الرئيسية | مجتمع الوطن | زهور شنوف ـ الجمعة51.. رعب الخلل الانساني!

زهور شنوف ـ الجمعة51.. رعب الخلل الانساني!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
زهور شنوف 
 
اليوم المسيرة كانت من اقوى المسيرات، لأسباب كثيرة، ماراحش نهدر عليها لخاطر ماعنديش رغبة، ولا أجد معنى ان أشرح كيف ولماذا كانت او كيف يجب ان تكون المسيرة قوية.. رانا عام وحنا في هذه القصة، اللي اقتنع يقتنع اللي ما قتنعش يروح يعس شكارة لحليب وخطابات الخزي وقرارات الغباء ويعفنا..
الشيء اللي حبيت نكتب عليه اليوم هوما الناس.. كل يوم جمعة اشاهد الناس بدهشة المرة الأولى، دهشة أبدية!
الطفلة اللي حطيت صورتها اليوم عند انطلاق المسيرة التقيتها على بعد خطوات من المنزل، يعني بدينا المسيرة معا، ومشينا طوال شارع حسيبة، كانت تسير بثقة غريبة في النفس وتردد أغاني الحراك، وكان والدها شاب أنيق وهادئ، متلحف كليا بالعلم ويراقبها وخايف بحب حتى على أرجلها تلامس الأرض، يتوقف ويشتريلها أشياء فيها العلم الوطني.. وتسير هي وسط الجموع تغني والناس تردد خلفها، كنت نمشي ونفكر في كثير من الاشياء، كان اليوم المفروض نروح نزور ابي، وفي اخر لحظة تغير البرنامج وقلت خلي ندير الحراك لاننا في فيفري المقدس وفالمساء نروح، لكنه كان معي طوال الطريق.. ابي كان ومازال صديقي الأول في هذه الحياة، كان يسمعني بانتباه ويحترم رايي ويثق في قراراتي، وعمرو ما حسسني انني اقل من اخوتي الذكور، علمني ان اقول كلمتي بكل حرية وادافع على قناعاتي بكل قوة، كان يقلي الحق فيه طريق واحد سيري عليه توصلي.. اليوم صوته ظل يتردد في الطريق الذي كانت تسير فيه تلك الطفلة، وكنت اقول هذا هو الطريق اللي راح نوصلو بيه، الطرق الجانبية هي طرق متعفنة بالريع والمصالح.. اي طريق ما يحطش مصلحة هذه الجموع قبل مصلحته هو طريق باطل.. الامور راها واضحة إلا لمن كان ميزان بصيرته الأنانية..
في منتصف شارع حسيبة كانت الجموع قوية، قررت التوقف لأحاول مشاركة فيديو على الفيسبوك بالانترنت البائسة، مرت تلك الموجة البشرية المفعمة بشعارات ويقين التغيير، وبعد عشر دقائق واصلت السير، كان هناك سيدة كبيرة في السن بجبة قبائلية مع ابنتها او حفيدتها او لا اعرف بالتحديد.. كانتا تلتحفتين بالعلم.. سيرهما يعكس الى اي مدى مسار الحرية مبهج، تتبادلان الضحكات وترددان الاغنيات، اخذت لهما صور وواصلت الطريق افكر في النساء الجزائريات خلال عام الثورة هذا.. اي مشاركة كانت لهذا الجنس الناعم بقوة! جنس مُلح باصرار على السير لمدة سنة، خلخل عبر السير الكثير من المفاهيم الاجتماعية وأسقط مئات الصور النمطية، رسم مواطنة حقيقية غير منقوصة للجزائريات مثل الجزائريين..
 
الجمعة 51 مكانش يوم عادي، يوم غريب ومشحون بالمشاعر، فيه أشياء كثيرة وجنون وصدق وأمل كبير في بلد يحفظ كرامة الإنسان ويشعره بأهمية وإمكانية ملكيته للفضاءات والوسائل وما يمكن أن يمنحه ذلك من إحساس بالأمن، إلى أن جاءت الساعة الرابعة والنصف، اين وجد الناس أنفسهم محاطين بقوات مكافحة الشغب! الحديث عن التجاوزات من الجانب الوظيفي بالنسبة لقوات الأمن، أصبح أمر بلا جدوى، ففيالق الشرطة التي تتجول وسط المواطنين وتقوم بتعنيفهم وإهانتهم تجد التشجيع بشكل ما من جهة ما عبر التغاضي عن هذه السلوكات، لان هؤلاء الشرطة يتحركون تحت أعين قيادات أعلى منهم على أرض الميدان، ولولا العدد الكبير للجموع والحسابات التي تاخذها القيادات من أجل حماية مصالحها ومصالح ما نسميه "النظام" لكان التصرف مختلفا كليا.. طوال السنة كانت لدي قناعة واحدة، وهي ان الانفلات لم يحدث لان الشعب متمسك بالسلمية ومصر عليها، فالأب الذي اصطحب تلك الصغيرة معه اليوم، ليس لديه لا النية ولا الاستعداد للتحول إلى العنف، بينما لم تتوان الشرطة يوما عند أول فرصة عن النزوع نحو تعنيف المواطنين واهانتهم، وهذا يعني ان الانفلات لا يخدم النظام فقط لا اكثر ولا أقل! فما رأيته اليوم يطرح في بالي عشرات الاسئلة عن المؤسسات الأمنية وشرعنة العنف لصالحها، ففي المساء عندما بدأت الشرطة تفريق المتظاهرين رأيت ثلاثة رجال شرطة في شارع أودان سنهم صغير مستحيل بأي حال من الأحوال أن يتجاوز الخامسة والعشرين، يحاصرون شيخا سبعيني بينهم ويتبادلون ابتسامات خسيسة تنم عن انعدام أخلاقي والشيخ يحاول الإفلات والمقاومة دون جدوى، الصورة تعكس بشكل دقيق سلوك الحر وسلوك العبد.. يحاول الشيخ الافلات ورأسه مرفوعة بينما الشباب "الشرطة" يسحلونه ويتجاهلون الإهانات والسباب الذي يطالهم من المواطنين من كل جهة "اطلقوه عيب عليكم.. اطلقوه هذي ماشي رجلة".. ليس تنفيذا للاوامر وانما شعور ان الفرصة مواتية لتفريغ شحنة ما كان باديا، شحنة يجب ان تخضع للدراسة والتحليل لفهم هذه النفسية المختلة التي لا تشبه الأخلاق الإنسانية ولا القيم الجزائرية التي تربينا عنها، فاما أن تكون حالة مرضية وهذا ما يجعل هؤلاء خطر مع سبق الإصرار والترصد برعاية من وظفهم أو خلل عميق داخل مؤسسة تقوم على مبدأ حفظ الأمن وضمان سلامة المواطن!.
 
لا أريد فصل معاملة النساء عن معاملة الرجال، رغم أن الخصوصية الاجتماعية تتطلب ذلك، لكن مع هذا ما رأيته من معاملة الشرطة اليوم للنساء ينم بالنسبة لنا كمجتمع جزائري عن خلل عميق لدى من اعتدوا على النساء، وعادة وصف الرجل بحقار النساء هو اسواء ما قد يلحق به! خصوصا وان حالة الاستعراض المرضي لم تكن مخصصة للنساء الشابات وانما طالت حتى سيدة ستينية تلتحف بالعلم وتقف وسط الطريق! الأمر فعلا مقلق ويثير تساؤلات حقيقية حول الوضع، كيف تلتزم الشرطة الصمت وتكتفي بالنظر الى المتظاهرين طوال النهار، ثم فجأة تتحول الى هذا السلوك المرضي في وقت محدد!؟
اخر شيء علق في ذهني من نهار اليوم هو شرطي إنهال على شاب بعصاه بعنف وهمجية، لانه استدار نحو قوات مكافحة الشغب ورفع صوته وقال "مادفعنيش" ضربه الشرطي بوقاحة رغم أن الجموع حاولت الفصل بينهما ثم استدار إلى زميله وقال "باش يتربى"!
شيء جميل ان يعتقد شرطي عشريني انه يستطيع تربية المواطنين وبالعصا! والأجمل أنه يعتقد أن دفاع المواطن عن نفسه وكرامته هي "قلة أدب"!
هذا يلخص لنا الكثير.. عموما الشرطة التي استطاعت الاعتداء على سيدة مصابة بالسرطان وأهانتها بتلك الطريقة في ظل تجاهل صدمة الشارع وصمت المسؤولين يشرح الكثير من الأمور عن السلطة التي تراقب الفيسبوك وتتخذ القرارات وتنتج الخطابات على أساسه! .
 

شوهد المقال 809 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

شكري الهزَّيل ـ اشكالية الفلسطيني و"الفلسطرائيلي" !!

د.شكري الهزَّيل كثيرة هي المطبات الوطنية التي وقع او تعثر بها المسار التاريخي الفلسطيني منذ اغتصاب فلسطين واحتلالها عام 1948 وحتى يومنا هذا والحديث يدور
image

وجيدة حافي ـ ما محل الثقافة من الإعراب

وجيدة حافي  دائما ما نكتب في السياسة والإقتصاد، ونهتم بالواقع المُعاش للمُواطن العربي وننسى مجالا مُهما وقارا في بُلداننا، لأنه الوسيلة التي تُبين مدى وعينا وفهمنا
image

بشير البسكري ـ ذكريات مع حراك 22 فيفري

بشير البسكري  لا يزال ذلك اليوم عالقا في الذاكرة. أستذكره بكل تفاصيله كأنه حدث بالأمس، و أنا اليوم أعيش أثره النفسي و الفكري بكل فخر ..
image

علاء الأديب ـ الدمى لاتحب بالمجان

علاء الأديب رفض والده أن يشتري له الدمية التي أحب لكنه أصر عليها.. عندما سمعها تقول أحبك أحبك أعجبه ذلك الصوت المنساب من شفتيها كاللحن
image

فضيلة معيرش ـ سليمان جوادي شاعر تنحني له هامات الإبداع

فضيلة معيرش وجدت في قصائده فيضا من بهاء الحرف ، وزادا معتبرا يبهج ذائقتي الباحثة عن الجمال والاختلاف . شعره يدور في فلك التميز ويرسم مداره
image

محمد محمد علي جنيدي ـ يا أيُّها المُحْتَلُ

محمد محمد علي جنيدي        يا أيُّها المُحْتَلُ أرْحَلْ عن بِلادِي فأنَا سَئِمْتُ العَيْشَ مَكْتُوفَ الأَيَادِي لا يَحْمِلَنَّ الزَّهْرَ سَفَّاحٌ يُعَادِي أنت العَدُوُّ فَوَارِ وَجْهَكَ
image

ناصر جابي ـ مستقبل الجزائر في الحراك والمشروع المغاربي

د. ناصر جابي  نعم مستقبل الجزائر يتوقف على هذين المشروعين الكبيرين، القبول بمطالب هذه الثورة السلمية، التي سميناها تواضعا حراكا، لإعادة ترتيب الأوراق الداخلية،
image

جباب محمد نورالدين ـ هكذا خاطبتنا فرنسا عبر قناتها M6

د.جباب محمد نورالدين لم يشد انتباه فرنسا، ملايين النساء الجزائريات المتعلمات الحاملات للشهادات الجامعية العليا المكافحات في التعليم في الصحة في الإدارة في
image

وليد عبد الحي ـ السيناريو السعودي المحتمل: نظرة تمهيدية

أ.د.وليد عبد الحي يغلب على الدراسات المستقبلية في تنبؤاتها الخاصة بالظواهر الاجتماعية والسياسية تحديد المستقبل من خلال ثلاثة سيناريوهات هي: بقاء الوضع الراهن أو التغير النسبي
image

العربي فرحاتي ـ الربيع العربي مستمر .."إرحل يا سيسي" في مدن مصرية الأن

د. العربي فرحاتي طوفان الشعوب ينمو والغضب يتفجر هنا وهناك ..فرغم القبضة الحديدية ورغم أن لسان حال الديكتاتوريين المستبدين العسكر ينطق ب "أنا وبعدي الطوفان ".كما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats