الرئيسية | مجتمع الوطن | محمد محمد علي جنيدي ـ عندما يستجير الذئب بالراعي

محمد محمد علي جنيدي ـ عندما يستجير الذئب بالراعي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد محمد علي جنيدي 
 
 
نسمع دائماً.. عبارة (أيام غريبة أو زمن عجيب) واختصر الإمام الشافعي هذه المعاني فيما ينسب إليه من حكم الشعر في قوله (نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا) والحقيقية أنها طبيعتنا نحن معشر البشر حيث نستعذب المدح ونهرول من النقد ونحاسب الغير ونتوارى من حساب أنفسنا فلا مكان لاعتذار أحدنا للآخر اللهم إلا لحاجة ولا مكان لمحاسبة أحدنا لنفسه إلا ما ندر أو من رحم ربي.. هكذا نكون دائماً.

وهكذا - نحب أن نبدو على هذا النحو وكأننا لا مثيل لنا .. الخطأ هو شيمة الغير فقط أما نحن فنحن العاقلون النبلاء والواثقون الأذكياء والعارفون بظواهر وبواطن الأمور وعند الشدائد ترانا نحن الذئاب والأسود والنمور!!..

أقول بأننا نحب أن تبدو صورتنا هكذا أمام أنفسنا وأمام بعضنا البعض على الدوام – وأقول أيضاً – إلا من رحم ربي.

الحقيقة – إذا راقبنا هذه الخصال فسوف نراها في أنفسنا كأفراد وجماعات ودول من قديم الأزل.

وهذا ما أحب أن أنعته – بالكبر – على مختلف مظاهره وأشكاله وهو أن تنسب إلى نفسك من الفضل ما ليس لك فيه أو أن تُُُُدرأ وتخفي عن نفسك والآخرين ما أنت مدانٌ به ومآخذ عليه، فلا ترى عيباً إلا خارجك ولا فضلاً إلا فيك، وربما يصل الكبر بأحدنا حتى يظن بنفسه بأنه صاحب الرأي الفريد والسديد وبأنه مبعوث العناية الإلهية وصاحب العصمة والأفضلية أما غيره من الناس فهم دونه وليس لهم من مقامه شيء لأن هؤلاء ينقصهم الكثير الكثير مما لديه بالطبع!!.

يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكبر (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) أخرجه الإمام مسلم.

ولماذا لا يدخل الجنة من يحمل في قلبه مثقال ذرة من كبر، أرى أنه للإجابة على هذا التساؤل علينا أن ندرك أبعاد خطورة هذه الرزيلة فالكبر هو الآفة التي تنخر في جسد الفضائل كله فتحيله إلى أوبئة مدمرة فتاكة فتنقل عدواها في أي مجتمع بسرعة الصاعقة، والمعروف أن المتغطرس لا يعرف قدر الآخرين ولا حتى قدر نفسه وللغطرسة أنماط وأشكال متنوعة فمنها غطرسة المادة والغنى ومنها غطرسة الفكر والرأي ومنها غطرسة الفن والإبداع ومنها غطرسة العرق والنسب ومنها غطرسة القوة والغلبة وأخطرها على الإطلاق هي غطرسة العلم والمعرفة.

ولكني أود أن أُلقي الضوء على ما أسميته بغطرسة القوة والغلبة قبل أن أختتم حديثي بطامة الكبر العظمى وهي (غطرسة العلم والمعرفة).

ومن المتعارف عليه أن القوي المتغطرس لا يرى حقاً إلا ما يظن أنه في صالحه فهو كحيوانٍ مفترس جائع هائج أينما حط قدمه أكل من لحم الآخرين وأينما حل بمكان أحاله إلى رعبٍ وفساد.

إن هذا النوع من الكبر يعول عليه الإفساد الأكبر الذي دمر الأرض تدميراً ولا يزال يصوب أسلحته الفتاكة صوب الضعفاء من الناس والأمم والدول التي لا تملك من أدوات الردع ما يقيها من سطوة الأقوياء فلا هي التي تستطيع حماية أمنها القومي ولا هي التي يمكنها الدفاع عن ثروات ومقدرات أبناء شعوبها.

والغالب أن المتغطرس بقوته سرعان ما يحصد أشواك كبره وغروره في ليلة أوضحاها والنماذج لدينا كثيرة والتاريخ كله خير شاهد على ذلك وإلا فكيف بنا نفسر نهاية مشاهير طغاة العالم في عصرنا الحديث وما قبله وما ينتظره أولئك الذين لم تردعهم محكمة التاريخ بشيء لهو أشد فتكاً وتنكيلا.

إن عدالة السماء لم تترك فاعلي جرائم القتل المنظمة أحراراً أبداً ولكم طالعتنا الأقدار على نهاياتهم المخزية!! .

بقي لنا أن نختتم حديثنا بالذي هو أشد وأخطر في عالم المتغطرسين وهم أولئك المصابون بجنون العلم والمعرفة – ولا شك بأنه أحمق الجنون- وذلك لأن المتغطرس بعلمه ومعارفه وعبقريته ربما يستطيع تخليق مكروباً أو فيروساً يقضي به على أممٍ وشعوب وربما وهو لا يملك من ردع ضمير الصالحين شيئاً أن يكون سبباً في فناء بني جنسه من البشر بوازع السيطرة والهيمنة على مقدرات الآخرين أو بوازع الأمن الإستراتيجي والمصالح العليا أو لتحقيق ربحٍٍٍ بغيض أو لأي سببٍ آخر – ولكنني أرى - في الغالب وهو أكبر الظن أن هذا المتغطرس بعلمه مسكيناً للغاية لأنه سوف يخطأ الحساب ويخونه التقدير - لا محالة - وسوف يصعق ويهلك لتوه في اكتشاف أحمق سعى حثيثاًًً إليه.

والمؤكد - أنه مع استمرار سفاهات المتغطرسين بعلومهم أن تؤدي اكتشافاتهم المدمرة هذه إلى كارثة مروعة يقضون بها على أطماعهم بل وحياتهم وحياة من حولهم جميعاً من بني البشر.

فهل تراهم بعد ذلك قد فازوا بقطيع الغنم وهل تراهم يستجيرون براعي القطيع وقد حصده الموت حصداًًًً!!.

نعوذ بك اللهم من ذئاب آخر الزمان ونعوذ بك اللهم أن نهلك بمخالب من لا قلوب ولا ضمير لهم وأنت يا مولانا خير الحافظين.

m_mohamed_genedy@yahoo.com

شوهد المقال 2630 مرة

التعليقات (8 تعليقات سابقة):

صباح جنيدي في 06:36 23.02.2020
avatar
مقال رائع ما شاء الله
اللهم آمين يارب العالمين
اللهم انت خير حافظ وانت خير الحافظين
وحسبنا الله وكفى به ونعمة
علي رمضان في 01:59 24.02.2020
avatar
ممتاز
عبدالله جنيدى في 06:27 24.02.2020
avatar
ماشاء الله عليك مبدع كعادتك استاذى الحبيب اللهم جنبنا الكبر والغرور وعجل بهلاك المفسدين المتغطرسين الظالمين فى كل مكان .
محمد محمد علي جنيدي في 04:09 25.02.2020
avatar
الأستاذة صباح جنيدي
أجمل الشكر لكم وجزاكم الله عنا كل خير
محمد محمد علي جنيدي في 04:11 25.02.2020
avatar
أخي الأستاذ / علي رمضان
تشريف لنا تواجدك معنا هنا، وشهادة كبيرة أعتز بها
محمد محمد علي جنيدي في 04:13 25.02.2020
avatar
أخي المحترم المهندس / عبد الله جنيدي
ربنا يبارك في عمرك، وأشكركم أجمل الشكر لتشريفك بالحضور إلى هنا، وأقول وأضم صوتي لدعائكم .. اللهم آمين يارب العالمين
خليفة في 09:45 09.04.2020
avatar
بارك الله فيك يا أستاذ لقد وضعت يدك على الداء الذي يعاني منه أكثر البشر عفانا الله وإياكم منه . ياليت كل مقالات الصحف والجرائد من هذا النوع والكيف . اللهم قنا شر الكبر آمين
محمد محمد علي جنيدي في 01:41 12.04.2020
avatar
أستاذنا المحترم.. الأستاذ / خليفة
أجمل الشكر لمروركم المشرف وحرفكم الانيقة، وأسأل الله أن يقينا شر الكبر.. يا رب.. اللهم آمين
محمدمحمد على جنيدي

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats