الرئيسية | مجتمع الوطن | نسرين بن لكحل - إلى أصدقائي في الفايس بوك .

نسرين بن لكحل - إلى أصدقائي في الفايس بوك .

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 نسرين بن لكحل 
 
 
 
أسبوعان من عمرِ الغيابِ، خمسة عشر خيطًا في سمٍّ يخيطُ فم الكلام، حتّى أكفّ قلبي عن الخوض في معتركٍ عفن، و أكتفي بعزلة في محراب الانتظارِ..و ماذا يُضيرنا إن انتظرنا أيّاما أخرى! لا يسقطُ الانتظارُ و تبقى الأحلام مؤجّلة حتّى أوان قطافها، المهمّ أنّها ليست عاقرا..( عروس الملح)
أنتظرُ و أطلّ على وجعي بين الفينة و الأخرى كمحاربٍ قديم يتفقّدُ آخر هزائمه، و يُعزّي نفسهُ برهانه الخاسر حين انتهت الحربُ و لم يمت بطلا! كلّ شئ يبعثُ على الرّيبة هنا، حتّى و إن دخلتَ الواد آمنا، فلن تخرج منهُ بأقلّ من حيرة و دهشتين كأقلّ الهزائم !
تبتعدُ، و يألفك الغيابُ و تُنسى ككل الوجوه العابرة على سطح المرايا..و يفزعك الخراب الجاثم على النفوس فلا بهاء للأزرق إلاّ من وجوه الأحبة..و قلوب تفتقدك إذا ما ساءها غيابك، فليس الموت وحدهُ من له أحقيّة سلبنا من الحياة..
اشتقتُ للخربشة على حائطي و اشتقتُ أكثر للتسلّل خفية حينا و الظهور أحيانا أخرى بين كلماتكم و تصفّح عيونكم جفنا جفنا، فما تخفيه القلوب تكشفهُ العيون ..غير أن هذا الوضع المتأزّم يجبرني على الصمت .. فهنا من كلّ المشاهد ما يريبك، يضحكك و يجعلك تعضّ على شفتيك ثم ما تفتأ أن تصرخ: وقتاش يخلاص هذا الفيلم يا ربي؟ و لأنّ الله يَسأل لا يُسأل..أستغفره ثمّ ألوك ما أقرؤه هنا و هناك من صحافة الهفّ، و صراع لغويّ حيث تجد المدافعين عن الفصحى بلغة ركيكة و أخطاء إملائية لا يقع فيها إلا مبتدئ، ضف إليها تصريحات عنصريّة و أخرى تغيّر مسار الحرب بطعن الشّرف، و تزجّ بالحرمات في صراع هويّة، و بدلا من أن تكون الضحيّة بريئة تراها تستلّ سيفها كأنّما تقول: الطعن قصاص، و لأنّ للشّرف حرمة الروح فالسّيف موجود، و الموساد بالمرصاد ! 
هنا حروب لا قاتل فيها سوى الألسنة لكن القتيل وطن، و تراهم يعبّئون اللّغة كطلقات في فوهات بنادقهم، يطلقونها في وجوه معارضيهم..و الأغرب أن هؤلاء ممّن يعدّهم الرأي العام منابر إعلاميّة تصلح لأن تقود رعيل الشعب نحو برّ الأمان..و أيّ أمان و المجهول يلوّح لنا أن حيّ على الشتات..هنا لا وطن، لا هويّة..لا تعايش إلا بالطعن و السّب و الشتم.. هنا تتأكد أنها معركة إثبات وجود ليس إلا، أما الوطن فحيلة يلجؤون إليها لكسب التعاطف، ناهيك عنْ حصد أكبر عدد من الاعجابات و المشاركات في سوق الكلام، و ملء جيوبهم بدراهم معدودة تُضاف لرصيدهم المرتبطة أساسا أسهمهُ وفقا لبورصة الفتن و الإشاعات التي تفضحُ كلّ شيء إلا فيما ينفعُ الوطن و المواطن البسيط..
هنا يُخيل لك أنّ المجتمع كله واع..مثقف و قارئ! و حين تخطو خطوة واحدة فقط نحو الشارع تكتشف كم أنّ هذا العالم زائف، بنت غبريطا التّي قلبت المرميطا هنا لا يعرفها جاري السائق الذي يخبرك عن انخفاض الدينار الجزائري مقابل التونسي، و عنْ اضطراره لاحتساب سعر "الكورصة" بالسعر القديم رغم ما في هذا من إجحاف له..
صديقتي التي تعدّ لزفافها لا تعرف من الألوان سوى الأبيض، و لا تحفلُ بالأزرق إلا لكونه انعكاس السّماء على البحر الذّي تتوق لأن تكون أحد حوريّاته.. أما ابنة أختي التي تهجئ الحروف الفرنسية استعدادا لأول درس لها فيها، فتسألني ببراءة الأطفال و فضولهم و هي تشاهد معي بعض الصور التي تسخرٌ من قرارات بن غبريطا القاضية بتعليم اللهجة الدارجة تسألني : هل سندرسُ درس " الحوتة" و " الطبسي" و ماما تفلكسيلي من الطاكسيفون؟ 
أما صديقي فيختصر المهزلة في جملة واحدة: تعوّدنا من كاسيطة لكاسيطة و الشريط يستمر..فلا تشغلي بالك يا نسرين أيام و يطفو على السطح موضوع آخر ليطمس الأول.
ياه ..كم تبدو الحياة جميلة دون خصام، و وجع رأس تعجزُ علبة الأسبرين عن مداواته..
و أنت تتابعُ نشرات التحديثات التّي تتوالى تباعًا و كلها حروب دعائية تطعن في بعضها البعض..هذا يتّهم صاحبه بالزندقة و الآخر بالتشيّع ليس لله لكن لوجه فلان ..و آخرُ يثبت بالصور كيف أنّ فلانا نال منه بهتانا و زورا، فتنهال عليه برقيات المواساة و العرفان و نصرته كأنّه في حرب..و تبرز للعلن ثقافة تقديس الشخوص دون تبصّر و مناقشة الرأي.
حين تبتعد قليلا عن هذا الكوكب تتصالح جيّدا مع وقتك، و تكتشفُ كمّ النبض الذي كنتُ تلوكه و أنت تقضم أناملك غضبا و تزفرهُ مقتًا، لذا يبدو الانتظار جميلا وسط كومة من الكتب التّي تزودني بكثير من المعارف، و تحرّضني على التفكير بدلاً من متابعة هرطقات لا فائدة منها سوى إصابة الرأس و القلب بصداع لا شفاء منه إلا بقراءة كتاب..
الملاسنات الكلامية لا تنتهي و لن تنتهي طالما عرفنا أنّ للعربي لسانا إن لم يطلق عنانه سيختنق لذا أدرك حقّا أنّ العزلة ليست موحشة حين تنأى بك عن الخوض في حرب خاسرة، لا تقدّم شيئا لك و لمن يقرؤك، هنا فقط أوقن أن الحياد جدار فاصل بين الانحياز للهراء و مضغ الزفت..و المفر يكون بين الكتب حيثُ تحافظُ على قلبك سليما دون أن يزعجك رأي مخالفٌ ناقم ليس إلا، و تُجنب نفسك الدخول في مهاترات لا نفع منها سوى لوك الفراغ..
مجموعة كتب تنتظرني و أخرى أنهيتها و قراءات عنها ما زالت تتطلب مني أن أركز فيها قليلا ..حتى ذلك الحين كلّي رجاء أن تنتهي هذه الحروب قريبا فمن الآخر: صدعولي راسي هؤلاء أشباه المثقفين بخصاماتهم اللعينة و كلامهم الفارغ..من يبزنسون بقضايا الوطن التي تتطلب الوعي التام بعيدا عن النبش في الفراغ..

شوهد المقال 2288 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الاتصال في قصر المرادية.. من اللقاءات الدورية إلى الحوارات الفرنسية

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 182   الحوار الذي أجراه المسؤول الأول عن قصر المرادية مع قناة فرانس 24 الفرنسية عشية الاحتفال بالذكرى 58 لعيد الاستقلال،
image

اعتقال الدكتور فارس شرف الدين شكري في بسكرة الجزائر بسبب محاولته اعطاء حلول لانقاذ مدينته من جائحة كورونا

عين الوطن  الدكتور #فارس_شرف_الدين_شكري تم اعتقاله امس بسبب منشوراته على الفايسبوك حول كورونا وتفشيها، في #الجزائر لا تتحدث لا تناقش لا تهمس ببنت شفة ،
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

4.00
Free counter and web stats