الرئيسية | مجتمع الوطن | مولود مدي ـ تبرعات الجزائريين : ضعف لتجذر الدولة داخل المجتمع

مولود مدي ـ تبرعات الجزائريين : ضعف لتجذر الدولة داخل المجتمع

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
مولود مدي
 
 
التبرعات التي يسارع الجزائريين الى جمعها وتنظيمها لفائدة المستشفيات تعبر عن حس لا مثيل له بالفعل الخيري لدى الجزائري وهذا الفعل من جهة أخرى قال عنه علماء الإجتماع والانثروبولوجيا، أنه يخلق الرابط الاجتماعي بين الأفراد le don est créateur de lien social ومصدر انتماء مشترك يتجاوز هوية الأشخاص الذين يتبادلون فيما بينهم تلك الهبات والتبرعات.
الهبة موضوع حاز على اهتمام الانثروبولوجيين أشهرهم Marcel Mauss، ميّز الانثروبولوجي Karl Polanyi ثلاث ميكانيزمات اجتماعية تخلق شبكة من العلاقة تربط الأفراد ببعضهم البعض: اعادة التوزيع la redistribution أين سلطة تمركز كل شيء بين يديها ( سلع، خدمات..) ثم تستكلف بإعادة توزيعه، على التشكيلة الاجتماعية وفق اهداف سياسية واجتماعية وكذلك وفق علاقتها مع مختلف اطراف تلك التشكيلة. كذلك السوق le marché الذي يخلق شكلاً من العلاقة بطريقة لا ارادية ودون ان يعترف الأفراد بوجودها، مبنية على الاعتماد المتبادل بين الأفراد interdépendance، المُنتج في مستغانم مثلا يحتاج الى المواد الاولية الموجودة في عنابة والى المستهلك الموجود في بجاية وهذا يؤدي في الاخير الى نسج رابط اجتماعي بين هؤلاء، وأخيرا ما يسمى ب التبادلية la réciprocité أين منطق التبرع le don يدخل فيه، هذا العامل الأخير مختلف عن السوق، في حالة التبرع، يتم نسج علاقة تهدف إلى خلق ترابط وانتماء مشترك، وهو بإرادة واختيار أطراف المعنيين بعملية التبرع دون ان ينتظروا المقابل عن ما تبرعوا به، عكس حالة السوق، الذي يخلق اعتماد متبادل فرضته الحاجة الى التبادل السلعي بين الأطراف.
تقديم تبرع لمستشفى او مسجد او دار أيتام او غيره، سواء بطريقة سرية او علنية، يعني بشكل منهجي وجود وعي عند المتبرع بالانتماء إلى جماعة من الأفراد مرتبطين ببعضهم البعض، ولا تظهر اعمال التبرّع هنا وهناك سوى اصرار اصحابها ومن ينظم تلك العمليات على أن يكونوا جزءًا من الجماعة الاجتماعية التي يعيشون بينها. Le don يسمح للأفراد بالحفاظ على الروابط التي توحدهم بالمجتمع. ما يحصل حاليا هو بشكل من الأشكال اعادة لترميم الرابط الاجتماعي الذي عملت السلطة على تحطيمه بشكل ممنهج في العامين الأخيرين.
التبرعات وجمع الأموال لفائدة المستشفيات وكل عمل خيري يهدف الى المساهمة في تخفيف وطأة وباء الكورونا ، ليس اعفاء للحكومة من مسؤوليتها كما يحكم عليه البعض، بل هو يعبر عن عدم قدرتها على التصرف، وبروز علامات كبيرة على ضعف تجذر الدولة داخل المجتمع، والكثير يتساءل: ما فائدة دولة غير قادرة على مواجهة وباء يفتك بمواطنيها؟.

شوهد المقال 649 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

هتلر والإنحراف النرجسي..بقلم علاء الأديب

بمناسبة عيد مولده المقيت ...................... عندما أدرك بانه قد خسر كل شيء أطلق النار على رأسه وانتحر. فمثل هذا المنحرف النرجسي المصاب بجنون العظمة
image

أنْ تتجرد لكي تصل إلى الحقيقة المُجردة

  لا أستطيع أنْ اتجاهل فكرة العشق الإلهي، وهل نحن نحب المولى عزّ وجل بالفعل، قولاً وعملاً، سرًا وجهرًا أم لا؟!، وهل نُدرك جيدًا حقيقة الابتلاء
image

تجنيس اليهود في الدول العربية يستهدف السيطرة عليها بقلم : حماد صبح

 بقلم : حماد صبح جنست الإمارات 5000 يهودي ، وهذا الرقم المعلن ، وربما يكون الرقم الحقيقي أكبر ، وربما تكون عملية التجنيس متواصلة
image

نَْحْنُ و بَغْلَةُ عُمَرْ

  إنَّ البَغْلَةُ الَّتي أَتَتْ على لٍسانِ سيدِنا عُمَرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه وأرضاه، ما كانَتِ بِزَلَّةِ لِسانٍ، وما هي بكلامٍ عابرٍ، وما كان
image

المدرسة بين رسالة الأستاذ المجاهد و تجارة المسترزق

  حينما نقارن بين الأساتذة في جميع أطوار المنظومة التربوية؛ نجد بأنَّهم انقسموا إلى قسمين اثنين، و شَكَّلوا بذلك جبهتين متناقضتين، جبهة الأستاذ المجاهد في

ليل النهايات جدارات الهمس *** بادر سيف

ما أنبه التاريخ لما يتابع خطى الريح تذهب أوتاره مع غيمة من نسائم الكلام الضائع ما انبهه و هو يعانق جبال اللوم يمسح مسيرة اليراع
image

الجمالي والفكري في رواية رقصة اليعسوب للمبدع عبد الرزاق بوكبة

  كتب الدكتور وليد بوعديلة:عبد الرزاق بوكبة في رواية "رقصة اليعسوب": "هذه الرواية...زمن الفتنة، التجريب و ذاكرة مدينة البرج"
image

من أعلام الإصلاح والدعوة بمنطقة عزابة

   كتب الدكتور: وليد بوعديلة ١_الشيخ رابح مرجة...الإمام الحافظ للقرآن وصاحب القراءة المغاربية. يعد الامام الشيخ سي رابح من أقدم أئمة المدينة،وهو الذي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats