الرئيسية | مجتمع الوطن | يسرا محمد سلامة ـ ما ابتلاكَ إلا لـيُهذبك

يسرا محمد سلامة ـ ما ابتلاكَ إلا لـيُهذبك

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. يسرا محمد سلامة 
 
 
يعيش عالمنا هذه الأيام مع أزمة صعبة جدًا تتعلق بوجوده في هذه الحياة من عدمها، وهو أمرٌ لم يكن يتوقعه أحد؛ خاصةً مع التطورات المذهلة التي وصل إليها العلم، والتكنولوجيا، والتي أثبتت أنّ "و فوق كل ذي علمٍ عليم"، ومع ذلك فقد قدّر العالم أجمع أهمية العلم والعلماء، وانحنى الجميع لدورهم في هذه المرحلة الخطرة التي تمر بها البشرية، وهي مرحلة بها من الدقة ما يجعل أي استهتار بمُقدرات الانسان أمرٌ بالغ الصعوبة، وتُعد كذلك مسألة حياة أو موت يواجهها العلم أمام خطر مجهول الهوية يحمل في طياته علامات استفهام كثيرة .
COVID 19 أو فيروس كورونا المستجد أعطى درسًا قاسيًا لنا، لن ننساه ما حيينا، فهذا الشئ الذي لا يُرى بالعين المُجردة جعلنا نُعيد حساباتنا من أول وجديد، نبتعد عن عاداتٍ كنا قد أدمناها، وقد تسببت لنا في العديد من المشاكل، جعل الأسرة يلتئم شملها من جديد – رُغم أنهم يمضون معظم وقتهم مع هواتفهم، لكنهم فالنهاية يمكثون في المنزل – جعل الكثير منّا يُعيد ترتيب أولوياته، يبحث عن أشياء مفيدة يُمارسها من المنزل، يُنمي لديه موهبة ما من خلال التعلم عن بُعد، صلة الرحم عادت مرة أخرى – حتى وإن كانت عبر الاتصال الهاتفي، لكنها عادت - وهكذا ....... أمور كثيرة إيجابية مع فترة التوتر التي نقضيها في معرفة متى سينحسر الوباء وتعود الحياة مرة أخرى إلى طبيعتها، هذا ما يقوله الجميع على وسائل التواصل الاجتماعي الذين ينظرون لهذه الكارثة من منظور إيجابي – إلى حدٍ ما  لكن ..
هناك منظور مختلف إيجابي آخر لهذا الفيروس، ألا وهو الاهتمام بصحة الفرد وتوعية صغار السن بأهمية تتبع نظام غذائي سليم، مع الأخذ فالاعتبار الاهتمام بالنظافة الشخصية، واتباع أساليب وعادات من شأنها رفع كفاءة مناعة الجسم، وهو أمر "للأسف" لم يكن موجود من قبل، في العديد من الثقافات حول العالم – ولا اختص مصر وحدها بهذا الأمر – فالكثير كان يُهمل فيما يأكله وما يتناوله، وما يأخذه من دواء تسببوا جميعهم في القضاء، على مناعتنا التي تُعد خط الدفاع الأول الذي يتصدى لمثل هذه الميكروبات والفيروسات .
وهناك أمر غاية في الأهمية، وقد يكون المحرك الرئيس لهذا الفيروس في وقتنا هذا، وهو التقرب من المولى عزّ وجل، نعم، فالعديد منا لم يكن يشغل باله كثيرًا بمدى قربه من ربه، وهل هو بالفعل قريب أم لا، فنحن طالما أمورنا تسير بشكلٍ جيد دون أي منغصات، ننسى – قليلاً – تقربنا من الله، وهو أمرٌ غاية في الخطورة؛ لأنّ من علامات قربك من ربك أو حب الله لك ورضاؤه عنك أنْ يبتليك، لا أنْ يجعل أمورك تسير وفق هواك دون عثراتٍ أو عقبات، ونحن نعلم الحكمة التي تقول "يبتليك .. لا ليُعذبك، بل لـ يُهذبك"، انشغالك عن المولى جلّ وعلا، يجعله يضع في طريقك ما يشغلك به رُغمًا عنك، طالما أراد لك الرجوع إلى طريقه .
لذا علينا أنْ ننظر إلى هذا الوباء على أنه ابتلاء نٌهذب به من مولانا قبل فوات الأوان، ونرجع عن أمور كثيرة كنا نتعاطاها وهي تُبعدنا شيئًا فشيئًا عنه، وأتمنى حقًا بعد انتهاء هذه الفترة الصعبة أنّ كل من ترك عادة سيئة لا يعود إليها أبدًا مهما كلفه ذلك من جهدٍ أو مشقة في سبيل تركها، علينا جعل عزيمتنا تنتصر على الأشياء التي كانت سببًا مُباشرًا في تحريك هذا الفيروس نحونا ليُهذبنا، ويجعلنا نعود إلى الطريق المستقيم في كافة أمور حياتنا .
أعد حساباتك من أول وجديد، رد المظلمة لأصحابها، اجعل صلتك بأحبابك لا تنقطع، داوم على الذكر والطاعات، فكر كثيرًا في كلماتك قبل أن تُخرجها من فمك، فالكلمة نور وبعض الكلمات قبور، اجعل من يراك يتمنى أن يكون مثلك، وقتها فقط سترى بنفسك أنّ كل ما سيصيبك سيكون فيه خيرًا كثيرًا لك، من الجائز أنك لن تراه في وقت نزوله عليك، لكنه سيُصبح كذلك إذا ما كنت سفيرًا لدينك على الأرض .


شوهد المقال 648 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اسلام طبوش ـ الحراك الجزائري من التعتيم الإعلامي إلى الاستهداف ... صمود الحراك يغضب فرنسا و اولادها

اسلام طبوش    قام الحراك الشعبي علي ما عقده بيان ثورة أول نوفمبر 1954 وفق المبادئ الاسلامية عقدته أيضاً ثورة 22 فيفري السلمية...
image

عبد الباقي صلاي ـ ماذا عن رجالات الدولة الأَكْفَاء الذين ظلمتهم العصابة؟!

عبد الباقي صلاي  حملةُ الأيادي النظيفة التي قادها  "أحمد أويحيى"  عندما تَسنّم القرار الأول في الحكومة الجزائرية أواسط التسعينيات من القرن الماضي،والتي على إثرها
image

نجيب بلحيمر ـ سحابة صيف راعدة

نجيب بلحيمر   كما كان متوقعا اكتفت الخارجية الفرنسية بالتذكير بحرية الصحافة للرد على قرار الجزائر استدعاء سفيرها لدى باريس احتجاجا على بث وثائقيين سهرة
image

نجيب بلحيمر ـ النقاش الحرام

نجيب بلحيمر   هل نقد بعض القرارات في ميدان السياسة الخارجية للجزائر والاختلاف حولها يمثل جريمة ؟ في الجزائر يجيب كثير من الناس بنعم، وقد
image

عثمان لحياني ـ فلتان وتلف

 عثمان لحياني  مثلما كانت هناك عملية مأسسة وتبني لخطاب الكراهية المبني على تمزيق الجغرافيا ووضع الحجر في الشقوق ، مثلما يبدو واضحا أنه تم
image

العربي فرحاتي ـ إذا عرف ..من رخص ؟ ..بطل العجب !

د. العربي فرحاتي  لشعورهم بالنقص في شرعية من انتخبوهم..الباديسيون الجدد يكملون ما نقص من شرعية السلطة التي انتخبوها من هجومات الاعلام الفرنسي لسلطتهم ..حيث
image

وليد عبد الحي ـ قرارات ترامب بين النرجسية والمؤسسية

 أ.د.وليد عبد الحي  أزعم ان عملية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة لم تشهد في تاريخها تنازعا حادا بين " شخصية الرئيس" من
image

العياشي عنصر ـ خبايا "تحقيق فرانس5"

 د. العياشي عنصر  بعد مرور لحظات الصدمة والغصب لابد من التفكير بتأني وبمنهجية حول هذا التحقيق وتحليله وتفكيكه ثم إعادة بنائه حتى يتسنى لنا فهم
image

محمود بلحيمر ـ لولا الحراك لواصل الكثير من الناس التبوّل في سراويلهم كلّما سمعوا اسم السعيد

محمود بلحيمر   بالنسبة لي لا مقال يُنشر في "الواشنطن تايمز" ولا وثائقي يُبث في قناة فرنسية ولا أي عمل إعلامي أو دعائي يُغير من موقفي
image

زهور شنوف ـ معڤال وبوحميدي.. عار "قُبلة الشيخوخة" في الشارع! #الجمعة_67 #الحرية_للمعتقلين

زهور شنوف   في الاسبوع نفسه رأينا اهتماما غريبا بالحراك، على مستويات مختلفة، والحقيقة ان الاهتمام بالحراك لا يغيب ابدا لدى من ينام الجمر في بطونهم،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats