الرئيسية | مجتمع الوطن | مصطفى محمد حابس ـ سجال متجدد فمتى يتبدد ؟! "ليس المولد هو البدعة.. بل البدعة أن لا تعرف معنى البدعة"

مصطفى محمد حابس ـ سجال متجدد فمتى يتبدد ؟! "ليس المولد هو البدعة.. بل البدعة أن لا تعرف معنى البدعة"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

مصطفى محمد حابس

رغم أنه كُتب عن المولد خلال هذا الأسبوع العشرات من المقالات، من أهل الشرع و الاختصاص أخرهم الأسبوع الماضي أستاذنا الدكتور عبد الرزاق، رئيس جمعية العلماء، في افتتاحية البصائر، بعنوان "فتنة بِدعيّة الاحتفال بالمولد النبوي" و كتب أستاذنا الدكتور عمار طالبي في مقاله الأسبوعي، العميد الأسبق للجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية،  بعنوان "هل الاحتفال بالمولد النبوي والسيرة المحمدية بدعة؟"، و قد كتب العبد لله في ذات الموضوع مقاله الأسبوعي" هذا ما قاله الشيخان في إحياء المولد النبوي الشريف"، كما نشر لي العام الماضي مقالا مطولا في نفس السياق لما صادف عيد المولد النبوي بميلاد المسيح عليه السلام، بعنوان "هدي العباد في مسألة الاحتفال بالمولد و الميلاد."

رغم ذلك مازالت بعض الأصوات من بعض المنابر، تغرّد خارج السّرب - خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي-، بآراء وفتاوي - رغم احترامنا لأصحابها، وإيماننا بحقّها في الإختلاف معنا - قد أكل عليها الدّهر وشرب، فأئمة مساجدنا هؤلاء لم يفهموا أنّ الفتوى قابلة للتجدّد و التمدد و التبدد، عبر المكان، وعبر الزمان!! ولم يستوْعبوا أنّ مجال المعاملات يختلف في فقهه عنْ مجال العقائد والعبادات، ففقه العبادات والعقائد تحكمه نصوص الكتاب الثّابتة في دلالتها، ونصوص السنّة الثّابتة في ورودها ودلالتها، بينما فقه المعاملات تحكمه النّصوص الثّابتة، ومقاصد الشّرع والمصلحة العامّة المعتبرة بكل أبعادها، فحين يردّد هؤلاء الأئمّة فتاوى صادرة في عهود ماضيّة، تحرّم الإحتفال بالمولد النّبوي الشّريف وتعتبره بدعة ضالّة، لا لشيء إلاّ لأنّ تلك الإحتفالات قد تجاوزت حدّها، وذلك بحكم ما عليه الأمّة في تلك العصور من أميّة طاغية، وجهل بدينها، فصارت حينذاك تمارس طقوسا تعبديّة جاهلة، وتقدّس أشخاصا تعبّدا، أمّا اليوم فالاحتفال بالمولد النّبوي هو دون ذلك في الفهم والممارسة، عند الخاصّة والعامّة، فهو فرصة من الفرص النّادرة لتذكير شبابنا بخصال الرّسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه الفاضلة، ودعوتهم لحبّه صلى الله عليه وسلم إذْ حبّه صلى الله عليه وسلم بعد حبّ الله، وقبل حبّ الإباء والأولاد من تمام الإيمان وكمالاته العاليّة، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز:{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ} [سورة الذاريات: 55]، وقد قال صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبَّ اليه من والده وولده والنّاس أجمعين."

وهذا الحبّ الصادر عن عاطفة جيّاشة من أصحابه صلى الله عليه وسلم تجاهه هو الذي دفعهم لافتدائه صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، حين سقط النبيّ صلى الله عليه وسلم وأدمي وجهه الكريم، وكسرت رباعيّته، فقد قام أبو دجانة الأنصاري ضخْم الجسم، متترّسا بنفسه دون الرّسول صلى الله عليه وسلم حماية له من سهام قريش ونبالها القاتلة، قال ابن إسحَاقَ: وتَرَّسَ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه، يقع النّبلُ في ظَهرِهِ، وَهُوَ منحَن عَلَيهِ، حَتَّى كثر فِيهِ النّبل. وَرَمَى سَعدُ بن أَبي وقاص دونَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وقد قامت أمّ عمارة الأنصاريّة نسيبة بنت كعب يومها تذود هي أيضا عنْ رسول صلى الله عليه وسلم بسيفها صائحة في عُمَارَةَ وبقيَّة أبنائها أن ذبّوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدوه بدمائكم الزكيّة الطّاهرة، وهذا مصعب ابن عمير فتى قريش المدلّل، قد آثر حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  على حبّ الدُّنيا الفانيّة، فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم فافتداه بروحه الغاليّة، في غزوة أحد، بعد أن قاتل دون رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالا مستميتا، ولم يولّ الدّبر، فما أحوجنا لهذه الذّكرى المتجدّدة لتدارس سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم، والتّذكير بأخلاقه الحسنة، حتّى يقتدي بها شبابنا، وينسجوا على منوالها، ويقتدوا بأصحابه أئمة التّقى ومصابيح الهدى، وينجزوا من الأعمال ما ينهض بأمّتنا، فهو قائدنا صلى الله عليه وسلم و قدوتنا.

وفي الهجرة نذكِّر الناس بهذا الحدث العظيم وبما يُستفاد به من دروس، لنربط الناس بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} لنضحي كما ضحى الصحابة، كما ضحى عليّ حينما وضع نفسه موضع النبي صلى الله عليه وسلم، كما ضحت أسماء وهي تصعد إلى جبل ثور، هذا الجبل الشاق كل يوم. لنخطط كما خطط النبي للهجرة، لنتوكل على الله كما توكل على الله حينما قال له أبو بكر: "والله يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال: "يا أبا بكر ما ظنك في اثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا."

فيا قومنا، نحن في حاجة إلى مثل هذه الدروس، فهذا النوع من الاحتفال تذكير الناس بهذه المعاني، أعتقد أن وراءه ثمرة إيجابية هي ربط المسلمين بالإسلام وربطهم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليأخذوا منه الأسوة والقدوة، أما الأشياء التي تخرج عن هذا، فليست من الاحتفال؛ ولا نقر أحدًا عليها، كما يقول سادتنا العلماء.

 

لكن هناك لون من الاحتفال يمكن أن نقره ونعتبره نافعا للمسلمين، ونحن نعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يحتفلون بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بالهجرة النبوية ولا بغزوة بدر، لماذا؟  لأن هذه الأشياء عاشوها بالفعل، وكانوا يحيون مع الرسول صلى الله عليه وسلم، كان الرسول صلى الله عليه وسلم حيا في ضمائرهم، لم يغب عن وعيهم، كان سعد بن أبي وقاص يقول: كنا نروي أبناءنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نحفِّظهم السورة من القرآن، بأن يحكوا للأولاد ماذا حدث في غزوة بدر وفي غزوة أحد، وفي غزوة الخندق وفي غزوة خيبر، فكانوا يحكون لهم ماذا حدث في حياة الرسول محمد  صلى الله عليه وسلم ، فلم يكونوا إذن في حاجة إلى تذكّر هذه الأشياء.

ثم جاء عصر، نسي الناس هذه الأحداث وأصبحت غائبة عن وعيهم، وغائبة عن عقولهم وضمائرهم، فاحتاج الناس إلى إحياء هذه المعاني التي ماتت والتذكير بهذه المآثر التي نُسيت، صحيح اتُخِذت بعض البدع في هذه الأشياء ولكنني أقول إننا نحتفل بأن نذكر الناس بحقائق السيرة النبوية وحقائق الرسالة المحمدية، فعندما أحتفل بمولد الرسول فأنا أحتفل بمولد الرسالة، فأنا أذكِّر الناس برسالة رسول الله وبسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لا بل ولتصحيح المفاهيم المغلوطة والمسربة من قبل بعض المتطفلين على الإسلام الذين لا يحسنون إلا التحريم دون أي علم بواقع الناس، مسربين بعض الفتاوى الشاذة عن حرمة "الاحتفال" بالمولد النبوي الشريف، وحرمة أي نوع من أنواع  الاحتفال حتى ولو كان تذكيرا بسيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .. مع كل احترام وتقدير، الناس اليوم يخلدون ويحتفلون بكل شيء، بالأعياد الوطنية و أعياد ميلاد الحكام و حتى أعياد ميلاد الحيوان و... ويعتبرونها واجبا وطنيا وأحيانا يصيرونه شرعيا ولما يتعلق الأمر بسيد الوجود، سيد ولد آدم أجمعين يصبح الاحتفال بذكراه بدعة بل من أكبر البدع حتى أصبح الناس لا يعرفون عنه صلى الله عليه وسلم إلا الاسم!!

حرام عليكم يا قومنا، فليس المولد هو البدعة، بل فهمكم الاعوج الأفلج هو البدعة!!

 كما يعجبني في هذا المقام، رد بعض إخواننا على أحدهم بقوله: "

البدعة، أن تتكلم في شرع الله بغير علم..

البدعة أن تحرم شيئا لم يحرمه الله و رسوله..

البدعة أن تتجرأ على العلماء و أنت لا تزال غرا ..

البدعة أن تجعل الفرع أصلا، و الأصل فرعا، و العادة عبادة ..

 البدعة أن تجعل فهمك حاكما على فهم غيرك لا ندا له !!

البدعة أن تظن رأيك هو الصواب الذي لا يحتمل الخطأ، و رأي غيرك هو الخطأ الذي لا يحتمل الصواب !!

البدعة أن لا تقيم للخلاف وزنا، و تجعل من رأيك الحق المطلق!!

البدعة أن تجهل قواعد النحو والصرف ثم تتكلم في أصول الدين وتكفير المسلمين ..

البدعة أن تتقمص دور المجتهد و أنت لا تزال نصف طويلب.. والبدعة الكبرى أن لا تعرف معنى البدعة!!"

والله يقول الحق و هو يهدي السبيل

     

شوهد المقال 68 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بادية شكاط ـ صراع السياسة والأخلاق،في دوائر النظام الدولي

 بادية شكاط                                                                                                                                                                 يقول الشاعر الإنجليزي"بيرسي شيلي" :"إنّ أكبر جرم إرتكِب في تاريخ البشرية،هو فصل السياسة عن الأخلاق" فإلى أيّ مدى
image

حوار مع عزالدين عناية : القدرات العربية في علم الأديان ضحلة ـ حاورته باسمة حامد

  حاورته باسمة حامد  في كتابك "العقل الإسلامي: عوائق التحرر وتحديات الانبعاث" نبّهت إلى ضرورة فهم عميق للدين في المجتمعات العربية التي يتصارع
image

رائد جبار كاظم ـ الإيمان العجائزي والتدين الجنائزي

  د. رائد جبار كاظم  لا أعرف ما هي القيمة المعرفية والروحية والفكرية والدينية الايجابية التي تحققها مقولة ( اللهم ايمان كإيمان العجائز)،
image

محمد محمد علي جنيدي ـ روحُ والدي

محمد محمد علي جنيدي – مصر         يا حناناً غاب عن قلبي طويلا يا غراماً عاش في الوجدانِ جيلا لم تزل نوراً لروحي لم تزل قلباً
image

محمد محمد علي جنيدي ـ لا أنساكا

محمد محمد علي جنيدي - مصر           قُلْ لِـي شَيْئـاً غَيْـرَ هَوَاكَـا فَــأنَــا أبَــــداً لا أنْـسَـاكَــا تِلْـكَ عُيُـونُ الْبَـدْرِ بِعَيْنِـي أحْسَبُهَـا مِـنْ نُـورِ بَهَـاكَـا ثُــــمَّ إذا تَــدْنُــو
image

عادل السرحان ـ حين يحلّقُ قلبي بعيدا

عادل السرحان               في هذه الساعة قلبي يحلق بعيدا بين السماء والأرض ومعزوفة الحزن تتعالىتُحيطُ به عيونٌ وآذانٌ أغار  منهاورداء الوحدةيخلع كل شيءويرتديني كل ماحولي مثل قطعة ثلجٍحتى أطرافي وحيدا  أتململُوتعصف بي الريحمثل
image

مادونا عسكر ـ استبطان الذّات الرّائية في قصيدة "الدّاخل أرحب" للشّاعر يوسف الهمامي

  مادونا عسكرـ لبنان  - النّصّ: الدّاخل أرحـب سقطتُّ في السّماء كنت أعرجُ في أرض بلا
image

إيناس ثابت ـ روافدُ القلب

    إيناس ثابت - اليمن              وشاحُ حريرٍ غَزَلَتْه "پينولوب" من وحيِ حكايتك بفيضٍ من
image

محمد مصطفى حابس ـ المرحوم عبد الغاني بلهادي: نعم الرجال الذين يهبون عند الفزع و يفسحون الطريق لغيرهم عند الطمع.

محمد مصطفى حابس إنَّ مرحلة الشَّباب هي الفترة الذَّهبيَّة من عمر الإنسان، وهي الَّتي ترسم ملامح مستقبل المرء وتحدِّده، لذلك حرص الإسلام كلَّ الحرص على التربية
image

خالد صبر سالم ـ ـغنيّةُ الألـَق

  خالد صبر سالم                                          النهرُ يفيضُ وجوهَ حَبيباتٍ تـَتـَألقُ   في خاطرة القنديلِ   

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats