الرئيسية | مجتمع الوطن | حميد بوحبيب ـ إلى أمي و مثيلاتها ... إلى رحم الحياة والنبل والجمال

حميد بوحبيب ـ إلى أمي و مثيلاتها ... إلى رحم الحياة والنبل والجمال

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د.حميد بوحبيب
 

 

 

في الذاكرة دوما صورة حية لامرأة قادمة من أدغال الزمن
لم تعرف نشوة العطور الباريسية ولا مستحضرات التجميل الراقية ...
فستان واحد للصيف وآخر للشتاء ...تلبس نعالا مطاطية و تخوض في أوحال الحقول ، تتسلق أشجار الزيتون و تلتقط الحبات بعناية ...
تنحني على سنابل القمح و تحصدها برفق وحبات العرق تلثم شفتيها اليابستين من فرط الظمأ...ثم تقف لحظة لتسوي رباط طفلها الرضيع على ظهرها ...تنفث آهة ، ثم لا تلبث أن تشرد بالغناء ...هي دندنة للريح و آلهة العدم ...
وحين يأتي موعد الغداء ، تنتظر حتى يقوم الرجال لتأكل مما تبقى في الصحن ، حبات زيتون وورغيف مطلوع أو ما تيسر من عشاء البارحة ...ثم تحمل قربتها و تخطو في خفر إلى عين الماء لتعود عبر الدروب الوعرة وقد لفحتها شمس القيلولة واحمرت بشرتها مثل ثمرة القطلب...
ويمضي النهار ...ويأتي الليل لتخلد إلى الراحة في مخدعها ولكنها لا تنام إلا بعد أن تطمئن على الأولاد والعجوز والشيخ والبهائم...
علمتها الدنيا أن تبدع بأناملها كل ما تحتاجه ، فهي تنسج البرانيس والزرابي، وتصنع أواني الفخار ، وتزخرف جدران البيت، وتغزل الصوف و تخيط الملابس ...
هي لا تعرف من الأيام سوى دورتها الشهرية ، ودورة الفصول وطقوس يناير واستقبال الربيع .
هي لا تمرض ولا تتأوه ولا تتعب ولا تشيخ ...ولكن حين أمرض أنا تسودّ الدنيا في عينيها وترفع يديها الى السماء و تقرأ صلاة وثنية...
كبرت وغزا الشيب رأسي ، ومازلت صبيا في عينيها ...تنظر إلي بشوق كل يوم ، تقبلني كأنها تودعني إلى الأبد ، هي الوحيدة التي تعرف حالي واخوالي دون أن أبوح لها بشيء ...يكفي أن تنظر في عينيٓ لتقول : مابك يا ولدي ؟
تبدو حزينا ...!
وحين أكذب عليها ، تبتسم وتشير إلى بطنها قائلة...حميد ...كنت هنا يوما ، فلا تستغبيني ..!
هي لا ترغب في شيء ...لهنى ...لهنى ...ذايا .
وفي أيام الاضطراب مثل ايام الحراك هذه ، لا تفتر عن الدعاء والوصايا ...اطهللى في روحك ...بالصح كن راجل .. (اطهلى ذڨ ايمانيگ ، ثيليظ ذارڨاز ...).
تلك أمي ...أو أي امرأة من نساء الريف ...تلك الأنثى البدئية إلهة الخصوبة والجمال ...
فليكن خلاص هذه البلاد على أيديكن .
فلتكن كل ايامك عيدا يا أمي.

 

شوهد المقال 1088 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الخالق كيطان ـ ثلاث قصائد

عبد الخالق كيطان            ١. حقول الغريب إلى حد قريب كنت أنا صاحب الحقل والدجاجات  ولكن الغيث غاب وغابت الغيوم الصغيرة التي كانت تبكي على
image

خديجة الجمعة ـ رشة عطر

خديجة الجمعة    وأنا في طريقي للذهاب إلى مكان ما. تجذبني تلك الرائحة الزاكية . فأرى نفسي هناك بعيدا بعيدا. تحملني مخيلتي لمحل العطور،لتذوب معها كل المعاني
image

نجيب بلحيمر ـ القطار انطلق ولا مكان للنظام فيه

نجيب بلحيمر  القطار انطلق ولن يتوقف.. تتردد هذه العبارة كثيرا على لسان عبد المجيد تبون، اليوم أيضا رددها في لقائه مع الولاة. لاشك في أن
image

سعيد لوصيف ـ للتذكير وفي عجالة : التغنانت ومنحنى التوزيع غير الاعتدالي لتوهمات استمرار النظام..

د. سعيد لوصيف   التغنانت في توهم إمكانية استمرارية النظام عن طريق إعادة إنتاج أجهزته السياسية هي تمثلات شوفينية لعقل تآكلت خلاياه وأصيب بشلل التفكير وفقدان
image

حسين السماهيجي ـ الجانح

د. حسين السماهيجي             إلى أناي الأخرى ... تقتاتُ من أرقٍ يجترّ أخيلةً وتفلتُ القمرَ المجدولَ بالغسقِ صُلِبتَ فوق جدارِ الوهمِ وانكسَرَتْ زجاجةُ النَّصِّ لكنْ أنتَ
image

عبد الجليل بن سليم ـ هجرة الشباب : حل ،اختيار ، قرار

 د. عبد الجليل بن سليم  قبل مدة ركب الكثير من الشباب القوارب و توجهوا إلى الضفة الاخرى للمتوسط ، هذا السلوك هل هو حل أم
image

رشيد زياني شريف ـ التحريض مثل السياسة، ليس جريمة، بل فرض لأنقاد البلاد من منظومة الإفساد

د. رشيد زياني شريف   كلنا يتذكر قبل حراك 22 فبراير 2019، وطيلة احتجاجات المواطنين على مر سنوات عديدة، تنديدا بالظلم وسوء الظروف المعيشية والحقرة، والمطالبة
image

محمد هناد ـ علاقات الجزائر بهذا الكيان " الإمارات " تحتاج لإعادة نظر جادة

د. محمد هناد  نظرا إلى المنحى الذي اتخذته سياسة دولة الإمارات الاجتياحية منذ سنوات، أصبحت علاقات الجزائر بهذا البلد في حاجة إلى إعادة نظر
image

جباب محمد نور الدين ـ عصام العريان والإسلام المأمول

د.جباب محمد نور الدين   الجنرالات لما يستولون على السلطة يحولون الوطن إلى اكبر ثكنة، لكن جنرالات العالم العربي حولوا هذا "
image

حميد بوحبيب ـ لا لتكميم الأفواه لا لإسكات الأصوات الحرة الحرية لخالد درارني

 د . حميد بوحبيب  خالد درارني، من ذلك النوع من البشر، إذا لقيتهم مرة واحدة في حياتك، سيبقى مطبوعا في ذاكرتك ووجدانك إلى الأبد.المرة الأولى التي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats