الرئيسية | مجتمع الوطن | مرزاق سعيدي ـ نقلات شطرنجية : غربان التضامن!

مرزاق سعيدي ـ نقلات شطرنجية : غربان التضامن!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
مرزاق سعيدي 
 
في "الحومة" عمارة تختصر، في مكان ما، الوضع العام بفرحه وألمه، أحواله الجوية المتوقعة، وتلك التي تعجز مصالح الأحوال الجوية، ولجنة الأهلة عن توقع جنونها..
في هذه العمارة طيبون حدّ الجنون، وخدومون كثيرون، وآخرون "وَقّابون"، وفئة ثالثة تحترف الجمع بين السلبيات جميعا، قولا وفعلا، وفئة رابعة تحبُّ "الجلوس في الطرقات" والكلام في الغير، بشراهة، تُثير حيرة إبليس، شخصيا، وفئة خامسة تحاول التغيير، لكنها تفشل في محاولاتها حتى الآن، لعلّها أخطأت القراءة، ومن ثمة بلوغ ما رسمته من طريق وصول إليه..
بين هؤلاء يُثير الأنظار ثلاثي، يختصر ما يحدث في أماكن كثيرة، ثلاثي تجدُه في العالم-الثالوثي (نفط، فقر وبطالة)، يحدثك عضو فيه عن اسباب تقدم اليابان والمانيا والصين وهو يغرز إبهامه في أحد منخريه..
يحشُرُ هذا الثلاثي نفسه في خانة مريدي ماء زمزم (الذي تحول إلى تجارة لدى من يهوون لقب "عُمري" و"حاج")، وفي نفس الوقت يشرب "لاقمي" مغشوش، مهيّأ في بيئة رَوْثية، أو يجري خلف صورة ملتقطة في زمن كورونا خلف الفرينة، التي يشم رائحتها، وما جاورها من عطايا الشعب الى الشعب، ولما يصل إليها يُحول أودية التضامن عن مصبّها الأخير: الفقراء والمعوزون.
أوّل الثلاثي، الذي لا يعير بالا لثلاثية الحكومة وقرارتها، في كل الأحوال، جامعي حاصل على دبلوم لا يعمل به، لكن دبلوما ثانيا يعْرفُهُ الضالعون في كواليس الإدارة، وكيف تتم الترقيات، قرّبَهُ من مناصب تؤثر على أحلام الناس، فيسعى هو بكل فرح لمحوها بجرّة "قهوة".. له من شجاعة تفادي المُجابهة ما يزرعُ به فتنا متتالية بين الناس، بـ"عقل معاوياتي".. له مسحةُ حَمَلٍ، لمن لا يعرفه، تُخفي قدرة رهيبة على تحويل التضامن إلى طعنة في ظهر الفقراء..
كثيرا ما وقعت معارك دامية واشتباكات بالأيدي، ولما تهدأ الأنفس يكتشف عنترة والضحية أن هذا الابن آوى هو السبب!
ثاني الثلاثة لا شُغل له، يدّعي الفقر، لكنه يشتري أضخم كبش في العيد، ويتبختر به. له لباس، نفس اللباس، تداخلت فيه الألوان، أو إنقشعت من قدمه، يُخفي فيه تبغ مخلوط برائحة غريبة تشبه العرعار، وقد لا تشبهُه، ويُخفي فيه هاتفا يشتغل من حين لآخر لمعرفة ما يجري في الجوار.
صاحبنا، الذي لم يعمل يوما، "ليس ماصو"، و"لا المصروف خاصّو"، يتجول في المدينة من شمالها الى جنوبها ومن يمينها الى شمالها، يتَسقّط الأخبار، التي لها رائحة مادة أو مال، فضلا عن الأخبار المصنفة "أقل من 18 سنة"، ومنها ينسج خيوط لعبة يتقنها حدّ تدريسها لمن لم يُتوّبُهُم سجن الحراش أو غيره، وفي لمح البصر تجده سمسار شقق، بائع خردوات، بائع مفاتيح شقق "سوسيال"، وسمسار كراء، البعض يقول إنها "مجرد أوهام" عن هذا القنفذ البشري، في العمل بالحيل، والبعض يتحداك بقطع يده "إن لم يكن ذلك صحيحا".. المهم أن صاحبنا "سمعته" تسبقه إلى أي مكان يقصده..
في الحي، يا للصدفة، لا يجلسُ إليه، إلا من يُشبهُه في المحتوى والإتجاه، من الذين يُحبُون ما يُحب، ويسجلون أنفسهم مثله، في قوائم المشاركة في مكاتب الإشراف على الإنتخابات.. مع أنه صاحب أملاك في ولاية أخرى بعيدة، تُدرُّ عليه ما يعلمه الله وحده.. 
ثالثهم يستلطف بكائيات خاصة، تقترب من "رنّة" الزطّيين (بني عداس، او العمريين) في استعطاف الناس، وإستدرار رحمة جيوبهم..
يبكي بحرقة عندما لا يجد ضحية، ويكون مُجبراً على إستخراج بعض المال من معاشه. تعوّد "تجميع" ما يكفيه لشراء ما يحتاجه للمطبخ، وما تحتاجه رئتيه من سجائر، وقهوة، وفاكهة، وما يكفي لـ"دفع" تكاليف الهاتف والأنترنيت، بطرق تلتقي كُلّها، في نفس الجملة، في الغالب: "سلفلي 500 دينار، طحت أومبان، نرجعهالك بعد يومين"! وعادة ما يستلف من أشخاص كُثُر نهاية الأسبوع، ويُمنيهم بإرجاع الوديعة، فتنطلي الحيلة على الجميع..
مرات يُنقذُه الناس من هيجان أحدهم أحسَّ بـ"الحشوة"، وأحيانا يُقدّمُ الجيران الجيرة على مطالبته بمبلغ تافه مثل هذا، وهي نقطة ضعف يعرف كيف يبتز بها الناس، في كل حين، تماما كما كان يبتز غرباء يأتون إلى المصلحة التي يعمل فيها بوابا على طريقة "المدير صديقي، ويقضي حاجاتي دون سؤال"..
يلتقي الثلاثة في صداقة غريبة، بميزان الطيبين، وكُلما إلتقى هؤلاء وقعت حادثة في اليوم الموالي، أو تداول الجيران حكاية من حكايا الثُلاثي في الحي، الذي يخرُج رجاله وأطفاله (إلا من رحم ربك) نهارا وليلا حتى الواحدة والثانية صباحا، يُشكّلُون جماعات لا تحترم ما يوصى به في زمن كورونا، يسترجلون بينهم مثل "سرادك شينوا"، ثم يهرولون ويختفون في جحورهم بمجرد سماع منبه سيارة شرطة..
آخر مرة التقى الثلاثي، في "مفاوضات ليلية"، أحدثوا جلبة بأحاديهم المزعجة للجيران، استيقظ سكان العمارة في اليوم الموالي، على مدخل عمارة مفروش بـ"فارينة" الإعانة (وأشياء أخرى) موجهة الى المعوزين.. 
قد تقولون إن هذه النماذج البشرية موجودة في كل مكان، لكن تأملوا هذا السؤال البسيط: هؤلاء لهم أولاد يكبُرون بردود فعل أوليائهم وسلوكياتهم و"مميزاتهم"، في طبعة جديدة من "تواصل الأجيال"، الذي لم ننتبه له، في عز البحث عن جسر له، أضعناه في نقلة مهمة بين التاسع عشر مارس، والثالث جويلية.. هل القطيعة ممكنة، في أجواء مثل هذه لا يستقطبها زئبق الأحوال الإجتماعية والسياسية، أم أن هذا الطرح لم يستطع تفكيك الواقع كما ينبغي، وبالتالي يتجاوزه الزمن نحو البحث عن مقابل قادر على امتصاص صناعة الفقراء، والقرّاد البشري، الذي يعشق ثلاثية (نفط، ريع، تضامن إجتماعي)، والخطر المستدام يكمن في تناسل القرّاد البشري.. وغياب اللاعقاب، الذي يشجعه على زراعة العشوائيات والمضاربة وصناعة الفقر والتبعية الجديدة بطريقة خبيثة، وذئبية من خلال "الفافيلات"، التي تنشأ آليا في الأحياء الجديدة، التي تصرف عليها الحكومة ما لاحساب له، ثم تنبت فيها حاضنات، لا علاقة لها بالمؤسسات الناشئة.. 
خارج النص: الغربان معروفة بأنها طيور ذكية وماكرة، من صفاتها مجامعة الموتى من فصيلتها، وحسنتها الوحيدة "دفن" موتاها ومداراة سوءاتهم..
النقلة القادمة: في ذئبية القرّاد البشري!
 

شوهد المقال 364 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats