الرئيسية | مجتمع الوطن | محمد صلاح - وَفِي الاحتِضَانِ وَالتَقْبِيلِ دَوَاءُ..

محمد صلاح - وَفِي الاحتِضَانِ وَالتَقْبِيلِ دَوَاءُ..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد صلاح 

 

 عزيزى الرَجُل المُجتَهد الناجح المُهتم بِكُلِ شَيء.. بتجارتك وأعمالك، وبأخبار البورصة والغرفة التجارية، ومُهتمٌ بأصدقائك وحَريصٌ على قُرْبِهم وودُهِم، ومهتم بنفسك ومزاجك وهواياتك، وبالطبع مهتم بأسرتك وأولادك، وهل تَكِّدُ وتَكدَحُ إلا من أجل رَفَاهِهِم وسَعادتِهم، وإتاحة الطعام والشراب والفاكهة والحلوى بوفرة، والبيت الكبير الفخم، والثياب الأنيقة الحديثة، والسيارة الفارهة، والذهب والفضة والخيل المُسَّومة، والسَفر والتسوق آناء النهار، والسهر والاحتفال آناء الليل، وكل ذلك وغيره من المزايا والمُتَعِ المادية والحِسّية، على اعتبار أنها كَفيلة بأن تجعل أسرتك وأولادك يَرفِلُونَ فى لباس السعادة والهناء، وتجعلك مُطْمَئِنَ البَال مُرتَاحَ الضمير، ظَناً منك أنك تُؤدى واجبك تِجَاهُهم على أتم وَجه، ولكن هَيهات يا صديقي أما سمعت قول الحُطيئة:

ولَستُ أرى السّعادة جَمع مالٍ ولَكِنَّ التَقيّ هو السَّعيدُ..

ومن ذلك أن تتقى الله فى أهل بَيتك، بِالحَدْبِ عَليهم وخَفضِ الجَناح لَهم، وإظهار لِينِ الجَانب، والإكثار من اللمسة الحانية، والاحتضان والتقبيل، فى الخُروج وفى الدخول، تَأسّياً بِفِعلِ نبينا الكريم الحَنون محمد، صلى الله عليه وسلم، مع أزواجه، لا سِيّما عائشة، رضى الله عنه، حتى أنه كان من بِينِ أسباب حِرصهِ على استعمال السِواَك ورَونَقِ الأسنان، تِأهّبُه واهتمامه لِتَقبيلِ زوجاته فى أى وقت.

وقد أثبتت الأبحاث العلمية أن احتضان الزوجة وتَقّبِيلهَا يتناغم مع طبيعتها العاطفية الجَيّاشة التى فَطرهَا الله عليها، فهذا الاحتضان والتَقّبِيلُ يُرسِل من خلال النهايات العصبية الموجودة في الشِفَاه رسائل إلى مناطق فى المُخ والجسم، تُحدِثُ انفعالاً عاطفيًّا قويًّا وشُعورًاً لذيذًا وغامرًا بالبهجة، يُساعد على تَحفيز الهرمونات الصانعة للحُب والسعادة، والتى تَرّفعُ بِدوّرِهَا من مُستويات النَواقلِ العصبية، مثل الدُوبَامِين الذي يُعزز الشُعورَ بالرغبة والشَّغَف، والسِيروتُونِين الذي يُحسّن المِزَاج، والأوكسيتوسين أو "هُرمون الحُب" الذي يُفرزه الجسم في حالات الحُب والثقة والارتياح للشخص الآخر، والمسئول أيضًا عن تَعزيز وتقوية الروابط العاطفية والرومانسية والاجتماعية بين المُتحابين..

وفى المُقابل فإن احتضان الزوج لزوجته وتقبيلها يُساهم بدوره فى التقليل من إفراز هُرمون "الكُورتِيزول" المُسبب للضُغوط والانفعال والتوتر، مما يكون له أطيب الأثر على الحالة الصحية والنفسية للزوجين معًا، حيث يَقضِى على الحُزن والاكتئاب ويُقلّل من احتمالات التَعرّض لأمراض القلب وضغط الدم، بل والسرطان أيضًا.. فاحتضان الزوج لزوجته كل صباح وفى خُروجه وعَودته من وإلى البيت، يُعطي كِليهما دَفعة قوية للابتهاج والتفاؤل، فَيُقْدِمُ كل مِنهُمَا على عَملِه _ إن كانت الزوجة تَعمل_ إيجَابِياً بَاسم الثَغْرِ، وتَقوم هى بِدَوّرِهَا مع أسرتها فَرِحَة سَعيدة مُنشرحة الصَدر.

وكذلك تَقوَى الأب فى الاهتمام باحتضان وتقبيل أبنائه، فثقافة احتضان الأبناء تَكادُ تكون غائبة عن مُجتمعاتنا العربية بِفعل مَوروثات سَلبية خاطئة طال عليها الأمد بكل أسف، فهناك من يعتقدون أن احتضان الأبناء يتسبب فى تدليلهم الزائد، وهم لا يعلمون أن احتضان الأبناء وتقبيلهم في منطقة الخَد أو الجَبين، لا سيما البنات، يكون له الكثير من الفوائد الصحية والنفسية المُتراكمة والمُمتدة بامتداد أعمارهم، وذلك بما يُطلقه من رسائل عَصبية وما يُحدثه من تفاعلات كيميائية تَنقِل إحساسًا لَمسّياً وعاطفياً وشُعوراً بالدِفءِ والطُمأنينة والحنان، ويُساعدُ على زيادة مستوى الذكاء لدى الأبناء، ويَرفعُ من مُعدلات نموهم، بتنشيطه للإندروفين الذى يرفع الإحساس بالأمان ويُقلل من العصبية ويُبّددُ الألم والقلق النفسى.. وليكن لنا فى نَبينا محمد، صلوات الله عليه، القُدوة والمَثَل، فقد كان يَهتم بالأبناء ويَفيض عليهم من حُبه وحنانه، فَيُقبّلهم ويُداعبهم ويُلاعبهم ويسأل عنهم ويُسلم عليهم ويَمسحُ بِيده الشريفة على رؤوسهم، انظر ما رَوته أمنا الحبيبة عائشة، رضى الله عنها، قالت: جاء أعرابيٌّ إلى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: تُقبّلونَ الصبيانَ فما نُقبّلهم، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أوَ أَمْلِكُ لَكَ أن نَزعَ اللّهُ من قلبِكَ الرحمة.. وعن أبي هريرة قال: قَبَّل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين وعنده الأقرع بن حابس فقال: إن لي عشرة من الولد ما قَبّلتُ منهم أحداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مَن لا يَرحم لا يُرحم.

أما عدم الإشباع العاطفى، الناتج عن إهمال الاحتضان والتقبيل، لا سيما فى تلك الظروف العصيبة التى تَمُرُ بها أمتنا العربية والإسلامية حيث تُظِلّهُاَ سحابة سوداء من دعاوى التَّناحُر والشِّقاق والتَّقاتل والتشَّرذم والانعزال والتَّفرق والإقصِّاء والتَّباغض والكراهية والعُنف والقَسوة.. فيكون سَببًا فى التَّفكُك الأُسَّري، بل قد يُؤدى إلى بعض الأمراض النفسية، ورُبما إلى الانحرافات والجرائم العائلية والخِيانة الزوجية، فَضلاً عَمَّا يَترُكهُ من آثار سَيئة وخَطيرة ودائمة على نُمو الأبناء جِسِّمياً وعَقلياً وعَاطفياً واجتماعياً، ويُفقدِهُم الثقة بأنفسهم، فيُصبحون ضِعَافاً فى مواجهة الحياة وضُغوطها..

الخلاصة إذاً أن الاحتضان والتقبيل أضحى سلاحًا وُجوديًّا مُهمًّا لحماية نفسك وأسرتك ومن تُحب من هَجمة جَحافل البُغض التى تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي الآن، عِلماً بأنه لا يوجد سِنُ مُعينٌ يتوقف فيه الأزواج عن احتضان وتقبيل زوجاتهم، ولا الآباء والأمهات عن احتضان وتقبيل أبنائهم، أو إهمال ما يُسَّمِيه العلماء (التفاعل الجَسد حِسِّي) معهم، بِحجةِ أنهم كَبروا على ذلك، فأكثروا من احتضان وتقبيل أزواجكم وأولادكم فإنهم لم ولن يَكبروا على الاحتضان والتقبيل.

هانفغتون بوست عربي  

شوهد المقال 1666 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ درس أول من وحي الخيانة الوطنية استرتيجية السياق وخطورة العدائين في أروقة الوهم

د.حكيمة صبايحي خارج السياق، كل الدراسات في العلوم الإنسانية: المعرفية والعرفانية، باطلة، باطلة، باطلة. تظلم الدراسات الخاصة بالعلوم الإنسانية البشرية جمعاء وعلى مدار الأبد،
image

حميد بوحبيب ـ * وقتها وماشي وقتها !*

د. حميد بوحبيب  الذين يعتقدون أنهم خلفاء كرونوس، ويعرفون علم الميقات ليقولوا لنا أن هذه المطالب لم يحن وقتها بعد ، أو أن تلك المسائل فات
image

نوري دريس ـ ما وراء جغرافية المشاركة الانتخابية

د. نوري دريس ثمة افكار مسبقة خاطئة حول السلوك الانتخابي, لعل اهمها الافتراض بأن المناطق الأكثر فقرا وحرمانا يجب ان تكون هي
image

وليد عبد الحي ـ المكانة الدولية للمملكة العربية السعودية

 أ.د .وليد عبد الحي  استنادا لخمسة عشر مؤسسة دولية لقياس المؤشرات الدولية ، منها مؤسسات تتبع للأمم المتحدة أو مؤسسات ترتبط بجامعات او مؤسسات
image

العربي فرحاتي ـ الواقعية في معناها المعادي للحرية

د. العربي فرحاتي  الواقعية عند النوفمبري والباديسي المستعمل كذباب "يوسخ " الحراك الشعبي السلمي.. هي أن يقبل الحراك بالديكتاتورية واستمرار الاستبداد وصيغ اللاعدل ..بل
image

رضوان بوجمعة ـ هذا الكتاب يختصر المشروع الثقافي للأستاذ الراحل زهير أحدادن

 د. رضوان بوجمعة  سنتان كاملتان تمران على وفاته، في هذا اليوم تذكرت هذا الكتاب مع استمرار مصادرة الفضاء العام من قبل المتاجرين بكل مآسي الشعب.هذا الكتاب
image

نصر الدين قاسم ـ إلى جنة الفردوس أيها الحكيم بوح على هامش الوفاة... الشيخ عشراتي

نصر الدين قاسم  وفاة الدكتور الشيخ عشراتي حبست أنفاسي وجمّدت الدم في عروقي، وأعجزتني عن التفكير، وحرقة الفرقة قبل اللقاء أصابتني في مقتل.. كلمني الرجل عن مرضه
image

عثمان لحياني ـ الحداثة الصلعاء

 عثمان لحياني  تُعنى الحداثة بصناعة الأجوبة لأسئلة معاصرة و مساعدة المجتمعات في التحول من الاستغراق في قضايا الهامش وعلاقة الانسان بالموت والجسد، الى التركيز
image

وليد عبد الحي ـ ألْغازُ الغازِ : رؤية مختلفة

 أ.د. وليد عبد الحي  في الوقت الذي انصرفت أغلب التحليلات لخيط العلاقة الجديد بين مصر والأردن وإسرائيل في قطاع الطاقة وتحديدا الغاز، فإني لا أعتقد
image

زهور شنوف ـ جزائريات..

زهور شنوف  لا أحب الكتابة عن الإنسان بوصفه "جنسا".. مرارا عُرضت علي كتابة مقالات عن "المرأة الجزائرية" وشعرت ان الأمر ثقيل.. "كتابة على أساس الجنس"! الامر

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats