الرئيسية | مجتمع الوطن | عماد البليك - جداريات رمضانية (1)

عماد البليك - جداريات رمضانية (1)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 

عماد البليك 
 
سيظل شهر رمضان معلقا عندي دائما بذكرى حزينة، ففي يوم الخميس التاسع من رمضان 1434هجرية الموافق الثامن عشر من يوليو 2013 أي قبل عامين من الآن تقريبا، رحل والدي رحمه الله عن هذه الفانية، كانت لحظات غامضة في هوية الموت كصيرورة لابد منها لنهاية حياة وبداية حياة. الموت كغرابة وكحزن دفين وكفقد، وكأشياء كثيرة نعجز عن وصفها أو احتوائها في هذا العالم. سأكتب خلال هذا الشهر الكريم مجموعة من الحلقات حول شهر رمضان من خلال ذاكرتي وذكرياتي، وذلك في بلدي الأم السودان. وليس الهدف هو إعادة الذكريات أو الوقوف عند إطلال الزمان الباقي، بل توثيق هذه الحياة التي كانت والمستمرة في عطر الأجيال، بحيث أن الدنيا تكتسب معناها في ساعات كثيرة من خلال الذاكرة والقدرة على أن يكون لليوم ظلا في الأمس. إن حضورنا الأكيد في هذا العالم ليس إلا إشارة ضوء لكوننا جئنا من مكان غامض وذاهبين إلى مناطق أكثر غموضا سواء في حيز الواقع والمثول الأبدي لمعنى الذات في العالم أو من حيث المشيئة والقدر وكثير من المعاني المرتبطة بفيزيائنا كبشر ليس لنا من أدلة كبيرة نقبض عليها لنثبت أننا خالدون إلا من خلال القدرة على التذكر والانتشاء بهذه الذكريات الأكيدة التي تمنحنا السعادة أحيانا ومرات الحزن وتحرك فينا الكثير من لواعج الأمل والحنين والأشواق.. حقيقة الأنا العجيبة ورغبة الانتباه لهذا العالم الأرضي الذي ما يفتأ يثير حولنا الأسئلة المربكة.
قلت إن رمضان سيظل عندي ومنذ تلك الوهلة التي جاءني فيها خبر وفاة والدي في غربتي عن الديار التي امتدت لسنوات طويلة، وما كنت أظنها. مرتبطا بطاقة حزن. ولعلني أعشق الحزن منذ صغري وأراه فاعلية إيجابية في العالم وأتذكر أنني كنت دائم الامتثال للرواية المنقولة عن هند أبي هالة التميمي وهو ربيب رسول الله، أمه خديجة بنت خويلد، وأبوه أبو هالة، وقد روى الحسن بن علي عن هند أبي هالة، قوله في وصف النبي حديثا طويلا، كنت استحسن منه قوله: "كان رسول الله صلي الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السكت لا يتكلم في غير حاجة". 
وكنت أفهم أن هذا الحزن ليس له دلالة الألم ولا القسوة على الذات إنما هو استغراق في معنى آخر للحياة غير التوقع والمرئي والمباشر، فالنبي كان له رؤيته للعالم التي تقوم على التقاط البعدين المرئي واللامرئي من الوجود، بنفس شفافة وعادلة في التعامل مع القرائن والأحوال. وقد أشار ابن تيمية إلى أن المقصود بـ "متواصل الأحزان" هو "الاهتمام والتيقظ لما يستقبله من الأمور".
لكن طاقة الحزن الجديدة التي تفتحت أبوابها في ذلك اليوم كانت أخرى وغير ما ألفته، جعلتني أتوحد مع العالم بناء على نسق جديد، واقترب من فهم حقيقتي لأناي. إن الموت بقدر ما يحرمنا من أناس نحبهم إلا أنه يعلمنا كيف أن نفهم الحياة وأن نكون مثابرين على المضي بالإخلاص للمعنى إلى أبعد درجة ممكنة، كما أن تمثلات الموت في صوره غير الكلاسيكية تعلمنا أن الحياة ليست هي الطبقات المدركة والمعاشة إنما هي أعمق من ذلك، فإذا كانت الحياة في التصورات الشكلية هي الواقع المرئي والمباشر فإن الحياة في سيرتها العميقة هي الواقع الأبدي الذي يمزج ما بين عوالم اليقظة والغفوة والهواجس والبرزخ، ففي لحظة معينة يكون لكل هذه العوالم المتفاوتة أن تلتقي في حيز واحد هو ذواتنا بعد أن نكون قد تدربنا على المزيد من وعي حقيقة الذات والاقتراب من فحوى هذا الوجود الملغز.
إن الحقائق الروحية في حياة الإنسان هي جانب ملهم ومهم ولكن الأمر الذي يكتنفها ويجعلها غامضة أنها لا تتحقق إلا عبر تدريب قاس ومران ليس سهل أبدا، لأن سيرة الذات الإنسانية أنها تتعلم وتظل تمارس التعلم إلى ما لانهاية، لأن الحياة جبلت على اشتهاء السؤال وكلما توقد الذهن واشتغل بالتدبر والتفكر والانتباه لما وراء العوالم المرئية والمحسوسات والمجسدات، كان له أن يقع على سحر هذا العالم أو اقترب منه على الأقل، لأن التحقق النهائي ليس إلا وهما في أغلب الأحيان.
صيرروة الحياة والمعنى والذكريات والأحزان.. وسيرة رمضان.. كلها قصص وحكايات وسرديات تتحرك في ذهني بشغف بحيث يصعب القبض عليها مرة واحدة وتشكيلها في هوية نص محدد. إنني أحاول أن أكتب هنا عن ذلك المعنى الغائب وعن تلك الأيام وما بعدها، وذلك من خلال حضور آني يعني لي أن ذلك القديم ما زال قابعا في حيز اللحظة لم يبرحها، أي يتكيف معها ويعيد بناء ذاته وعلاماته في تقاطعه مع كينونة الحياة سواء في الأمس أو اليوم، كذلك مع أسرارها الكثيرة التي لا تنتهي.
إن سيرة رمضان وهي تتماهى مع حيز الذاكرة تعني الحديث عن ألوان وجداريات الزمان والمكان، تلخص تاريخا قد يذهب ذات يوم أو يتلاشى مع تغيرات الحياة السريعة في عصرنا هذا، لا شيء بات ديمومي ومستقر. القيم والمفاهيم وكل شيء يتبدل، كما الطقوس والعادات والتقاليد، فكل شيء يلبس لباسا جديدا لا ندري إن كان حسنا أم لا. وليس هذا بالسؤال المهم، إنما الأهم هو قدرة الكائن على التعايش والقفز الدائب من حيز الارتهان لأثر التاريخ بحيث يحرر ذاته وتاريخه الشخصي من كل القلق السلبي ويفتح باب الانتباه لـ "الحزن النبيل" كما جاء في غنائية الراحل مصطفى سيد أحمد، فليس كل الأحزان البشرية تتمتع بالنبل والصفاء والبعد الإنساني الخالص. 
أحتاج إلى أن أحرك ذهني سريعا وأن أقفز في حيز الزمن إلى تلك اللحظات القديمة ومن ثم أعود للحاضر لكي أكتب. أعيد السيرة والصيرورة وأسجل على الجدار قصة تلو أخرى. وحكاية بعد حكاية. فرمضان يظل سردية لامتناهية من حيث التداعيات والقصص، كشهر اختصه الخالق ليمنحه صفة التميز والحضور دون غيره من الشهور، وهو واحة للتنقل في فضاءات الذات اكتشافا لوعي جديد وقيمة أخرى غير العادي والروتيني، وربما من هنا تأتي الحكمة والملاذات المرتجاة. وقبل أن نشرع في الحكاية.. ليغمض كل منا عينيه ليتذكر تلك الأيام الغابرة وربما كانت قريبة إن كان حديث السن، ليرى كيف بدأت علاقته تتشكل مع شهر رمضان، كيف أصبح يصنع له الصور والمشاهدات والحكايات، وكيف تحول إلى علامة في ذاكرته وبأي لون طبعت هذه العلامة، وهل من أحبار سرية سوف يكون للروح أن تكتب بها سوى شكل المرئيات الماثلة التي تراها العيون. في حين أن السحر الحقيقي يكمن فيما وراء تلك المرئيات.
emadblake@gmail.com

 

تنشر هذه الحلقات يوميا بصحيفة "اول النهار" السودانية ضمن عمودي "لا يحكى"


الصورة: والدي عبد الله البليك رحمه الله
 

 

شوهد المقال 1706 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

البشير بوكثير في 01:30 20.06.2015
avatar
رحمه الله وأكرم مثوانا ومثواه..
تعازينا أستاذنا الفاضل.

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats