الرئيسية | مجتمع الوطن | محمد مصطفى حابس ـ طَفْرَة السياحة العلاجية في الغرب، بأموال و عقول العرب جَرَّاحٌ جزائري لامع قاطعته فرنسا، فاستفادت منه أمريكا

محمد مصطفى حابس ـ طَفْرَة السياحة العلاجية في الغرب، بأموال و عقول العرب جَرَّاحٌ جزائري لامع قاطعته فرنسا، فاستفادت منه أمريكا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

محمد مصطفى حابس: جنيفـ  سويسرا

 

بحسب تقرير صادر أخيرا عن اتحاد الفنادق الدولي، فإن تركيا من الدول الرائدة في قطاع السياحة العلاجية ، حيث من المتوقع أن يجذب هذا القطاع ما يزيد عن 20 مليار دولار بحلول عام 2023م، كما أشار التقرير الى أن تركيا في المرتبة الثالثة بين البلدان التي تملك أكبر عدد من مؤسسات الرعاية الصحية المعتمدة من قبل اللجنة الدولية المشتركة. 

 

من جهة آحرى أظهرت دراسة حديثة، عن مجلة "الاقتصادية" أن دول الخليج تنفق 6.3 مليار دولار سنوياً لعلاج مواطنيها في الخارج، بينما تقدر نفقات السياحة العلاجية حول العالم بنحو 55 مليار دولار.

و اليوم، بفضل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، بات العديد من المرضى على علم بما يسمى بالطب البديل أو الطب بالأعشاب نظرا لتدهور المنظومة الصحية في بعض دولنا العربية، وعن طريق شبكات التواصل و المواقع الالكترونية أيضا فتحت للمرفهين و الميسورين من المرضى، العديد من الخيارات المُتاحة للرعاية الصحيّة والعلاج في الخارج، مما جعل "السياحة العلاجية" الآن أكثر شعبية مما كانت عليه في أي وقت مضى، وهناك شركات ووسائط لمساعدة المرضى على التخطيط لرحلات السياحة العلاجية هذه ، وتلقّى العلاج بالخارج مع توضيح بيانات ومراجعات كاملة عن المنشآت الطبية التي تقدم خدماتها المتميزة، وهي فعلا تجارة رابحة للدول الغربية خاصة، إلا أن هناك دول تفوقت عن غيرها في هذا المجال وأصبحت مشهورة بهذا النوع من السياحة مثل التشيك وأوكرانيا وألمانيا وسويسرا وتركيا وحتى بعض الدول العربية كالأردن والجارة تونس، هذه الأخيرة التي استثمر فيها الطب رفقة السياحة جهودا بشرية جبارة، عكس الجزائر التي نفرت علماءها و أطباءها فهاجروا مكرهين للخارج زرافات ووحدانا، وقد ذكرنا  على سبيل المثال في مقال سابق حسب إحصائيات رسمية بأن "ربع أطباء فرنسا من الجزائر"؟ وقلنا حينها أنه في ظل تضارب الأرقام بشأن عدد الأطباء الجزائريين الذين هجروا بلادهم خلال العقدين الماضيين، هناك اتفاق بين أهل الاختصاص على تعرض قطاع الصحة بالجزائر إلى نزيف قاتل في كوادره بسبب الهجرة بحثا عن ظروف اجتماعية ومهنية أفضل، الأمر الذي يجزم لنا أخبارا رائجة على سبيل المثال لا الحصر، ما أكده لي أحد المكلفين بالسلك الطبي السويسري، أن أزيد من نصف المشتغلين في السلك الطبي أجانب ومن المسلمين، أي من دول العالم الإسلامي، و ذكر لي بعض الأرقام  المهولة حسب الكانتونات (الولايات)، قائلا لي أن المرضى القادمين من دول العالم الثالث يتبرعون بسخاء فوق اللزوم، على هذه المصحات الغربية التي يأتيها مرضى عرب ليعالجهم أطباء عرب، و ذكر لي أسماء بعض الامراء، والرؤساء، و حتى  أسماء بعض " المشايخ"، و الوفود التي ترافقهم مبينا لي أنه يمكن أن يعالجوا أنفسهم بأنفسهم في بلدانهم و في عقر ديارهم ويوفروا أموالهم الضخمة لشعوبهم المعوزة!!!

 

هذه الارقام المخيفة المقلقة بل المرعبة تدعم الفكرة التي تؤكد ان البلدان العربية اصبحت بيئات طاردة للكفاءات العلمية العربية وليست حاضنة او جاذبة لها، حيث يتساءل الكثيرون عن الاسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة الخطرة.. وبالتالي حق للغرب أن ينعم في الضفة الأخرى بكفاءات شبابنا أمام سياسة تصحر المؤسسات الاستشفائية العربية و غثائية التسيير الإداري عندنا، إذ تحصي نقابة العاملين في الصحة العمومية عشرات آلاف الأطباء في أوروبا وأميركا الشمالية وبشكل خاص كندا، التي تستقطب الأطباء الجزائريين ضمن برنامج الهجرة الانتقائية واستقطاب الكفاءات، كما تستقطب بالمقابل دول خليجية أخرى مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت أعدادا كبيرة تعد بعشرات الالاف من الأطباء الجزائريين، والكوادر شبه الطبية.

وأمام هذه الصعاب، تناقلت وسائل التواصل الجزائرية هذه الأشهر الأخيرة جراء الإضرابات المتوالية في المستشفيات العمومية، ظاهرة "الهجرة" العلاجية أو الاستشفائية لبعض المرضى متوسطي الحال، الذين يعانون من مختلف الأمراض والإصابات ولم يعودوا يثقون في "الطب المحلى" فباعوا ممتلكاتهم لشراء "عافيتهم"، ومنهم من حاول شحذ التكلفة الكبيرة من الدولة فسدت في وجهه الأبواب، فاضطر صاغرا بمد يده، حتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهو أمر غريب نوعا ما عن نخوة الجزائري.

 

كما نقلت وسائل إعلامية أخرى أمثلة محزنة لبعض حالات مرضى السرطان لدى الاطفال، ومن هؤلاء المرضى من تحصل على مواعيد عبر محسنين في الخارج للكشف الطبي أو لإجراء عمليات جراحية مستعصية في بعض الدول الأجنبية، صادفتهم صعوبات وعراقيل مالية كبيرة، في الحضور إلى العيادات الطبية في المواعيد المحددة، بعد أن استحال عليهم دفع تكاليف العلاج أو العمليات الجراحية، "بسبب الارتفاع القياسي الذي شهده سعر صرف العملة الصعبة، اليورو في الأيام الأخيرة في السوق الموازية، بل أكثر من ذلك ذكر أحد المرضى أنه اعتمد على المحسنين وأهل الخير، لكنه عندما حاول تحويل المبلغ الذي جمعه بالدينار الجزائري على مدار أشهر، تفاجأ بأنه لا يمثل سوى مبلغ ضئيل بالعملة الصعبة، بعد انهيار سعر صرف الدينار الجزائري والارتفاع القياسي لسعر صرف اليورو في ظرف وجيز، كما لاحظ متابعون للملف خلال هذه السنة، تقلص حركة المرضى الذين اعتادوا السفر للعلاج في العيادات الطبية بالمصحات التونسية المجاورة، ما جعل بعضهم يتعرضون لمضاعفات صحية خطيرة قد ترهن مصير حياتهم!

أمام  هذه الإخفاقات المحلية المتكررة تنجح  في الضفة الأخرى عقول كبيرة عربية وجزائرية في ديار المهجر ، لتصنع الحدث الدولي، و ترسم بسمات واعدة على شفاه مرضى دول أجنبية، إذ تناقلت هذا الأسبوع وسائل الاعلام الغربية، خبر نجاح فريق طبي غربي يشرف عليه جراح جزائري في مستشفى كليفلاند كلينك في أبوظبي في إجراء عملية جراحية ناجحة بتقنية متطورة تعتبر الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط لمريض يعاني ورماً في الرئة، وتم خلالها استخدام نظام روبوتي متطور ومتقدم جداً لا يتوفر إلا في مركزين اثنين فقط على مستوى العالم أجمع!!

 و المشرف على إنجاح هذه العملية المعقدة، طبيب جزائري خريج الجامعة الجزائرية هو الدكتور محمد رضا سويلاماس إستشاري جراحة الصدر بمعهد القلب والأوعية الدموية في مستشفى كليفلاند كلينك في أبوظبي، وهذا الطبيب الجزائري شغل عدة مناصب في مستشفيات أوروبية وعمل كطبيب أخصائي في قسم جراحة الصدر في مستشفى إيراسموس في بروكسيل ببلجيكيا، وكان سابقاً مديراً لبرنامج زرع الرئة للتليف الكيسي في مستشفى جورج بومبيدو في باريس بفرنسا، إلا أن فرنسا لم تعطيه كامل حقوقه، و تآمرت بعض الجهات الفرنسية ضده، بالعقلية الاستعمارية المعهودة لديهم عموما، فاضطر الطبيب الجزائري لحزم حقائبه ورحل إلى أمريكا في العام 2009 لتفتح له الأبواب على مصراعيها بمخابر آخر صيحات التكنولوجيا الطبية، فعمل أستاذاً زائرا في قسمي جراحة الصدر وزرع الرئة في مستشفى كولومبيا الجامعي في مدينة نيويورك.. والف هذا البروفيسور كتابا بالفرنسية يحكي فيه المؤامرة الفرنسية ضده تحت عنوان " لون المشرط "، وقد استضافته القنوات الفرنسية و بعض الجرائد في حوارات مطولة، معنونين ذلك بعناوين كلها اعتذار و أسف للخسارة التي لحقت فرنسا بفقدانها لمثل هذه النوعية من أيقونات العقول الذهبية، فاستفادت منه المستشفيات الامريكية و الخليجية.. وقد علقت وسائل الاعلام  الفرنسية بعناوين، تنم عن الندم الكبير  عن تصرفات بعض عنصرييها، منها على سبيل المثال: "القصة الرائعة لهذا الجراح الجزائري اللامع الذي قاطعته فرنسا!" و "مستبعد من التراب الفرنسي، طبيب جزائري أجبر على الذهاب إلى المنفى في الولايات المتحدة."

 

قصة رائعة فعلا، لخسارة عقل من كنوزنا المهاجرة، أو  قل  تدفق حبر "نزيف أدمغتنا" ذهب هدرا، إذ كان في إمكان هذا العبقري إرواء  عطشى حقولنا مستشفياتنا العربية الجدباء، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه!!

 طبعا الرجل هاجر كغيره من علمائنا من باب "مكرها أخاك لا بطل"، وما أكثرهم في العشريات الاخيرة ، كان و لا زال همه و منن على شاكلته إسعاد الاخرين رغم حرقة المهجر و فراق الاهل والاحبة، وسنعود للتعريف به وبتجربته  و انجازاته الطبية بتفاصيل أكثر في مقال مستقل قادم بحول الله.

شوهد المقال 248 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

أحمد رضا ملياني ـ أصابعي ظمأى

أحمد رضا ملياني          ماعاد المطر ينزل بأرضنا ولا الحب يسقي دربنا الخريف تهب رياحه باردة في كل فصل لتسقط أوراقنا الرصيف يجري خلفنا ليقتل أحلامنا......
image

جمال الدين طالب ـ طاب جناني"...!:

جمال الدين طالب             تعزي اللغة الوقت تبكي ساعاته..تندب سنواته يعزي الوقت اللغة يبكي كلماتها لا... لا يخطب الرئيس ... لا يخطب.. لا
image

اعلان انطلاق مركز طروس لدراسات الشرق الأوسط

 يعلن الأستاذ محمد خليف الثنيان عن إنطلاق مركز طروس لدراسات الشرق الأوسط . مركز طروس هو مركز بحثي متخصص في دراسات الشرق الأوسط حول القضايا التأريخية
image

شكري الهزَّيل ـ رِمَّم الأمم : نشيد وطني على وتر التغريب والتضليل الوطني!!

د.شكري الهزَّيل عندي عندك يا وطن وحنا النشاما والنشميات يوم تنادينا وتذَّكرنا بذكرى وجودك يوم ودوم ننساك وحنا " نحن" اللي تغنينا بحبك ونشدنا
image

سهام بعيطيش ـ هبْ انّ.....

 سهام بعيطيش"أم عبد الرحيم"          هبْ أنّ نجْمَ اللّيلِ دقّ البابَ في عزّ النّهارْ هبْ أنّ شمسًا اختفتْ وقتَ الضُّحى في لحظةٍ خلفَ
image

وليد بوعديلة ـ حضور الأساطير اليونانية في الشعر الفلسطيني- شعر عز الدين المناصرة أنموذجا-

د. وليد بوعديلة  استدعى الشعر الفلسطيني الأساطير الشرقية و اليونانية،بحثا عن كثير من الدلالات والرموز، وهو شان الشاعر عز الدين المناصرة، فقد وظف بعض
image

يسرا محمد سلامة ـ أرملة من فلسطين

 د. يسرا محمد سلامة  منذ أيامٍ قليلة مرت علينا ذكرى وفاة الأديب الكبير عبدالحميد جودة السحّار في 22 يناير 1974م، الذي لم يكن واحدًا من أمهر
image

وليد عبد الحي ـ الجزائر: جبهة التحرير الوطني ومماحكة التاريخ

 أ.د. وليد عبد الحي  تشكل إعادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية لترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مماحكة لتاريخ وثقافة المجتمع الجزائري ، فهذا المجتمع كنت قد
image

حميد بوحبيب ـ حميد فرحي ...منسق ال الحركة الديمقراطية الإجتماعية MDS ...يفارق الحياة....

د. حميد بوحبيب  يولد الرفاق سهوا وعلى خجل ...يكابدون قبل الوقوف على أقدامهم من فرط الجوع والغبينة يتقدمون خطوتين، يتعثرون مرتين ...ثم يفتحون قمصانهم على الصدور ،
image

خليفة عبد القادر ـ الجنوب والشمال في الجغرافية الجزائرية

أ.د خليفة عبد القادر*  مفارقة معقدة على المستوى الوطني وأيضا هي معضلة العالم منذ أن توارت -إلى حين- معادلة الشرق والغرب. ما يهمني الآن هو

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats