الرئيسية | مجتمع الوطن | ناهد زيان - فيرحاب أم علي عمدة النسوان

ناهد زيان - فيرحاب أم علي عمدة النسوان

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 
ناهد زيان
 
كنت لا زلت طفلة تلعب بالدمى وتقضي يومها لاهية في جوار جدتها وعلى مرأى من أمها في غدو ورواحها وهي تقضي حوائجها وتنجز أعمالها المنزلية المتواصلة في همة ونشاط وحوارات لا تنقطع بين الأم والجدة ومراقبة دون قصد من تلك الفتاة النصف لاهية ونصف منتبهة، كنت تلك الطفلة حين سمعت أمي تغني وهي تغربل الأرز وقد جاء للتو من مضرب الأرز بالقرية يوم أن كانت القرية تزرع أرزا وتصنع خبزا.
لازال شدو أمي يتردد بأذني بين حين وآخر وهي تغني:
يا أم علي يا أم علي
الهم عنك ينجلي (أي يزول)
وجوزك يصبح عسكري
وأنت عمدة على النسوان!!!
كنت أراقب أمي تغني أغنيتها القصيرة تلك وهي تعمل بالبيت أعمالا رأيتها شاقة مزعجة ورأتها هي مسلية وممتعة، وتلك الأغنية ترد على بال أمي بين حين وآخر حتى سألت جدتي في استغراب وهي العجوز التي كانت تغرقني في صبر وفرح بحكاويها وقصصها التي لا تنتهي:
أهو جيد يا جدتي أن يعمل الرجل عسكري؟؟
فأجابتني: ماهية ثابتة يا ابنتي تساعد على المعايش!!
فسألتها: ولم لا يعمل أبي عسكري؟؟
فردت: حكم النفس في النفس مُرّ يا ابنتي!!!
أربكتني جدتي بإجاباتها المقتضبة تلك وكأنني أعرف تفاصيل الأمور وخبايا الكلمات حتى كبرت وتكشفت ليّ الحقائق شيئا فشيئا ففهمت ما بين كلماتها من كلمات لم تنطقها.
الحقيقة أنه وللحظ أو للصدفة كان في محيطنا الاجتماعي بين الأقارب والجيران كثيرون يعملون في (الميري) ما بين عسكري أو (صول) هذا في المطافئ وهذا في الإنقاذ النهري أو المرور أو مصلحة السجون المهم كان هناك عسكر كثيرون حولنا ونساؤهم ما بين جارة وقريبة وصديقة لأمي يترددن على ذلك البيت حيث الجدة التي تحسن استقبال تلك النسوة والأم التي تحسن السمر والحكيّ والإنصات قبل أي شيء وتلك الطفلة التي تتوارى بجوار الجدة شبه محتمية بها وهي تستمع لحكي هؤلاء النسوة عن أزواجهن وما يتعلق بغدوهم للمدينة يوميا للعمل وما يشترونه حين عودتهم من خبز إفرنجي وحلاوة طحينية وعبوات السلمون والمربى!!!.
ثمة حوارات تسمعها الأذن ولا تفطن لمعانيها إلا بعد سنوات طوال!! ذلك كان الحال وأنا أستمع لحكي نسوة العساكر ونميمتهن عن بعضهن البعض، فإحداهن تصف زوجة عسكري المرور بالمحظوظة فزوجها يتقاضى من الشارع ومن مخالفات السيارات فوق مرتبه الكثير مما يجعلها تعيش مرتاحة وفي بحبوحة من العيش عن بقية نساء العساكر. وأخرى تحسد زوجة رجل مصلحة السجون الذي يقضي طلبات للمسجونين لقاء إكراميات وهدايا ناهيك عما يحصل عليه من مطعم السجن ومخزن تعييناته!!! ولا أنسى تعليق أمي وجدتي: "الحرام لا يُشْبِع"!!   
حين سألت جدتي أهو جيد أن يعمل الرجل عسكري؟؟
وأجابتني: ماهية ثابتة يا ابنتي تساعد على المعايش!!
لخصت حال الفلاح المصري الذي يتحايل على الأحوال ليعيش ويصبر على استغلاله وتهميشه وقسوة الظروف عليه ليعبر بأسرته وسفينته لبر آمن محتميا في وظيفة توفر له بعض المال المنتظم بجوار محصول موسمي وبضع حبات من قطع الجبن تبيعها زوجته لنساء القرية مع بعض الطيور والدواجن ليستطيعوا تغطية تعليم الولد وزواج البنت ومن هنا كانت تلك الماهية (المرتب) الثابتة معينا لهذا الفلاح على معيشته هو وأسرته، وأي معين؟؟
فهمت تلك العبارة على كبر ونضوج بعد سنوات طويلة وبعدها بفترة كافية فهمت عبارة جدتي الأخرى حين سألتها عن أبي لماذا لا يعمل عسكري كما كانت تغني أمي حين تسلي وقتها وتدلل نفسها فقالت لي جدتي: حكم النفس في النفس مُرّ يا ابنتي!!!. نعم حكم النفس في النفس مرّ خاصة وحياة الميري تعتمد على تسلسل الرتب وتَحَكُم من هو أعلى رتبة فيمن هو أقل ومثلما أدركت جدتي من زمن بعيد أن ابنها الذي هو أبي ليس ذلك الرجل الذي يرضى بالأمر والنهي والسمع والطاعة أدركت أنا ذلك بعد مواقف كثيرة وتدبر لقول جدتي تلك العجوز الحكيمة التي كانت تعرف دواخل ابنها وخبايا شخصيته على بساطتها وطيبتها المتناهية.
أما أمي "أم علي" الحلوة في سمرها وفي جدها وهزلها التي وعلى الرغم من أن زوجها لم يصبح عسكري إلا أنها كانت عمدة النسوان. نعم دون قصد أو دراية كانت أمي قبلة نساء الحارة، هكذا رأيتها، كانت عنيفة في نقدها لما هو مشين أخلاقيا وما كان أكثره من صنف من النساء كانت مقاييس الأخلاق لديهن مطاطة متراخية فما ضير لدى بعضهن من أن تضاحك بائع الخضار وتاجر الفاكهة أو تستدرج عريسا ميسورا لابنتها بفتح باب منزلها لزيارة تلو أخرى بدافع المعرفة والعشم!! 
قاسية هي أم علي حتى على أقرب نساء الحارة وصويحبات الشباب وتتنوع قسوتها بين نظرة حارقة وكلمة لاذعة، وحين تعجزها الكلمات ولا تفي النظرات تحدث نفسها في ضيق وتأفف وضجر ما بال النسوة قد انفرط حبلهن وتراخى حاكمهن؟؟؟
أم علي تلك الحكيمة دون شهادات أو دراسات تربوية التي لطالما نصحت غيرها من النساء بالصبر على أزواجهن وخلقهم الجامح وأعينهم الزائغة. وبتدبير أحوالهن ماليا بحيلة وذكاء حتى "يفرجها الله من فضله". تلك السيدة التي كانت أم لليتيم ومهد للضعيف والمريض والمكروب.
وتبقى أغنيتها المختصرة التي تتردد بأذني كثيرا واحدة من مفاتيح الفهم لديّ، وأيقونة لتلخيص الحال الذي كان يحيط بها حين يتعسكر الفلاحون بحثا عن بدلة ميري ومرتب ثابت وحين تتباهى زوجاتهم بالوظيفة الميري وما وراءها من مكاسب وهبات غير أن واحدة منهن لم تكن كأم علي التي لم يتعسكر زوجها يوما لكنها كانت عن صدق عمدة النسوان.  


شوهد المقال 8288 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ هل من قارئ لكتاب الثورة ؟

نجيب بلحيمر   بسرعة تبخر الأثر السياسي المرجو من الإسراف في حبس كبار المسؤولين وجاء الرد حاسما عبر مظاهرات الجمعة السابعة عشرة من الثورة السلمية
image

فيصل بوسايدة ـ أي سيناريو يخبئه لنا الجيش الجزائري ؟

 د.فيصل بوسايدة    من الواضح جدا أن الحراك أو الشعب لا يدري تماما الخطوات التي يمكن أن يتخذها الجيش/المنجل، كما أنه لا يدرك الهدف من كل
image

أحمد حمادة ـ موسكو وسياسة الخداع والتضليل..

العقيد أحمد حمادة * لقد اتسمت السياسة الروسية بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي بنفس السياسة السابقة التي تدعم الأنظمة الشمولية، ورسخ هذه السياسة وصول بوتين الذي
image

نوري دريس ـ خدام الدولة و خدام النظام، وخدام نفسو...اويحيى

د.نوري دريس   سجن أويحي هو درس لهؤلاء ااسياسيين الذين يتلونون مع ايديولوجية المرحلة، و يوالون سيد اللحظة، و يقدمون ذلك كشكل من أشكال خدمة
image

يسين بوغازي ـ شجون التاريخ الحراشي!

  يسين بوغازي   عجيبا غريبا تاريخ  - مقاطعة الحراش القديم - ذاك النائم على وسدائد الشرق من العاصمة ،عجيبا  في
image

رضوان بوجمعة ـ أحمد اويحيى... من إعلان فشل الحوار إلى سجن الحراش

د.رضوان بوجمعة  أحمد أويحيى هذا الرجل الذي كتب في حقه الكثير من الصحفيين و الصحفيات ومدراء المؤسسات الإعلامية الآلاف من المقالات التي تصفه بأنه
image

نجيب بلحيمر ـ تأميم الدولة ..اضراب حافلات الدولة المحتكرة من طرف طحكوت ـ

نجيب بلحيمر  طلاب الجامعات في العاصمة وولايات أخرى لم يستطيعوا اليوم الوصول إلى جامعاتهم وبعض الكليات اضطرت إلى تأجيل الامتحانات بسبب هذا الغياب الاضطراري
image

السعدي ناصر الدين ـ الثورة الزراعية، جدتي وسي بلقاسم رئيس البلدية

السعدي ناصر الدين  اتذكر يوم سألت جدتي من امي ( الحاجة زينب نساخ) رئيس البلدية ان كانت الثورة الزراعية ستؤمم ارض العائلة فأجابها "
image

نجيب بلحيمر ـ نظام الفساد الجزائري

نجيب بلحيمر  قضايا الفساد التي يجري التحقيق فيها تغطي قطاعات كثيرة، فقد تبين أن تركيب السيارات الذي جرى تقديمه على انه خيار اقتصادي مدروس
image

بوصيدة فيصل ـ عن مدى دستورية ما جاء في بيان المجلس الدستوري

بوصيدة فيصلقمنا بالتعليق على أهم الأحداث التي حصلت مع سير الحراك الشعبي، وتتمة لذلك وجب أن ندلي بما نراه في قضية بيان المجلس الدستوري

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats