الرئيسية | مجتمع الوطن | ناهد زيان - العصامي جدا نصف مغرور ونصف كذاب!!!

ناهد زيان - العصامي جدا نصف مغرور ونصف كذاب!!!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


 ناهد زيان

 

الحياة رحلة من المستحيل أن تنجح فيها بمجهود فردي بحت مدعيا أنك خضت معركتك وتجربتك بمفردك متجردا عن أي اعتماد على الآخرين أو مساندة منهم. فمنذ لحظة ميلادك وأنت تدين بحياتك لتلك الأم –بعد الله بالطبع- التي كانت قاب قوسين أو أدنى من مفارقة الحياة لتدخلها أنت وتعيش مع وهم أن لا فضل لأحد عليك فيها!!!

وحين يبرع بعض منا في مجاله وتخصصه وحرفته يعتقد جازما أنه صنع عبقريته وموهبته وصموده وأنه صنع نفسه بعصامية فريدة، ثم يعيش ذلك الاعتقاد حد أنه نسي معه بكل جوارحه تلك الأيادي التي امتدت له طوال مشواره لتهبه دفعة للأمام وتذلل له عقبة كان من الممكن جدا أن توقف مسيرته وتعطل نجاحه.

الحقيقة أنني أدركت الآن أنني وإن كنت حققت شيئا من النجاح في حياتي وشخصيتي كما يعتقد البعض وكما يحلو لي أن اعتقد أحيانا فإن ذلك مرده لكثيرين جدا ممن دعموني بحب وإخلاص وبساطة وتواضع أيضا بداية من أسرتي سيما أبواي وعمي وجدتي يرحمها الله التي علمتني الحكيّ والكلام والإنصات وحتى الغضب.

وبعيدا عن أسرتي ومعلمتي الأولى بالمدرسة "أبلة زينة" التي شكلت كثيرا من وعيي مبكرا وعن صديقاتي وأستاذتي التي لازلت انعم بصحبتها والتتلمذ على يديها والتي لي عنها حديث آخر فإن هناك أياد عديدة امتدت لي بربتة على كتفي أو بدفعة لأواصل سيري ومتابعة طريقي عجبت جدا حين جلست مع نفسي اذكر بعضهم بفعل الصدفة البحتة وبعدها همست لنفسي: يالكِ من غافلة!!!. ولذلك قصة.

على صفحتي الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك صادفني نعي  لأحد جيراني في بلدتي التي فارقتها منذ سنوات قليلة مضت بسبب الزواج، ويدعى الأستاذ محمد الصعيدي فانتابني حزن ووجع لموته الذي كان بالنسبة لي صدمة بكل المقاييس رغم يقيني بأننا جميعا لهذا المصير لكنها وقع المفاجأة ولصغر سنه يرحمه الله. مثار حزني أني أعرف الرجل معرفة قوية وموثقة بتاريخ طويل من الخلق والأصل الطيب ففي الريف لازال كثيرون منا نسابون بفعل الغريزة والفضول فنقول فلان ابن فلان ابن فلان ومن هنا نقول عن بعض من نعرفهم بثقة خيار من خيار من خيار أيضا بسبب الخلق والأصل الطيب ولا علاقة للمال والجاه بالأمر في شيء.

آخذك بعيدا لبرهة بسيطة فأقول: حين تخرجت من الجامعة وعزمت على مواصلة دراستي العليا وكلي أمل أن أمر تعييني بالجامعة مسألة وقت ليس إلا بسبب تقديري وترتيبي على الدفعة أحاطتني مباركات أسرتي وأهلي الذين كانوا يأملون نفس الشيء ويترقبونه بشوق وأمل غير أن الأمور وللأسف لم تسر كما كنت آمل وأتمنى بخصوص هذا التعيين فأكملت مشوار الدراسات العليا دون يأس وفتور ذلك اليأس الذي أصاب من حولي حينا من الزمن وجعل بعضهم ينقلب ضدي ويرى أن مسألة الدراسة تلك مضيعة للمال أولا ثم للوقت!!! فكان أن اتخذت قرارا مصيريا بمواصلة دراستي بمجهودي الشخصي الفردي المادي والمعنوي وقد كان.

كنت طوال الوقت بعد ذلك القرار الذي امتد لسنوات حتى زواجي أتعالى وآنف وتأبى كرامتي أن أطلب أي شيء من أسرتي فيما يخص نفقاتي على الدراسة وغيرها وتحملت وحدي عبء ذلك من راتبي الذي كان لا يقارن بحجم نفقاتي على الدراسة، والسؤال هنا: كيف استطعت سد تلك الفجوة بينهما "دخلي البسيط وإنفاقي"؟؟

الحقيقة أنني كنت أستدين من زميلاتي وزملائي في العمل وكان الجميع رجال في مروءتهم معي رجالا ونساء على السواء. كنت أستدين من أهلي ومعارفي حتى يأتي الراتب آخر الشهر الذي كان لا يأتي إلا بعد عذاب وانتظار طويل. كنت أستلم راتبي فأسدد مديونياتي لأستدين من جديد للسفر للقاهرة ولشراء الكتب التي كنت لا أتردد في اقتنائها طالما أفادتني وأفادت بحثي ولتصوير المراجع ودفع مصروفات الجامعة ثم لحضور المناقشات والندوات والمؤتمرات لاهثة وراء حلمي وتكوين شخصيتي كباحثة ظننتها عصامية مئة بالمائة!!

في تلك الفترة كان تلفون منزلنا ليس به خاصية الاتصال المباشر بالمحافظات الأخرى فكنت أتصل بأساتذتي وزملاء دراستي وصديقاتي من أي سنترال قابلني ولكن كانت المشكلة حين يلزمني مكالمة أي من هؤلاء ليلا وفي ساعة متأخرة لظرف طارئ وهنا كانت نجدتي على يد الأستاذ محمد الصعيدي رحمه الله الذي كان قد افتتح سنترالا خاصا به وفي مرة كنت اتصل من عنده فقال لي بأدب وود أنه يمكنني أن أتصل به من منزلي وأعطيه الرقم فيحول المكالمة لي منزليا وأنا في مكاني ثم أدفع ثمنها في أي وقت بعدئذ، وقد كان .

كنت أتصل به وأعطيه الرقم وأتحدث على راحتي وعلى مهل وأنهي المكالمة ثم أتصل به وأقول له: أنا خلصت يا أستاذ محمد، فيقول: ماشي يا أستاذة مع السلامة!! دون أن يؤكد أن حساب المكالمة كذا ودون أن يضيف أي شيء آخر الأمر الذي كان يزيد حرجي فأبكر في الذهاب له لدفع ثمن المكالمة فيبتسم بأدب كبير وحياء ويقول لي: حسابنا كذا، طيب خلي والله دلوقتي!!!

هذا الرجل الذي لم أعرف عنه نقيصة يوما ولم أسمع له صوتا عاليا ولم أره في موقف تشاحن أو تناحر مع أحد أبدا هو من صادفني نعيه لأعلم أن الله قد توفاه في أواخر رمضان، ليرحل في صمت وأدب كما عاش مؤدبا سمحا هادئا. وهكذا يرحل الطيبون دون صخب دون نزاع دون وداع حتى.

قد يأتيك التشجيع والدعم في صورة دعوة من قريب أو غريب عنك، أو كلمة ودودة أو نصيحة، فتثير في النفس دهشة ونورا يدفعك لتواصل وكانت طاقتك قد قاربت على النهاية.

واهمة عشت معظم حياتي شأن كثيرين غيري مغرورة بأكذوبة العصامية والاعتماد على النفس فيما يشبه نكران الفضل والمعروف وأنا التي حظيت بتشجيع كبير من كل من أحبوني بصدق وأولهم أمي وعمي وخالاتي وعمتي وزميلاتي وزوجي وحتى أولادي أولئك الصغار الذين احتضنوني وعالجوا ضعفي الذي كنت أخفيه وراء تلك الملامح الحازمة كذبا وادعاء. حقيقة واضحة لي الآن هي أننا في رحلة الحياة تلك كالسلسلة الغذائية التي كنت ندرسها في العلوم صغارا مراحل توصل لمراحل أخرى، ولكل دوره الذي يتكامل مع دور غيره. ليس منا من هو نبات شيطاني نبت بفعل نفسه دون غرس أو حرث أو إرواء. بل إن النبات الشيطاني نفسه هو نبتة لبذرة وضعت منذ زمن رهن أن توافقها قطرة مطر فتنبت ولكن ليس بجهد ذاتي بحت حتى النهاية.

 

شوهد المقال 194 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

هل تسحب الولايات المتحدة قواتها من سورية بعد هزيمة داعش؟

ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية أن الولايات المتحدة تعتزم الحفاظ على تواجدها العسكري شمال سورية الذي يسيطر عليه قوات سوريا الديمقراطية. مع ذلك أعلن وزير
image

جباب محمد نور الدين - بعيدا عن السياسة : الحب في تجلياته الجزائرية

 د.  جباب محمد نور الدين   توجد شابة في هذا الفضاء تعلق بجمل قصيرة وجريئة وقوية ،قبل قليل قرأت لها تعليقا قالت فيه "أول مرة سمعت
image

شكري الهزًّيل - صفقة القرن : الكاوبوي وأبوبعير وال14 مليون فلسطيني!!

د.شكري الهزًّيل تتداخل الامور احيانا على قلمي المواكب للتاريخ الفلسطيني والعربي منذ امد واحيانا كثيرة تختلط الاحداث في مسيرتي مع ناصية حلم لم يبرحني ولم
image

وليد عبد الحي - المجتمع الدولي والقضية الفلسطينية: نظرة مستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي* تمهيد:لم تعد أي من نظريات العلاقات الدولية تُسلم بالدولة القومية (دولة ويستفاليا) كوحدة وحيدة لفهم تفاعلات الحياة الدولية، فقد زاحمت كيانات ”ما فوق
image

فوزي سعد الله - عن البربر والديانة اليهودية قبل الإسلام

  فوزي سعد الله  "...النص الخلدوني الذي يستدل به المؤرخون اليهود والغربيون عامة، على غرار أندري الشّراقي وريشارد حيّون وبيرنارد كوهين وغيرهم، بل يستدل به كل الذين
image

مخلوف عامر - هو التراث: فلا تقديس ولا تدنيس 9 / 4

 د.مخلوف عامر   ابن خلدون والعرب ممَّا حفزني على العودة إلى (ابن خلدون) من جديد، هذه الظاهرة السائدة في أوْساط العامة والمتعلِّمين أيْضاً، وهي
image

مخلوف عامر - الجيل الجديد والتاريخ المجهول

 د.مخلوف عامر   تُعدُّ الثورة الجزائرية معْلماً بارزاً في تاريخ القرن العشرين وامتدَّ تأثيرها إلى سائر حركات التحرُّر حتى قيل إن الجزائر قِبْلة الثوار. والفضل في ذلك
image

حمزة حداد - حسب كمال داود الإسلاميون "منشغلون بقضية البسملة والتفاصيل الثانوية والهامشية "

حمزة حداد  زعمة .. هو الي منشغل بإنتاج صواريخ بوينغ يانغ النووية أو دواء مرض السكري او علاج الفشل الكلوي!! يبدو أن
image

نوميديا جرّوفي - كعادتي كلّ يوم

نوميديا جرّوفي            يوقظني العشق باكرا قبل أن يرتدي الصباح معطفه الشّمسي و دونما حراك يغسل الشوق
image

محمد مصطفى حابس - اسبوع الديانات في الغرب : "ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ.. فسلام بعض المجتمعات هو سلام كل المجتمعات"

   محمد مصطفى حابس : جنيف / سويسرا    تظاهرة "اسبوع الديانات"  في سويسرا، مبادرة حميدة ووحيدة في العالم، بحيث تفتح كل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats