الرئيسية | مجتمع الوطن | رياض بن وادن - صوم رمضان إزدهار أم جلب للإستعمار..!؟

رياض بن وادن - صوم رمضان إزدهار أم جلب للإستعمار..!؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

رياض بن وادن  

 

أيام رمضان تمر سريعة..كلنا يرجو الله المغفرة و الهداية..يطلب العفو و الرحمة..لكنه رغم الجانب الروحي الإيجابي في هذا الشهر، فنحن مطالبون بأن نُقيم أنفسنا خلال كل هذه المدة من الجانب العملي و الحضاري..و نجعله عينة في حقل التجربة و الملاحظة حتى نفهم أنفسنا أولا و نفهم جيدا الفلك الذي ندور فيه كشعب و كأمة.

 

الملاحظ التي رآها الجميع خلال كامل هذه الأيام من الصيام، أننا أظهرنا بتصرفاتنا و حركاتنا و عباداتنا أننا شعب بدائي يعيش وراء التاريخ و بعيد كل البعد عن إهتمامات الإنسان العصري و الشعوب الواعية التي تسعى لبناء دولة قوية و تعمل على تأمين غذائها..الشعب الواعي الذي يفهم التجاذبات السياسية..الذي يعي بأنه من خلال تصرف بسيط هناك دول تفسر و تعطي أبعادا جد دقيقة لذلك التصرف أو التعامل أو لذلك الخلق و العادات المنتشرة أو المسيطرة على الشعوب.

 

لا أدري كيف تلقى العالم القوي الذي يسعى لتوسعات أكثر و أكبر عبر العالم و لربح معارك إقتصادية و فرض شروطه و هو يرى شعبا كاملا ينام في هذا الشهر و قد جعل من المساجد بيوتا للقيلولة و للراحة و النوم!؟..أو كيف ينظرون إلينا من خلال تصرفاتنا أثناء التسوق و كأن حربا ضروسا قادمة توجب على الشعب أن يختزن من السلع كي يجدها عند الحاجة!؟.

 

النوم السبات و التهافت على السلع منظران كافيان لكي نُصّنف على أننا شعب قابل للإستعمار..و أننا لا نملك أدنى إرادة من أجل النهوض بالوطن..كيف ينام شعب و هو متخلف في أكثر المجالات؟..كيف يسمح لنفسه بأن يتكاسل و يركن للراحة و هو غير آمن غذائيا؟..كيف لشعب يُحَاججُ و يشكوا من غلاء السلع و الأكل و الشرب و لا يطرح السؤال على نفسه: لماذا هذا الغلاء و ما هو الحل للعيش الكريم..أهو كذلك لقلة العمل أم لكثرته!!؟.

 

عبر التاريخ عرفنا بأن الشعوب تُستعمر إذا كانت ضعيفة و غير قادرة على الدفاع على نفسها..أما في العصور الحالية فإن طرق الإستعمار أخذت بعدا آخر..تختلف و  ترتكز  على السيطرة على إقتصاديات الشعوب و على التنمية فيها..فالشعوب الكسولة و النائمة هي حتما تنشد الإستعمار من حيث تدري أو لا تدري.

 

أعتقد بأن مشكلتنا في الجزائر متعلقة بوعينا بحقيقة الأمور و جديتها..نحن لم نقتنع بعد و لم نفهم عمق المشكلة بأننا على حافة الإنهيار..لم نفهم بعد بأننا مستعمرون إقتصاديا و أن قراراتنا ليست في أيدينا و لهذا وجب العمل و التضحية و وضع برامج قابلة للتنفيذ لمعالجة كافة الأمراض.

 

يبدو لي في كثير من الأحيان و كأنه ما كنا نملكه من قوة لصناعة النجاح قد زال و اندثر مع خروج المستعمر الفرنسي بقوة السلاح..فهناك رمينا بكل ثقلنا و بكل جهودنا..لكننا فقدنا الرغبة في الحياة و في النجاح و في بناء دولة قوية تعتمد على نفسها بعد الإستقلال!!.

 

الرائع في الثورة التي قام بها "غاندي" زعيم الهند أنه لم يواجه المستعمر الإنجليزي بقوة السلاح و إنما واجهه و تغلب عليه بقوة الروح و بالعزيمة و الإرادة التي غرسها في شعبه..فخرج المستعمر الإنجليزي و بقى الهند يبني دولته و يزاحم تكنولوجيا الدول الكبرى و هذا بفضل العزيمة و الإرادة و حب صناعة الحياة..رغم النقائص و المشاكل التي يعانيها هذا الشعب الهادئ.

عندما أنظر لعقلية الشعب الجزائري و إلى عقلية مسؤوليه أتذكر مقولة واردة في إنجيل لوقا من أجل إسكات الضعفاء و الضحك عليهم و أكل أموالهم: "طوبى لبسطاء العقول فإن لهم ملكوت السموات"..و هكذا فطوبى لنا بالنوم و الكسل و تعطيل مصالح الناس لأنه لنا ملكوت الجنان و الفردوس الأعلى!!.

 

إن الذي يليق بنا حاليا أجده في تعبير "توينبي" المؤرخ البريطاني حيث يقول: لابد من الخروج من حالة الyin إلى حالة ال  yanو هو يعني بذلك الخروج من حالة ما قبل الحضارة إلى حالة التحضر على حسب التعبير الصيني..و نحن مطالبون بالخروج من حالة الركود و عقلية التواكل و التفكير مثل الأجداد إلى عقلية العصر و العمل و فهم دقائق مداخل السياسة و الصراع الحقيقي الدائر حاليا حول الثروات للنجاح و لتفادي إستعمار أشد و لكي لا نتسبب في رهن الوطن و بيع خيراته و وضع ديونا ثقيلة على كاهل أبنائه الحاضرين و القادمين.

 

 كاتب جزائري مقيم بالسويد 

 

شوهد المقال 1410 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats