الرئيسية | مجتمع الوطن | حميد بوحبيب ..... الطفل و الطبشور انطباعات تلميذ أصبح أستاذا

حميد بوحبيب ..... الطفل و الطبشور انطباعات تلميذ أصبح أستاذا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د.حميد بوحبيب 
 

 

 

كتبت البارحة عن الخامس من تشرين [ أكتوبر] ، ذكرى الانتفاضة الشعبية 1988 ، و لم يغب عن ذهني أن هذا اليوم هو أيضا اليوم العالمي للمعلم .... فماذا يمكن أن أقول لكم يا أحبة . 
دعوني أحاوركم من زاوية انطباعية بحتة ثم سأعود إلى خطاب العقل ... 
من زمان قرأت رواية " المعلّم " للروائي الكرغيزي جنكيز إيتاماتوف ... في فصل من فصولها يتحدث عن معلّم في قرية معزولة ، يحب مهنته و يحب الأطفال ، إلى درجة أنه كان يحمل على ظهره كل طفل عاجز عن المشي في الثلج ، ليقطع به الوادي المتدفق ... و ما أن فرغت من القراءة حتى درات دوّامة الذكريات في أعماقي ... و قلت ربّاه ... أنا أيضا عشت مثل هذا الموقف : كنا في السنة الثانية ابتدائي ـ موسم 72 ـ 1973 ... و كان علينا أن نعبر الوادي المنهمر ... و كان الجسر مجرد عمود خشبي من شجر الصنوبر ، نحته الفلاحون بحيث يسهل المشي عليه ... و كان من السهل على تلاميذ السنة السادسة و الخامسة عبوره ... أما نحن فكنا نخاف السقوط إلى أسفل ، و نخاف أن يجرفنا التيار ... و ذات صباح كان الثلج و الجليد قد فعلا فعلتهما في تلك الأصقاع من بلاد القبائل ... و وقفنا أمام الجسر الخشبي خائفين مترددين ... و أقبل علينا المعلم [ اسمه يحياوي محمد] ، و أخذ يحملنا الواحد تلو الآحر إلى أن عبرنا جميعا ... و التحقنا بالمدرسة سالمين ؟؟
هذا المعلم و أمثاله وجدوا في كل قرية ... و ليسوا كائنات من صنع الخيال ... و قد أتيحت لي الفرصة لأدرس على أيديهم في كل أطوار التعليم ... كانوا فعلا يعشقون مهنتهم ، و كانوا حريصين على تنوير عقولنا ، لأن العلم نور ... هكذا تعلموا و هكذا أرادوا لنا أن نتعلم ... و لم تكن رواتبهم الشهرية تسمح لهم لا بشراء سيارة و لا امتلاك بيت ... و قد علمت من أحدهم أنه في الموسم الدراسي 63ـ1964 كانت خزينة الدولة فارغة ، و لم يتلقوا من أجورهم سوى راتب شهرين ، و طلبت منهم السلطات أن يأخذوا بدل المال كميات من الحبوب ... ] يأخذونها من مخازن مدينة البويرة ... و لكنهم رفضوا ، لأن الحبوب متوفرة في قراهم ... و راسلوا المديرية ، و طلبوا منها أن تمنح تلك الكميات للمحتاجين ... و قبلوا أن يدرّسوا عشرة أشهر بلا مقابل ؟؟
في مرحلة لاحقة ، درّسني معلمون ، كانوا يشترون لنا القواميس و المجلات و الأدوات من أموالهم الخاصة ؟؟ 
تعلمت منهم جميعا عشق الطبشور و السبورة و التلاميذ ... و حب التفاني و تقديس العرق اليومي ، فضلا عن حب العلم و الفضول المعرفي و الروح النقدية .
في الثانوية [ ثانوية عبد الرحمان ميرة ـ البويرة] ،وجدت عالما آخر ... كأنه برج بابل ... كانت قاعة الأساتذة تضم [ قبل موجة جزأرة التعليم] أساتذة من أكثر من عشر جنسيات ، أذكر منهم ممن درّسوني : الفرنسي ، البولوني، الروسي، الهندي، الباكستاني، العراقي، السوري، المصري ... و كان كل واحد منهم يتفانى ليعطي أحسن صورة عن بلده و ثقافته و لغته ... منهم تعلمت حب اللغات ـ كل اللغات ـ و تفتحت روحي عن آداب تلك البلدان و عادالتها و ثقافاتها ... و منهم تعلمت أن أكون لائكيا قبل أن أصبح ملحدا متسامحا مع الأديان.
هذه المدرسة بلا شك تغيرت ، أقبلت عليها موجات من المتطفلين و المشعوذين الذين اشاعوا الرداءة و غيّبوا العقل و اغتالوا العلم .... و لكنها لم تخل يوما من معلمين نزهاء شرفاء يحبون عالم الطفولة و يحرصون على تنويره قدر ما استطاعوا .
و حتى في مرحلة بن بوزيد التي يتعسف البعض في انتقادها ، وجد أمثال هؤلاء المستنيرين الحاملين لواء المعرفة ... و هم الذين سمحوا لولديّ أن يصبحا شابّين عقلانيين ذكيين . و ليس صحيحا أبدا أن الإرهاب و التعصب و التطرف الديني وليد المدرسة ... و إلا فكيف تفسرون أن نفس هذه المدرسة تخرج منها أيضا البربري ، و البعثي و الماركسي و الليبرالي و ... كلا من يقول مثل هذا الكلام ، يريد أن" يمسح الموس" [ بلغة عيد الأضحى] على سبورة المدرسة ، ليعفي المجتمع بأسرته و مساجده و إعلامه و دينه من التبعات التاريخية المترتبة عن سوء تربية الأجيال .
إلى كل هؤلاء ، و إلى كل الذين أسهموا في بناء شخصيتي و ثقافتي و رؤيتي للعالم و القيم 
ألف تحية شكر و تقدير و عرفان بالجميل ... فضلكم عليّ أبد الدهر معلّق على كاهلي ... تحياتي أيها المعلمون المستنيرون .

 

 

ألف تحية و ألف شكر و تقدير ... فضلكم عليّ أبد الدهر معلّق على كاهلي ...

 

شوهد المقال 1734 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي
image

أبوطالب شيبوب ـ كلمتين بالدارجة الجزائرية لمن يحاول التحريض على الحراك الجزائري

أبوطالب شيبوب  كلمتين بالدارجة راهم في خاطري وبغيت نقولهم قبل ما نرقد.. بالاك غدوة نموت ومازالوا حاصلين ليا في الڨرجومة: راه كاين واحد الفرق ااواضح -
image

العربي فرحاتي ـ نقد النقد ضروري..أيضا ..المتنمرون على الحراك الجزائري

د. العربي فرحاتي  كنا ننتظر من نخبنا الحراكية بعد هذه الهبة الاستئنافية للحراك أن تقرأ المشهد الاستئنافي بروية وبصيرة وتوجه انتقاداتها إلى السلطة .وتحثها على
image

خديجة الجمعة ـ امرأة ثلاثينية

خديجة الجمعة وقفت امرأة ثلاثينية، تخاطب نفسها!! اهو الزمان قدعصف بي أم أنا عصفت بهذا الزمان؟! وهل هم الأصدقاء مابرحوا ينتظرون الزهور التي أعددتها لهم؟ أم
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

1.00
Free counter and web stats