الرئيسية | مجتمع الوطن | زهور شنوف ـ جزائريات..

زهور شنوف ـ جزائريات..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

زهور شنوف 

 

لا أحب الكتابة عن الإنسان بوصفه "جنسا".. مرارا عُرضت علي كتابة مقالات عن "المرأة الجزائرية" وشعرت ان الأمر ثقيل.. "كتابة على أساس الجنس"!

 

الامر غريب فعلا.. الانسان عقل وروح.. بهما يوقع سلوكا وفعلا او رد فعل يقول عبرهم من هو وماذا فعل ولماذا فعل بغض النظر عن جنسه، خصوصا اذا تجرد من الشروط الاجتماعية بجذورها وفروعها.. وأدرك طبعا صعوبة هذا او استحالته احيانا عندنا، ولكن؟ 
خلال هذا الاسبوع لم تعد لدي القدرة عن رؤية شيء سوى "الأنثى".. لدرجة تملكني شعور من الضعف ورغبة شديدة بالاختباء في حضن امي والنظر منه الى وجوه "جزائريات" يبذرن الأرض فتنبت صبرا ورحمة.. 
اشاهد في كل الصفحات والاحاديث واللقاءات - باستثناء الاعلام طبعا - اسم وصورة الطالبة الشجاعة نور الهدى عقادي ووالدتها، مجرد طالبة علم اجتماع ذكية غير منفصلة عن المجتمع الذي تدرسه، تقوم بكل عضوية بالتماهي مع مشاكله، وتنخرط بكل ما فيها للدفاع عن مسألة التحول التي يعيشها منذ قرابة السنة، مدركة بشكل وظيفي ضرورة التغيير بعدما بلغت "أعضاء" تنظيمية أساسية فيه درجة متقدمة من التعفن أصبحت تهدد كل الكيان! لكن وجدت نفسها بسبب هذه الفاعلية معتقلة بتهمة "المساس بمعنويات الجيش"، وعندما تسمع هذه التهمة الهلامية تتساءل عن الاسلحة والاستراتيجية الفتاكة التي تمتلكها طالبة جامعية لدرجة "المساس بمعنويات حامي الدولة واخافته"؟! بالطبع سلاحها مخيف في مجتمع متخلف ودولة زبونية "عقل نقدي وسلوك رافض".. أكثر من فتاك هذا يا ولدي! يخلقون من اجل محاربته تهم وليس تهمة واحدة..
نور الهدى داخل السجن لكنها موجودة في كل مكان، مسجونة في تلمسان لكنها تظهر في كل ولايات الوطن، تظهر في العاصمة بين ذراعي الطالبة نور الهدى ياسمين، جزائرية أخرى أعطتنا دروسا كثيرة فيما يسميه سياسيون و"مثقفون" اليوم "التشيغفاريزم"، والذي طبعا هو السبب الذي يفتح لهم ابواب القصور والمناصب..
نورالهدى ياسمين التي غادرت سجن الحراش، من فترة قريبة، كانت درسا مهما فيما تعنيه دولة القانون عندنا، مجرد طالبة انخرطت في ديناميكية المطالبة بالتغيير مع زملائها وجدت نفسها في مواجهة شرطي يطلب منها سببا للنزول الى الشارع اولا! ويجرها بعد تفتيشها لأقرب قسم للشرطة وتعتقل لأشهر بتهمة مازالت غير واضحة ولا مفهومة بالنسبة لها وللجزائريين، شعارات داخل شنطتها تستهدف "مديرية الأمن"! هل هذه الطالبة الصغيرة لديها أسرار عن الدولة لدرجة مرعبة كهذه وهل مديرية الأمن ممكن ان تكون خائفة ومرعوبة إلى هذه الدرجة منها! 
علامات الذهول والصدمة كانت بادية على وجه نورالهدى بعد مغادرة السجن، وهذا شعور طبيعي، لكن المفاجأة انها استعادت هذا الاسبوع جمالها وبريقها وقوتها.. وبدت أشجع من "مديرية الأمن" بحالها، ونزلت إلى الشارع تدافع عن حرية "نورالهدى عقادي" تحمل صورتها في وجه الشمس بينما تدير ظهرها إلى المحكمة وهي تمر على عناصر "مديرية الأمن" الخائفة التي تحاصر الشارع رعبا من الحرية والتغيير!
لا اعرف بالتحديد هل تخوض هؤلاء النسوة الشجاعات معركة مباشرة مع العدالة! لكناليوم وقفت المعتقلة السابقة سميرة موسوسي في الشارع ذاته الذي كان يقف الجزائريون فيه دفاعا عنها لأشهر.. وقفت تطالب باطلاق سراح المتظاهرين الذين تم توقيفهم يوم الجمعة.. وقفت بقوة وشجاعة ورأسها مرفوع تردد شعارات الحرية وتتحدث عن ضرورة الاستمرار في المطالبة بالتغيير.. وضرورة الاستمرار بالمطالبة بالعدل.. وقفت بعمق وعنفوان دون ان تكسرها تجربة الاعتقال مثل انكسار المهرولين إلى حضن السلطة، ولا ضخمتها الأوهام مثل السياسيين الذين يتهافتون على الوقوف أمام "قصر" يمنح القهوة والشاي ليحصل على شرعية لا تؤخذ إلا من صاحبها!
طبعا هؤلاء الجزائريات اللواتي حاصرنني طوال الاسبوع، دفعن ثمن باهضا سنبقى مدينين جميعنا لهن به، منحننا قوة كبيرة وطاقة ايجابية مقابل العفن السياسي الذي يحاصرنا.. لكن هناك سيدتين أوجعتا قلبي بشكل مرعب لدرجة عدم القدرة على تجاوزهما او عدم التفكير فيهما للحظة.. اريد ان اعتذر منهما او ان انحني واقبل التراب الذي سارتا عليه او اي شيء.. لا اعرف ماهو.. اي شيء.. السيدة التي فارقت الحياة في حادثة سيارة بعد زيارة ابنها المعتقل.. ابنها الذي فقد عائلة كاملة بعد ان ودعها من خلف الزجاج.. سيخرج ويجدها مجرد اكوام من تراب بارد.. لا اقوى على تخيل وقفتها الأخيرة التي وصفتها المحامية في الطابور لرؤية ابنها وهي تقول للمحامية التي سبقتها لرؤيته "سلمي عليه وقوليلو توحشتو".. نعم هكذا قالت لها وهي تنتظر لرؤيته! رؤيته للمرة الاخيرة!
وطبعا ام الطالب بن عليه التي وقفت اليوم أمام قصر العدالة ببسكرة وهي تحمل العلم الجزائري وبرنوسا لتضعه على أكتاف ابنها البطل الصغير الذي يخوض منذ قرابة عشرة أيام اضراب عن الطعام، وعادت خائبة بما تحمل، لأن القاضي حكم عليك ب 18 شهرا! ومع هذا كانت لها الشجاعة لعمل فيديو، تقول فيه للجزائريين استمروا في معركتكم "كل الرجال يضحون من اجل الوطن"!!
الصورة من مسيرة 4 أكتوبر 2019
 

 

شوهد المقال 317 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فيصل الأحمر ـ الحراك و"المابعدية" (أو حديقة الحيوانات الأيديولوجية )

 د. فيصل الأحمر    فجأة ظهرت فصائل كثيرة ناتجة عن الحراك المبارك في الجزائر وكلها تتبنى السابقة المغرية "ما بعد":*مابعد الثوري: وهو مثقف كهل ركب الحراك ثائرا
image

نوري دريس ـ حينما ترى أعين حشماوي أيدي المخابرات الخفية, وتعمى عن رؤية ألاف الشباب في الشوارع

د. نوري دريس  في حوار مع مجلة la Croix, يدافع عالم السياسة الجزائري محمد حشماوي عن اطروحة مفادها ان الاجهزة الامنية( المخابرات) هي
image

وليد عبد الحي ـ العالم الى اين؟ الحاجة للدراسات المستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي  لأن المستقبل يأتي قبل اوانه بفعل تسارع ايقاع التغير ، فان رصد وقياس حركة ومكونات الظواهر وبمنهجية كلانية(Holistic) اضحى احد مسلمات
image

السعدي ناصر الدين ـ الأربعة الذين تحكموا في مصير الجزائر قبل 1988

السعدي ناصر الدين    هــؤلاء الاربعــة كانــوا يتحكمــون في مصيــر الجزائــر قبــل احــداث اكتــوبر 1988.. الشاذلــي بن جديــد قــائد مسيــرة ضيــاع انهــاها بالسقــوط والبكــاء على
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ..الخوف المرضي .. Macbeth و Shakespeare

د. عبد الجليل بن سليم  بالنبسة ليا مسرحية Macbeth ليست العمل المدهش لشكسبير لكن هي مسرحية على حسب فهمي من الاعمال العظيمة التي
image

مرزاق سعيدي ـ عاشق الأرض.. والنرجس

 مرزاق سعيدي    عاشق الأرض.. والنرجس*!أشعُر بالخوف على الطبيعة كُلّما صادفت في قلب العاصمة الجزائر أشخاصا يبيعون النرجس البري بأثمان ملتهبة، وخوفي لا علاقة له بالسعر
image

رضوان بوجمعة ـ القضاء المعطل.. الشعب المناضل والعدل المؤجل!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 162  هذه هي الثلاثية التي تصل إليها وأنت تحاول تلخيص أكثر من 15ساعة من جلسة محاكمة فضيل بومالة، أمس، بقاعة الجلسات
image

يوسف بوشريم ـ فضيل بومالة ضحية الأمية الإلكترونية

 يوسف بوشريم  من خلال وقائع محاكمة المفكر والمثقف الحر فضيل بومالة والتهم الموجهة إليه و(مصدر الأدلة) الموجودة في الملف أكتشفت أن المتهم الحقيقي من
image

العربي فرحاتي ـ الحراك..وانبعاث الاستئصال إلى الواجهة ...

 د. العربي فرحاتي  لم أقتنع لحظة واحدة ما روجه ويروجه ورثة الكاشير من النوفمبريين الباديسيين من أن الفكر الاستئصالي الدياراسي يكون قد فارق السلطة الحاكمة
image

نجيب بلحيمر ـ أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

نجيب بلحيمر   ساعة علقت على حائط قاعة الجلسات الثانية بمحكمة الدار البيضاء كانت تشير إلى الساعة 12 و 17 دقيقة.. التوقيت الصحيح كان التاسعة إلا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats