الرئيسية | مجتمع الوطن | محلب فايزة ـ اللهم شكرا

محلب فايزة ـ اللهم شكرا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محلب فايزة *
1. اللهم شكرا
إن الامتنان جزء من الأوامر الإلاهية المتكررة في القرآن، (وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)، فقد وعد الله الشاكرين وعدا صريحا بالجزاء بالزيادة في كل النعم (وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)، (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)... وتكرّرت الآيات التي توضّح لنا مكانة الشكر والامتنان في القرآن الكريم، للدلالة على قيمته والخير الكبير المترتب عنه.
لكن الله تعالى في كتابه الكريم يقول أيضا (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ)، فهل يعبّر الشكر عن الكلمة التي نقولها عند تلقي خدمة، أو إجابة أو عمل ما..؟ في الواقع ليس بالضبط.
إنّ الشكر الذي نقدّمه عند الأخذ يعتبر واجبا أخلاقيا؛ وهو نَعَم جزء من الامتنان الذي يفتح لنا كل الأبواب. لكنّه غير كافٍ. إن الشكر هو العلاج والدواء والوقاية للمرض المتفشّي فينا مذ خُلقنا؛ ألا وهو "التّعود على النّعم". فلو تصرّفنا مع كل نعمة على أنها "معجزة" فإننا لن نتوقف على الشكر والحمد والامتنان.
إن أبسط مثال يمرّ يوميا مرور الكرام على بني آدم، هو "استنشاق الهواء" !
إن الهواء الذي نتنفسه، والطريقة التي نتنفسه بها، عبارة عن آيات دقيقة محكمة، لو زادت أي نسبة أو عملية أو نقصت بمقدار ضئيل جدا؛ لاختل التوزان وتوقفت الحياة.
فإذا توقفنا عند نسب الغازات المكونة للغلاف الجوّي، وكمية الأكسجين، وكيفية صنعه... وما أهل الذكر من الفيزيائيين والكيميائيين وأهل العلوم أدرى به مني، لأدركنا حقيقة النعمة التي نحظى بها دون أن نطلبها.
وإذا انتقلنا إلى مكوّنات الجهاز التنفسي، والتبديل بين مدخلات الشهيق ومخرجات الزفير، والعمليات الضخمة التي تحدث في أجزاء من الثانية بشكل مستمر لحفظ حياتنا، وما أهل الذكر من الأطباء والبيوجوليين أعلم به منا... لسجدنا لله شكرا.
إن الفكرة في عرض مثال بسيط للقارئ، لا تعود لسرد الحقائق العلمية نفسها، ولكن إلى ضرورة التأمل، كأمر إلاهي آخر نغفل عنه. إنه "التدبر" (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)، و"التفكر" (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا).
إن الأمثلة في أنفسنا وفي محيطنا لن تنفد، ومعها موجبات التدبّر والشكر، لكنّنا نفضل "التعوّد" و"الإيلاف"، وهو ما لا يحمد عقباه !
ما رأيك في أن تأخذ صفة الشاكرين؟ مثل أن تبدأ يومك بتعداد نعمك، ولتكن ثلاثة نعم فقط عند الاستيقاظ من النوم ! قد تكون هذه النعم فيك أو حولك، أشياء، أشخاص، صفات، أعمال... وتختم يومك بنفس الطريقة، فتمتن قبل نومك وتشكر الله على نعمه، لتكون من القليل (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ). 
إن الشكر يتعدّى حدودك ليمرّ إلى شكرك على نعم غيرك لتنل الخير والرضا أنت، فقد ورد عن رسول الله صلى عليه وسلم أنخ أوصانا في مستحبات الذكر بالقول: (اللهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ) حين نصبح وحين نمسي، وهذا لقيمة الشكر والامتنان الكبيرة في ديننا ولفائدتنا.
وكيف نتمكن من الشكر بأسلوب صحيح؟ إن الشكر يرتبط بالإنفاق. فهو القول مقرونا بالمشاعر الطيبة الصادقة عند قوله، مع العمل بما شكرت عليه.
فإن كان لديك مال؛ فإن الشكر يكون بالإنفاق منه والإنفاق يزكّيه (يطهره وينميه)، وإن كان لديك علم فأنفق منه يُحفظ ويكبر، وإن كان لديك خُلُقٌ جيّد فالإنفاق منه بتوظيفه ونشره (التأثير)، يزده فيك وفي غيرك، وإن كانت لديك سعادة فإن مشاركتها تضاعفها لك وتحيط بك فيمن حولك، وإن كان لديك صحة استخدمها فيما يرضي الله تعالى...
إن الله تعالى يعطينا المثال في قوله: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا)، فلنعمل بنية الشكر والله يجزينا خير الجزاء... اللهم شكرا.

* جامعة سطيف 1

شوهد المقال 255 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ النظام مريض وعلته ليست كورونا

نجيب بلحيمر الاعتقاد بأن كورونا التي أصابت عبد المجيد تبون هي مشكلة النظام السياسي خطأ في التشخيص قد يكون قاتلا. منذ الأيام الأولى بدأ التخبط في
image

خديجة الجمعة ـ الروح

خديجة الجمعة  هذه الروح تشتاق إليك ، تشتاق لرؤيا عينيك . تشتاق للجلوس معك . لتنطق اسمك بين كل الأسماء . وعاجباه!! منها تلك التي ترسم
image

وجيدة حافي ـ مُستقبل التعليم في الجزائر بين التقليدي والحديث في زمن الكُورونا

وجيدة حافي  المُنتسبون لقطاع التربية والتعليم أساتذة وإداريون يُطالبون السُلطات بوقف الدراسة لأجل مُحدد ، على الأقل حتى تنتهي هذه الفترة الحرجة التي تعرف تزايدا ملحوظا
image

علاء الأديب ـ رأي في بلاغة الشافعي..

علاء الأديب أما ترى البحر تعلو فوقه جيف وتستقر بأقصى قاعه الـــدرر الشافعي. أرى أن الشافعي رحمه الله قد اخفق بلاغيا في اختيار مفردة فوق
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

3.00
Free counter and web stats