الرئيسية | مجتمع الوطن | عبد الباقي صلاي ـ العلاقات الإنسانية التي أصبحت في الصفر !

عبد الباقي صلاي ـ العلاقات الإنسانية التي أصبحت في الصفر !

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عبد الباقي صلاي

من السهل بناء العلاقات الإنسانية،لكن من الصعب بمكان الحفاظ عليها كما هو متعارف عليه في كل أصقاع الدنيا،والأصعب من كل هذا الإبقاء على هذه العلاقات بشتى مضامينها،و كذا الحرص على توظيفها في ما يجب أن تكون عليه حقيقة هذه العلاقات دون إفراط أو تفريط،قوامها الحقيقي الأخلاق أولا وأخيرا .

وما ضاعت العلاقات الإنسانية إلا عندما جانبت الأخلاق التي تربط كل علاقة إنسانية،وما اندثرت العلاقات الحميمة في وسط الناس  إلا من فرط ما احتوته الحياة من شجع وطمع،وسوء الأخلاق.وقد ظن كل إنسان أنه يستطيع أن يبني علاقات إنسانية لكن على حساب العلاقات الحقيقية التي تبدأ بالصدق وتنتهي -لو سلمنا بأنها فعليا تنتهي- دائما بالصدق ودون أي متاهات مهما كانت هذه المتاهات.وهناك من يلوم الحياة وما انجر عنها من تعقيدات،ومن تطور مفاجئ،لكن تبقى الإنسانية كما يتفق حولها الجميع،جاهلها وعالمها،صغيرها وكبيرها،هي الإنسانية لا تغيير فيها ولا تبديل عليها .فالذي تغير في الواقع  هي طباع الناس، وشهواتهم،ونظرتهم الجديدة للحياة،وللمجتمع،وحتى للمستقبل.فما عاد الإنسان الحالي يستوحي سعادته من ارتباطه بالآخر ضمن علاقة إنسانية،كما لم يعد الإنسان ينظر لأخيه الإنسان كشريك له في كل شيئ سواء في الفرح أو في الترح.وحتى العلاقات الزوجية في مجملها لم تعد تحمل تلك القدسية التي يفرضها الترابط الأخلاقي،وتفرضها المودة والاحترام والمستقبل المشترك.بل إن العلاقات الزوجية أضحت مع ما تحمله الحياة من تغيرات مثل الشراكة السياسية بين الأحزاب السياسية التي لا ترى في شراكتها إلا المنفعة وما يمكن الحصول عليه من ريع في ظل حكم سلطة جائرة أو عادلة.

إن مضمون العلاقات الإنسانية تغير ولا ندري لماذا تغير بالأساس في مجتمع مسلم،في مجتمع يحسن قراءة المشروع الديني من زاوية أساسية وهي أن الحياة فانية،وأن هناك حياة باقية،لهذا يجب الحرص على ربط العلاقات التي لا تتأثر بعامل التغيير في الحياة أو في المعاش.

نعم يجب النظر إلى طبيعة علاقاتنا الإنسانية في ضوء ما نحن عليه،وفي ضوء الثابت والمتغير الإسلامي.لأنه لا يمكن القفز على المرجعية الإسلامية،ونحن ندعي التواصل ماديا وروحيا مع السماء.وفضلا عن السعي نحو تكريس علاقات إنسانية،يحب تكريس المبدأ الأخلاقي الذي هو أساس التشابك في العلاقات،وأساس التناظر في المصالح،وأساس التعايش الحقيقي،والسعادة في الدنيا والآخرة.وبقدر ما أصبحنا نعيش حياة كريمة بفضل الذكاء الإنساني،بقدر ما أصبحانا تعساء نبحث عن السعادة وهي بمحاذاتنا،وقد قال  جيته حيث  عبر عنها بقوله : " لقد صار الإنسان أكثر ذكاء ووعيا، ولكنه لم يصر أكثر سعادة أو أنبل خلقا. ".

وليس العلاقات الإنسانية فقط التي انكسرت،ولكن ما انكسر هو العامل المهم وهو التعاون والتكافل،وهذا من مستلزمات العلاقات الإنسانية.ومن مستلزمات المسلم الذي يرى نفسه مسؤول عن كل شيء في الحياة منذ النشأة الأولى إلى غاية الشيخوخة،وعن هذا الأمر يتحدث مالك بن نبي فيقول:"أن يكون للمجتمع مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل  فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذلك من أطوار نموه. فالمدرسة والعمل والمستشفى ونظام شبكة المواصلات والأمن في جميع صوره عبر سائر تراب القطر، واحترام شخصية الفرد، تمثل جميعها أشكالاً مختلفةً للمساعدة التي يريد ويقدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه".ويذهب بن نبي إلى أبعد من هذا مخاطبا الرجل المسلم المعاصر بأن يتأمل في دورته التاريخية،وفي مساره الإنساني حتى يتسنى له اختيار الطريق الصحيح فيقول:"  يتحتم علينا في حل مشكلاتنا الاجتماعية أن ننظر إلى مكاننا من دورة التاريخ وأن ندرك أوضاعنا وما يعترينا من عوامل الانحطاط، وما ننطوي عليه من أسباب التقدم، فإذا ما حددنا مكاننا من دورة التاريخ سهل علينا أن نعرف عوامل النهضة أو السقوط في حياتنا " .

وقد تكون دورة التاريخ التي ذكرها مالك بن نبي هي تلك الدورة التي ترجعنا إلى المربع الأول في حياتنا عندما كانت العلاقات الإنسانية مبنية على أسس متينة،لا تتحكم فيها المصالح الضيقة،ولا المصالح الرخيصة التي لا توجد حتى في التجمعات الحيوانية.

ما يعتري علاقاتنا الإنسانية هو ذلك البهرج الزائد،وعدم إعمال العقل الحصيف القائم على فلسفة الموضع الذي نحن عليه.وعندما نتأمل ما تجمعه المساجد في يوم الجمعة من جحافل الناس المصليين،وما تحمله تلك الصورة الإنسانية العالية،وذلك السكون العظيم في حضرة الإيمان.نشعر أننا قد وصلنا إلى حالة من التشبع الإيماني ينعكس بكل تأكيد على علاقات الناس فيما بينهم.فذلك الانسجام والتناغم الإيماني في يوم الجمعة كفيل بأن يبني العلاقات الإنسانية المتينة،ويجعلها ترقى يوما بعد يوم.لكن مع أسف شديد كما يعتبره بن نبي أن المسجد يوم الجمعة يجمع الناس في مكان مقدس،لكن يتغير ذاك المقدس فقط عندما ينفض الجمع،ويعود الناس إلى أعمالهم،وإلى حياتهم الخاصة شأنهم شأن الرجل الاسكتلندي الذي يأخذ حمامه بماء ساخن ثم يختمه بماء بارد.وهكذا تضيع علاقاتنا الإنسانية بماء بارد عندما نخرج من تلك الحالة الإيمانية في المسجد،وأظنها حالة مظهرية لا تمت للإيمان بشيء،بما أنها لا تؤتي ثمارها في الحياة الحقيقية.

شوهد المقال 1226 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه
image

رشيد زياني شريف ـ ماكينة الإعلام، مخلب العصابة

د. رشيد زياني شريف  مرة أخرة، ومن جديد، تتوّحد كافة وسائل الإعلام، المكتوبة منها والمرئية، المعربة والمفرنسة، "العلمانيةّ و"الإسلامية"، الحداثية والمحافظة، في الدفاع كلها عن الجلاد

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats