيير بالشارع أو بالحشود و الجماهير غير
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك الشعبي...بين Frantz Fanon وDavid Galula.....و فيلم الأفيون والعصا

عبد الجليل بن سليم  في قول واحد كل من Frantz Fanon و David Galula هما الوحيدان اللي فهمو التركيبة النفسية و العقلية للجزائري كان
image

رضوان بوجمعة ـ الوحدة في عمق "الثورة السلمية" الذكية

 د. رضوان بوجمعة    الجزائر الجديدة 161   التقيت اليوم في الجمعة 53 مع جزائريين وجزائريات من ولايات مختلفة تسللوا إلى العاصمة التي تحولت إلى منطقة "شبه
image

فوزي سعد الله ـ عن وُصول "أهل الحمراء" من غرناطة إلى عَنَّابَة

فوزي سعد الله   "...منذ نحو 5 قرون، يُحكى في الروايات الشعبية في مدينة عنابة، لا سيَّما في الوسط الحَضَري، أن سقوط غرناطة عام 1492م كانت
image

جباب محمد نور الدين ـ النظام : الحراك وراءه والخراب أمامه ولا مفر له

د. جباب محمد نور الدين   لا أزال أذكر كان يوم جمعة من سنة 2001 عندما اتصل بي الصديق عبد العزيز بوباكير من مقر "
image

نجيب بلحيمر ـ محاولة فاشلة لسرقة ثورة مستمرة

نجيب بلحيمر   بعد جمعة مشهودة عاد الجزائريون إلى الشارع لإحياء ذكرى انطلاقة الثورة السلمية.. في العاصمة ومدن أخرى كان إصرار المتظاهرين على النزول إلى
image

فضيلة معيرش ـ الأديب طيب صالح طهوري لا تشبه كتاباته أحدا ولا يمكن أن تسند لمن سبق من كتاب وشعراء

فضيلة معيرش  ولج عالم الكتابة منذ ما يقارب الأربعين سنة ، أديب طوع الحرف فاستقام له جاب بساتين الإبداع فقطف ما لذ له وطاب من شجرها
image

يسرا محمد سلامة ـ هوس الشهرة

 د. يسرا محمد سلامة   أنْ تكون نجمًا مشهورًا تلك نعمة ونقمة في نفس الوقت؛ لأنّ ذلك يعتمد على طبيعة الشخص نفسه، وما تربّى عليه طوال حياته
image

د. يسرا محمد سلامة ـ البداية ونهاياتها

 د. يسرا محمد سلامة البداية، كلمة ممتعة بها من التفاؤل الشئ الكثير، تجمع في طياتها الطموح، والتحفيز، والمثابرة على إكمال ما يبدؤه الشخص من عمل، علاقة،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats