الرئيسية | مجتمع الوطن | ناهد زيان ـ جوازة على ما تُفْرَج !!!

ناهد زيان ـ جوازة على ما تُفْرَج !!!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


د. ناهد زيان

 

يبدو العنوان صادما حتى لي أنا نفسي غير أن الواقع لا ينفك يصدمنا بما لم نكن نتوقعه ولا يخطر لنا على بال وكأننا في سباق للدهشة كلما صدمتنا أفاعيل البشر وتصرفاتهم نفاجئ بما هو أكثر غرابة وأسفا.

منذ أن خلق الله الأرض وجعل آدم وحواء رفيقين عليهما إعمارها ومصاحبة كل منهما الآخر بمودة ورحمة؛ والزواج هو شرع الله لبناء علاقة ملؤها المحبة والتفاهم والأهم الإخلاص في الصحبة مهما كانت العقبات والظروف. فالزوجان معا في رحلة الحياة كتفا بكتف في الصحة والمرض والغنى والفقر في كل حال معا تلك هي القاعدة الأهم التي يبنى عليها الزواج الذي يفترض أنه في الأساس تم بناء على تفاهم وود ورغبة من كل طرف في الآخر الذي اختاره طائعا راضيا ليكمل معه مشوار حياته ورحلتها. 

هذا ما يفترض وجوده نظريا في العلاقة الزوجية بين اثنين غير أن الواقع يحمل تفاصيل أخرى ورؤية مختلفة. أخبرني صديق لي ذات مرة أنه حاول استطلاع رأي أصدقائه في مسألة الزواج الثاني فأجابوه بإجماع أنه إذا توافرت لهم الإمكانات المادية سيتزوجون بثانية وثالثة إن استطاعوا وأن الأمر مكفول فقط بالمقدرة وكأن الزواج تحول لمحض اقتناء للنساء كما تقتنى الملابس والأثاث وعلى خجل ممزوج بأسف أقول والأحذية!!!.    

أؤمن أن الحياة كصندوق الدنيا هي أكبر مدرسة على الإطلاق لا تنفك تعلمك مرة بالصدمة وأخرى بالدهشة وهكذا، فقط كل ما عليك هو أن تنتبه وتفتح عينيك. ففي مشوار حياتي قابلت نماذج مختلفة لأشخاص اتخذوا خطوة الزواج على عجل ودون ترو وبمقاييس مادية بحتة حتى إذا ما تغيرت أحوالهم وأحسوا تفوقا– من وجهة نظرهم – على الطرف الآخر أو تغيرت تطلعاتهم عمدوا إلى الغدر بهذا الشريك بطرق مختلفة غير أنها جميعا تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي هدم أسرة وطعن إنسان في كرامته وهدر إحساسه بالأمان والطمأنينة.

كان لي زميل دراسة عرفته في مرحلة الماجستير فكانت تجمعنا قاعات البحث والقراءة توثقت علاقتنا فكان لي بمثابة أخ وصديق نتبادل أطراف الحديث حينا وتصوراتنا للمستقبل أحيانا على عجالة أو حين انصراف عن البحث لأسباب عديدة، ثم وفي أثناء إعداده لنيل درجة الدكتوراه أخبرني أنه اضطر للزواج على عجل وتلبية لرغبة أسرته فلم يدقق في مقاييس اختياره لشريكة حياته، ولذلك فإنه يعتزم الزواج بأخرى فور إتمام دراسته لتكون له زوجة كفء له في الثقافة والمستوى العلمي والاجتماعي يقابل بها المجتمع وتبقى الأخرى فقط أما لأبنائه، ثم زاد فقال أنه يعتزم اختيار الثانية ذات عمل ودخل ثابت بحيث تساعده من أن يفتح بيتين حسب تعبيره. وحين أبديت صدمة حقيقية لهذا الرأي حاول تبسيط وجهة نظره لكنه لم يفلح فأنهى الكلام بعصبية قائلا: "أنه لا يفعل حراما، فالدين يبيح له الزواج بأربع، كما وأنه يفعل خيرا لأنه يُعِفُ إحداهن"!!! وكم من الجرم يرتكب باسم الدين!!.

على كل كان هذا الموقف كفيلا دون شك في أن أبتعد عن هكذا إنسان ينتوي الغدر ذات يوم بشريكة حياته ورغم هذا يستمر معها دون أي إحساس بالأسف أو تأنيب ضمير، ولما يفعل وهو يعتقد أن الزواج محض توفير مسكن وملبس وغذاء.!! كفيلة هي الحياة أيضا بغربلة مواقفنا من البشر ومن معتقداتنا المثالية البريئة.  

يعادل هذا النموذج نموذجا آخر لشاب أعرفه معرفة وثيقة كان يبحث عن زوجة بوظيفة وراتب حكومي ثابت مُدعيا أن الحياة صعبة ولابد له ممن يساعده على تحمل صعوبتها ويشارك معه، تلك كانت معضلته الكبرى فكان له ما أراد وتزوج بمن توفر فيها شرطه الأساسي فلم يهتم بمعرفة شيء عنها ولا أن يتعرف عليها في فترة الخطبة التي قضياها سويا يرتدي كل منهما قناعا مزيفا للآخر. وبعد سنوات من الزواج وفق صاحبنا هذا في العمل بالجامعة عضوا بهيئة التدريس بإحدى الكليات النظرية فبدأت هنا تظهر عليه تطلعات أخرى في شريك الحياة من حيث الشكل في المقام الأول ثم من حيث أمور أخرى أهمها أنه بات يستكثر نفسه على تلك الزوجة الأولى صاحبة الراتب الحكومي وذات الوظيفة، والتي بالتالي بدأ يكتشف نقائصها وعيوبها ويجاهر بها مع استمراره في الحصول على راتبها كاملا وبرضاها وهي متصورة أنها بذلك تشتري وفاءه وإخلاصه لها.

تشترك المادة في كل القصص المؤسفة عن الزواج المُعَلَّب والأزواج الذين لا يكتفون بشريكهم ويتطلعون لسواه متصورين أن السعادة في شريك جديد.

حكت لي صديقة يوما عن قريبة لها تتأفف دائما من إمكانات زوجها المحدودة، ذلك الزوج الذي اختارته متعجلة الزواج والارتباط لتكون كباقي زميلاها وبنات عائلتها مرتبطة تتباهى بصور خطبتها وزفافها، وظلت راضية حتى تزوجت أختها الصغرى فبدأت تقارن نفسها بأختها وزوجها من حيث: الإمكانيات، والطموح، والمستوى المادي، وزاد من صعوبة الحياة أن أمها هي الأخرى باتت تتأفف منه وتقارن بينه وبين زوج أبنتها الأخرى بل وزادت فشجعت ابنتها على طلب الطلاق قائلة لها المقولة الكلاسيكية المعتادة في موقف كهذا: "اتركيه هو وعياله وسأزوجك بسيد سيده"!!. تلك هي الدُبَة التي قتلت أبنائها حتما لا محالة.

أستطيع أن أجزم من خلال مشاهداتي القريبة، وقراءاتي المتواضعة، ودراستي لأحوال الطفولة والمشردين في مصر وحتى منتصف القرن الماضي بما ينسحب بموضوعية وصدق على أحوال المجتمع الآن أنه وراء كل أسرة مفككة، وعلاقة زوجية فاشلة، وحالات الطلاق التي وصلت لمعدلات مخيفة ومؤسفة في الوقت ذاته، وما ينتج عنها من أطفال مشوهين نفسيا ومشردين اجتماعيا، وراء كل ذلك طرف لم يكتف بشريكه ولم يقنع به وبالغ في تطلعاته وتصوراته عن حياة أخرى يستطيع أن يستبدل بها حياته الحالية التي أسسها على اختيارات واهية ومقاييس معيبة وسطحية.     

 

شوهد المقال 161 مرة

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

د.عادل هلال في 01:07 06.12.2018
avatar
مقال رائع من كاتبة تكتب من وسط الحدث وتعبر بصدق عن المتغيرات المعاصرة للعلاقات الإجتماعية فى مصر كأحد أسباب الإرتفاع الجنونى لنسبة الطلاق وأطفال الشوارع فى مصر.
نادية السيد في 05:32 06.12.2018
avatar
اتفق معك ولكن هل الطموح والتطلع إلى المادة يستحق هدم أسرة التفكك الأسرى يعود إلى طرف يتصف بالطمع والأنانية وسوء وسوء الخلق فالمسلم اذا أحب زوجته أكرمنا واذا كرهها لم يهنهاوزواج الرجل على زوجته في ظل الظروف الاقتصادية يعتبر إهانة لانها إما أن تكمل معه لأجل الأولاد واما ان تضحىلأجل ابنائها وتتحمل هى المسؤلية وحدها أو تبحث عن السعادة والوفاء مع آخر وفي الأحوال الثلاثة الأولاد هم الضحية والسبب زوج من الدين الا مثنى وثلاث ورباع ونسى أن الله العالم بالط

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بادية شكاط ـ صراع السياسة والأخلاق،في دوائر النظام الدولي

 بادية شكاط                                                                                                                                                                 يقول الشاعر الإنجليزي"بيرسي شيلي" :"إنّ أكبر جرم إرتكِب في تاريخ البشرية،هو فصل السياسة عن الأخلاق" فإلى أيّ مدى
image

حوار مع عزالدين عناية : القدرات العربية في علم الأديان ضحلة ـ حاورته باسمة حامد

  حاورته باسمة حامد  في كتابك "العقل الإسلامي: عوائق التحرر وتحديات الانبعاث" نبّهت إلى ضرورة فهم عميق للدين في المجتمعات العربية التي يتصارع
image

رائد جبار كاظم ـ الإيمان العجائزي والتدين الجنائزي

  د. رائد جبار كاظم  لا أعرف ما هي القيمة المعرفية والروحية والفكرية والدينية الايجابية التي تحققها مقولة ( اللهم ايمان كإيمان العجائز)،
image

محمد محمد علي جنيدي ـ روحُ والدي

محمد محمد علي جنيدي – مصر         يا حناناً غاب عن قلبي طويلا يا غراماً عاش في الوجدانِ جيلا لم تزل نوراً لروحي لم تزل قلباً
image

محمد محمد علي جنيدي ـ لا أنساكا

محمد محمد علي جنيدي - مصر           قُلْ لِـي شَيْئـاً غَيْـرَ هَوَاكَـا فَــأنَــا أبَــــداً لا أنْـسَـاكَــا تِلْـكَ عُيُـونُ الْبَـدْرِ بِعَيْنِـي أحْسَبُهَـا مِـنْ نُـورِ بَهَـاكَـا ثُــــمَّ إذا تَــدْنُــو
image

عادل السرحان ـ حين يحلّقُ قلبي بعيدا

عادل السرحان               في هذه الساعة قلبي يحلق بعيدا بين السماء والأرض ومعزوفة الحزن تتعالىتُحيطُ به عيونٌ وآذانٌ أغار  منهاورداء الوحدةيخلع كل شيءويرتديني كل ماحولي مثل قطعة ثلجٍحتى أطرافي وحيدا  أتململُوتعصف بي الريحمثل
image

مادونا عسكر ـ استبطان الذّات الرّائية في قصيدة "الدّاخل أرحب" للشّاعر يوسف الهمامي

  مادونا عسكرـ لبنان  - النّصّ: الدّاخل أرحـب سقطتُّ في السّماء كنت أعرجُ في أرض بلا
image

إيناس ثابت ـ روافدُ القلب

    إيناس ثابت - اليمن              وشاحُ حريرٍ غَزَلَتْه "پينولوب" من وحيِ حكايتك بفيضٍ من
image

محمد مصطفى حابس ـ المرحوم عبد الغاني بلهادي: نعم الرجال الذين يهبون عند الفزع و يفسحون الطريق لغيرهم عند الطمع.

محمد مصطفى حابس إنَّ مرحلة الشَّباب هي الفترة الذَّهبيَّة من عمر الإنسان، وهي الَّتي ترسم ملامح مستقبل المرء وتحدِّده، لذلك حرص الإسلام كلَّ الحرص على التربية
image

خالد صبر سالم ـ ـغنيّةُ الألـَق

  خالد صبر سالم                                          النهرُ يفيضُ وجوهَ حَبيباتٍ تـَتـَألقُ   في خاطرة القنديلِ   

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats