الرئيسية | مجتمع الوطن | كما قالت له.. هل من مستجيب؟

كما قالت له.. هل من مستجيب؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سلمى بنت مصطفى اللواتية

1- قالت له: أنت كاتب كبير ومعروف، ألست تقول: أنك تؤدي رسالة هامة حين تكتب؟ ألم أخبرك عن كل المآسي؟ عن كل المساكين وكذلك عن كل الخائنين؟ وحكيت لك مرارًا عن كل المخلصين.

هو: نعم، وعنونت بكل الأسماء والأبطال عناوين القصص، وكل الكتب كانت من وحي المآسي والأمجاد.

هي: إذن عبثا تكتب، ولا نفع في مهنتك ولا في خطك ورسمك، كله عبء على القلم والورق وإهدار للحبر وتعذيب للمحبرة تستنزف ماء حياتها، قبل أن تلقي بها في المهملات.

هو: لست أرمي المحابر، ولكني أملؤها من جديد لقصة جديدة وثورة جديدة، وحياة جديدة، محابري لا تموت.

هي: فكتاباتك حياة للمحابر!!! ............................

هو: ولماذا تسخرين؟

هي: بل أنت الساخر من نفسك أيها الأستاذ، أوليست مهزلة أن تكون في كتاباتك حياة للمحابر، والأحياء لازالوا يموتون، ولاحياة لمن تنادي ؟!!!

إمّا أنك فاشل لا تتقن التعبير، أو أنّ كل الأحياء ماتوا عدا المنكوبين، فالجرح يوقظهم مرة بعد أخرى.

بعض الحوارات كهذه تجعلك تفكر، حقا لمن تكتب؟ ومن بالفعل تخاطب؟ الذين يكتبون لإصلاح العقول فلا يجدون عقولا فهمت إلا ما تريد فهمه، والذين يأملون أن يصل صوتهم إلى المسؤولين؛ فلا يصل إلا إلى أعتاب المكاتب ولا يتجاوزها إلى أعتاب التطبيق، وأنسى التطبيق إلى أجل غير مسمى !! وآخرون وآخرون.. وعلى من تلقي زبورك يا داود..

والكاتب جبل أشم يكتب ويناضل بالكلمة، لعلّ في الأمر خير يُرتجى. من حقوق الكاتب أن يقرأ له أولو العلم والدراية، وأن يطلع على نتاجه أولو الأمر والقيادة؛ بل إنّ هذا من أبسط حقوقه؛ خاصة ذاك الذي يكتب في الشأن العام؛ يعالج السياسة والاقتصاد والتربية والعلوم أو الفنون والتاريخ ...إلخ، يطرح الأفكار ليرتقي بالوطن والأمة والبشرية، فهل يليق أن يطوى هذا النتاج الثقافي والزخم العلمي بتقليب صفحته إلى عالم النسيان ؟!! هذا النتاج لو صنّف في شتى جوانبه لكان هبة عصف ذهني جاهز مستعد للاندماج لخروج من مأزق أو للانطلاق نحو رحابة لم تخطر قط على قلب بشر، إنّه الإبداع حينها يتحول من حبر إلى تبر في التنفيذ.

وكم جميل أن يتصدر أخبار إعلامنا مشروع باسم ملهم فكرته التي كبرت ونضجت وشارك مبدعها في التطبيق حينًا أو نظر لنتاجه ينمو من بعيد حينا آخر؛ عندها سيكتب آخرون، وستحفظ الأجيال أسماء عظمائها ممتنة كثيرًا لأمتها التي تصنعهم، منتمية إليها لأنها مدعاة فخر واعتزاز، بعدها سنطمئن من آثار الغزو الثقافي على الأبناء، وسيُعلن إعدام عصر الموهوبين المقبورين، وقد يكون أكثر من ذلك حين تسترجع من اختراعاتها ما حاول الدهر ومن فيه أن يخفيه عن صفحة الحقيقة كقصة الدورة الدموية مع ابن النفيس ووليم هارفي!!

2- صناعة النجوم رائجة في زماننا ومكاننا، نجوم تتقن السير على وقع النغم وخَدَر اللحن، وصناعة المفكرين ليست في برامجنا، هل يا ترى صدر القرار باستيراد الفكر حكمًا مؤبدًا؟!

يأتيك البرنامج التلفزيوني؛ فتتابعه بشغف لأنّ السطر الأخير من الشاشة يخط لك عنوان: المفكر العربي: فلان بن فلان، وما يلبث القول أن يكشف عن عقل جامد وقشر منمق، خطاب هزيل، ونغمة عفا على كلماتها الزمن، وجهل بعالم الاقتصاد ومصالحه الكبرى التي تدير دفة العالم اليوم، ونأى عن ملامسة روح المجتمعات التي ينظر لها، وكأنّه من كوكب آخر !! والطامة جهل بسور القرآن وآياته والرجل يصف نفسه مفكرًا!!

ومرة أخرى مفكر مستورد من خارج الحدود، لم تصنعه الحدود كما يجب؛ فأعجبته نظريات المبعدين التي يحاول أن يقنعنا بأنّها الصحيحة، أو ربما تلقفه آخرون فعلموه ولقّنوه، ثمّ قالوا له مفكر عبقري؛ فصدقهم أو لم يصدقهم، لكن اللقب رنّان.

إنّ غياب المفكر الحقيقي، الباحث عن الجديد والساعي لجماله والمنبهر بحدوثه، المتطلع إلى استنباط الأفكار منها، ثم رسم السياسات، ووضع الأطر وفق منهج تفكيري واضح معتمد على أصول ذوات براهين تثبت قوتها، قادر على فتح آفاق المعرفة اللا متناهية وحقول العلم الواسعة، أو ذلك المفكر الصانع للحدث من توالد الأفكار وطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بمصير الأمة والشعوب والأوطان، إنّ غياب هؤلاء هو ما يفسر ما نراه من استشهاد الكثيرين بأقوال مفكرين من بيئات لا تمت إلينا بصلة في عقيدتها أو حياتها الاجتماعية والثقافية، وكذلك ظروفها السياسية والاقتصادية، من المؤكد أنّ الشبه ليس معدومًا، ولكنّه لن يجلب كل الحقيقة وبالتالي كل الأهداف الكبرى المرجوة، ولو كان لنا من رجالنا أولو عزم ومفخرة؛ لما استوردنا الحكم والأقوال، ولكن إذا غابت البدور بدت الأنجم، والفرق شتان.

ربما إحساسنا بالدونية وعقد الخواجة الباقية من آثار الاستعمار الأول، أو حتى من نتائج الاستعمار المقنع – لو أجزنا التعبير – هو السبب في اعتمادنا على اعتماد الفكر القادم، ولكنّه على أية حال لن يكون الحل لمشاكلنا وأزماتنا أو نكباتنا ونكساتنا !!

ما زالنا في طور التعلم من ذوي الخبرة، تمّ استجلاب خبرات "فسفورية" من بلاد الأخضر الفسفوري، وكأنّه الرجل الأخضر !!- تجنبًا لجرح مشاعر إحدى البلاد المدللات - هذا هو الحال، إذن متى سنتخرّج من هذا الطور وسنستقل؟؟!

إنّ تقدير نتاج المثقفين، وصناعة العباقرة المفكرين، على أسس متينة وقوية تنتمي إلى هويّة المجتمع وصورته النهائية القوية والمنيعة أمر غاية في الأهمية، فهم الذين يصنعون الخطوط العريضة ويرسمون السياسات الواضحة، ضمن معطيات العالم وثروات المجتمع وطاقاته، وصحبتهم تصنع رجال الغد القادم، رجال الدولة والدين الفاعل في حياة الأمة، وهم من يحافظون على هويتها ولا يسمحون لها أن تداس تحت أقدام الأعاصير والمد القادم دون هوادة ؛ ولهذا حرص خلفاء بنو أمية والعباس على أن يكون لأبنائهم" مؤدب" يعلمه العلم وآداب العرب واللغة والفقة، ويلقنه أصول القول، وفروع العمل بما يتناسب وفكر دولهم آنذاك، حينها لم تنحصر وظيفة المؤدب في التعليم فقط؛ بل كانت وظيفته تربوية أخلاقية، وكان المتأدب يتعلّم من أستاذه فن التحادث، وأساليب التفكير وحلول الأزمات، ربما لأنّ الخلفاء حينذاك كانوا يخططون لبناء رجال الدولة الذين سيديرون دفة الحكم فيها ونحن غفلنا عن بناء رجال الدولة متكلين على حب الغرب، أو دوام المصالح، وهما شرطان فاقدان للضمان والأهلية، أو ربما وجدنا في صناعة النجوم اللامعين - الآنف ذكرهم - بديلا عبقريًا يغني عن المفكرين العظماء، فنحن على أية حال دخلنا عالم الصناعة، وهو إنجاز في حد ذاته!!، ولا يهم لو ظلّ سؤالها قائمًا كما قالت له... فهل من مستجيب؟

s.allawati@hotmail.com

جريدة الرؤية العمانية  


شوهد المقال 1888 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رياض بن وادن ـ ربما حلنا في لعبة الليغو!!

رياض بن وادن   تَأكّد بأنه لو تطلب من طفل في أوروبا أن يختار هدية لتشتريها له لاختار -في غالب الأحيان- دون شك ودون تردد لعبة
image

نجيب بلحيمر ـ حملة الاعتقالات.. تحضيرات "العرس" بدأت

نجيب بلحيمر   الاعتقالات تتوالى, وهي الآن تستهدف من تعتبرهم السلطة, بسذاجتها, قادة الثورة السلمية رغم أن هؤلاء المعتقلين( ورفاقهم الذين سيلحقون بهم قريبا) لم
image

زهور شنوف ـ "لا شيء حقيقي هنا سوى البناية"

زهور شنوف   ظلمة كثيفة في الرواق الطويل للطابق الخامس من بناية كولونيالية محشورة في شارع يعج بباعة العملة الصعبة.. باعة يحملون في أيديهم كل أنواع
image

محمد حاجي ـ انتخابات على الطريقة الجزائرية

محمد حاجي  من زاوية أخرى  لعلَّ مُحاولة فهم ما يحدث اليوم من فرضٍ لانتخابات "على الطريقة الجزائرية"، وما يُرافقه من اعتقالاتٍ لوجوهٍ معارِضة، لا
image

فوزي سعد الله ـ باب عَزُّونْ... الجزائر المحروسة

فوزي سعد الله   هكذا كان شارع باب عزون، الشارع الذي يحمل اسم أحد الأبواب الخمسة لمدينة الجزائر التاريخية وأهمها اقتصاديا واجتماعيا، في العهد العثماني قبل
image

العائد من الآخرة اصدار للشاعر العراقي حيدر البرهان ...قصيدة نحنُ الزَّوارق ..

  البرهان حيدر            نحن الزَّوارقتلهو بنا الأمواج يَلهُو بنا النّهر، والبحر، والمحيط... وهذا الدهرُ الغريبْ. وُلِدنا من رحمِ حجرٍ، نَهِيم على جسدهِ العاري بغير نقط.
image

وليد عبد الحي ـ تونس بين مترشح بلا هوية آيديولوجية وسجين ينتظر القرار

 أ.د. وليد عبد الحي  تقف تونس في المقاييس الدولية الاقرب للموضوعية على رأس الدول العربية في مجال الديمقراطية ، ففي عام 2018 احتلت المرتبة الأولى
image

ناصر جابي ـ هل تتجه الجزائر نحو أسوأ السيناريوهات؟

د. ناصر جابي  تعيش الجزائر هذه الأيام حالة استقطاب سياسي حاد، يمكن أن يؤدي إلى ما يحمد عقباه في الآجال القريبة، إذا استمرت الاتجاهات
image

محمد هناد ـ لا لانتخابات رئاسية مفروضة !

د. محمد هناد  أيها السادة أعضاء القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي :  القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل
image

خيط الدم للشاعر الإيراني علي موسوي كرمارودي ..ترجمة الشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي

ترجمة : محمد الأمين الكرخي         لابد من أن نراك متجليا في الحقيقة وفي العشب الذي ينمو وفي الماء الذي يروي وفي الحجر الذي للصمود يرمز وفي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats