الرئيسية | مجتمع الوطن | أمين وناس ـ المدرسة الجزائرية .. مرآتنا المشوهة

أمين وناس ـ المدرسة الجزائرية .. مرآتنا المشوهة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

أمين وناس *
 
إن الفيديو الذي انتشر بخصوص التلاميذ الذين اعتدوا فيه على مراقبة او استاذة بالاكمالية، لم يكن صادما لي البتة، رغم ان الصورة دائما تكون مفزعة، لانها ترينها بعضا من وجوهنا المشوهة و حقيقتنا العارية.
المدرسة، التربية و التعليم، الملف المسكوت عنه بقوة المحفل العالمي، من يبحث في موضوع عالم البيداغوجيا و علم النفس التربوي و المدرسة خصيصا يعرف حيثياته بأن امتداداته عالمية و ليست وليدة الظرف المحلي فقط، المدرسة الجزائرية لم تكن بمنآى عما يحدث عالميا، هنالك حركة و تيار عالمي لضرب المنظومة القيمية للمجتمعات وفق تصورات مسبقة للمحفل العالمي تحت ما نسميه العولمة الاستلابية، و هي عمليات اختطاف جماعية عابرة للقارات للمجتمعات على مستويات متعددة، ثقافيا و اجتماعيا و بالخصوص قيميا، قد يقول البعض أن هذه الظواهر التي منها العنف تنتشر فقط في مدارسنا و بين تلاميذنا، طبعا فاختلاف البيئة و الوضع يختلف من جغرافيا مجتمعية الى اخرى، المجتمع الجزائري مر بمراحل متعددة و كل منها كانت له خصائص، الجيل الثورة الذي لم يكن متعلما و اغلب سلوكياته و خلفياته كانت آتية من قسمين قسم لم يدخل المدرسة الكولونيالية و اغلبه من سكان الارياف و آخر دخل المدرسة و كان شبه محصور على المدن و سنجده كولونيالي الثقافة و التركيب النفسي، ثم لحق به جيل ما بعد الاستقلال جيل السبعينات و الثمانينات الذي كان اكثر انضباطا و رغبة في التقدم، نتيجة الحالة الثورية المنتهجة من طرف السلطة السياسية و الجميع يعلم انه تمت تسميته العصر الذهبي الذي احرز تقدميا في مجالات عديدة، منها الرياضية و اخرى فنية و حتى علمية و تقنية، لكن عند وصول جيل التسعينات تعرض لأول محرقة نفسية و اختطاف ذهني و بدأت المدرسة تدخل فيه مرحلة التفريخ القيمي، بعزل الاسرة عن المدرسة، للانفراد بالتركيب و الصياغة الذهنية لاحقا، أما بداية الالفية انطلق المشروع، بأول خطوة و الاكثر جرأة في تاريخ الدولة الجزائرية و هي ما يعرف بلجنة اصلاحات بن زاغو، حين تمت اعادة صناعة وجه جديد للمدرسة الجزائرية وفق مقاييس و تصورات خارج الحدود، أي أن القرار لم يكن محليا، المختصون يسمونه بداية عصر السوفت باور و التدجين أي القوة الناعمة، حينها تمت عملية اعادة صياغة كلية للذهنية الجزائرية بالتوازي مع مشاريع مجتمعية اخرى مست الاسرة و الاقتصاد و الثقافة و كل الميادين الاخرى، العارفون يدركون حجم العمل الذي قام به نظام بوتفليقة في هذا الصدد، تعرض خلاله العمق الاستراتيجي للشعب الجزائري لاعادة تصميم ممنهج، عبر المدرسة خاصة، التي لم تعد قادرة على انتاج القيم بل تدميرها، و كسر كل الطاقات الابداعية، لاحظوا مثلا اليوم كيف تم تغييب ما كان يسمى بالرياضة المدرسية، المناظرات العلمية، مسابقة ما بين الثانويات، الغاء كل الفضاءات الفنية و الابداعية للطفل و الحد من الفضاء التعبيري و التواصلي للطفل، و تم التركيز بشكل مبالغ حول المناهج التربوية المحشوة بمفاهيم جديدة كلية تحت ذريعة "العالمية" و كبح تام لعملية انتاج الفرد القادر على تحريك الذهن و تدوير المفاهيم و تفعيلها و اصبح الفرد الجزائري متلقيا و مدجنا داخل حيز ضيق جدا لقدراته. 
اذن من طبيعي جدا الذي نشاهده اليوم من مشاهد لا تمثل الانسان الجزائري الذي تعودنا عليه، فوعي الجزائري الشاب اليوم تمت هندسته بطريقة مرغوبة و لم يكن عبثيا، التلميذ اليوم وعيه متلقى من الانستغرام و الفايسبوك و الالعاب الالكترونية و اليوتيوب و المدرسة نفسها التي انتجت له نفس الاستاذ الذي يدرسه، تذكروا اننا كل سنة نشهد اكبر عملية غش جماعي في امتحانات آخر السنة و بمشاركة الاولياء في الكثير من الاحيان، تخيلوا ان الجيل الذي نجح بالغش و قد ضربت قيمة الصدق و النزاهة فيه منذ الصغر كيف سيكون حاله عند بلوغه العشرينات و الثلاثينات، بل الاكثر من ذلك شهدنا جميعا عمليات الغش الممنهج في مسابقات التوظيف الاكبر التي شهدها قطاع بن غبريط خلال السنوات الاخيرة التي مضت و عملية افراغ للمدرسة الجزائرية من الاستاذ القديم و هنا لم يكن الامر اقتصاديا بقدر ما هي عملية مسح لقيمة الاستاذ الذي تخرج من مدرسة الثمانينات و الحجة كانت بعملية التقاعد المسبق بعد توفير البيئة اللازمة من انهاك و استنزاف ممنهج للاستاذ المحسوب على جيل الاستقلال. 
طبيعي جدا ان العنف اليوم اصبح وسيلة للتواصل و التعبير، لان كل جسور التواصل غابت في المجتمع و لم تعد لنا القدرة على ايصال فكرة ما، انه العجز القيمي، فاصبح الجسد هو المخاطب و لم يعد العقل او الذهن، هاذين الاخيرين مصابان الآن بحالة شلل، و الحقيقة ان العمل على استرجاعهما يتطلب عقودا و عملا مخبريا جبارا لاعادة مفهوم مشروع المجتمع الجزائري، كيف نريد أن نكون مستقبلا و لماذا.. و هي اسئلة جوهرية يجب ان تطرح على مستوى نخبوي عالي.

 

 


*مختص بيداغوجي

 

شوهد المقال 105 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ جمعة الوحدة الوطنية ضد المغامرين من مستشاري الريع و العنصرية.

د.رضوان بوجمعة   عشت مسيرة اليوم في الجزائر العاصمة، و لم اعش في حياتي ما عشته من صور الاخوة و التضامن بين الجزائريين والجزائريات، من ساحة
image

فتيحة بوروينة ـالتلغيم الهوياتي ومشاكل القايد صالح !!

 فتيحة بوروينة  مقالي الممنوع من النشر غدا بيومية #الحياة .. الرقيب قرّر ذلك !! التلغيم الهوياتي ومشاكل #القايد!! الحوار الذي يدعو إليه مجددا
image

نوري دريس ـ الأيام الأخيرة لنظام الفساد

د.نوري دريس النظام قي مأزق، و الضغط يزداد عليه. اللغة العشوائية التي بات يخاطب بها الجزائريين، تعكس تخبطه وافتقاده لاية خطة لانقاذ نفسه و
image

سعيد لوصيف ـ الموقف : أقولها و امشي...

د.سعيد لوصيف   سأحاول في هدوء فكري وسياسي – ولو إنني منزعج كثيرا وغاضب أشد الغضب – على تصريح قائد الأركان اليوم والذي يقول
image

عثمان لحياني ـ في المنع والرايات

 عثمان لحياني  تصريح قائد الجيش بشأن منع الرايات غير مناسب زمانا من حيث أن العقل الجمعي يوجه في الوقت الحالي كل المجهود بحثا عن حل
image

لعربي فرحاتي ـ الحراك ..وفزاعة الرايات ..

د.لعربي فرحاتي  مشروع الحراك الشعبي السلمي هو مشروع للحرية والديمقراطية والتنوع وإثراء الهوية الوطنية ..وما رفع فيه من شعارات ترجم إلى حد بعيد هذا
image

فضيل بوماله ـ إنا لله و إنا إليه راجعون وفاة د. محمد مرسي جريمة سياسية وأخلاقية

  فضيل بوماله  منذ شهور طويلة وعائلة الرئيس المصري الراحل د.محمد مرسي تشتكي من وضعه العام بالسجن عامة ومن حالته الصحية المتردية خاصة. ومذ سجن ظلما
image

وليد عبد الحي ـ بموته أطالوا عمره

 أ.د. وليد عبد الحي  أيا كانت الرواية الأصدق لوفاة الرئيس المصري محمد مرسي ماديا عام 2019 ، فإن وفاته المعنوية عام 2013
image

نجيب بلحيمر ـ هل من قارئ لكتاب الثورة ؟

نجيب بلحيمر   بسرعة تبخر الأثر السياسي المرجو من الإسراف في حبس كبار المسؤولين وجاء الرد حاسما عبر مظاهرات الجمعة السابعة عشرة من الثورة السلمية
image

فيصل بوسايدة ـ أي سيناريو يخبئه لنا الجيش الجزائري ؟

 د.فيصل بوسايدة    من الواضح جدا أن الحراك أو الشعب لا يدري تماما الخطوات التي يمكن أن يتخذها الجيش/المنجل، كما أنه لا يدرك الهدف من كل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats