الرئيسية | مجتمع الوطن | جيل الرسائل الغرامية

جيل الرسائل الغرامية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فاروق عبدالجبارالبياتي

نشر صديقي الدكتور عماد عبد اللطيف سالم النص أدناه، وقد أثار فينا الكثير من الشجون القديمة :
تواصُلْ
لا يتواصلُ العشّاقُ الآنَ كما ينبغي ،
أصبحَ الحُبُّ باهت الطَعْمِ .. كالوجباتِ السريعة ،
والنساءُ بلا رائحةٍ .. في باحةِ البيتِ المُقابلِ للروح ،
والبناتُ لم يَعُدْنَ كما كنَّ .. عَذْباتْ
يتهادَيْنَ كالحُلمِ عبر السياج
أصبحنَ مليئات باللَغْوِ
يُثَرْثِرنَ طيلةَ الوقتِ
كدجاجاتٍ حانقاتٍ
على ديكٍ غائِبْ .
(عماد)
ــــــــــــــــــــــــــ
فكتبت له :
ربما يستحق جيلنا الستيني أن يحمل الى جانب توصيفات عدة لقب (جيل الرسائل الغرامية)، وهو الجيل الذي تلمّس عنفوانه منذ بداية الستينيات وحتى بداية السبعينيات، يوم حطّت الرسائل الغرامية رحالها إثر إتساع شبكة خطوط الهاتف، فذهب العشاق يتبادلون مشاعرهم عبر أسلاكها المطمورة تحت الأرض طمْرَ تلك المشاعر وبرودتها .... فتهاوت هيبة تلك الرسائل الورقية الملونة ولفضت أنفاس روحها العذبة، تلك التي ولعنا بها ونحن نتبادلها مع حبيباتنا في تلك السنين الصوفية.
كان الحياء جدارا نقف عند حده ولا نجرأ على تجاوزه، ولم يجل في خواطرنا ما يدعونا الى الاستجابة الى غرائزنا إطلاقا، ولا نملك الخيال الذي يعرّي حبيباتنا، فالحب يومها زادُ مُسافر وكسوة نبي .... كان الحبُّ والحبُّ وحده هو ما تتسع له إحلامنا، كان كافيا لإشباع غرائزنا (البيضاء)، .... كانت دقات القلب المتسارعة كلما مرت الحبيبة كافية لتشعرنا بإنسانيتنا، بوجودنا الآدمي، كانت مفردات مثل (الحب والصبِّ والوجد والولهِ والغرام والهيام والعشق والإفتتان والتلوع والتفجّع والإنتظار والسهد والسهر والآهات ، والروح والقلب والنبض) تملأ رسائلنا.
وسائل توصيل غريبة كنا نوصل بها رسائلنا، غرابة الفضاء الذي كان يفصلنا عن محيطنا، فقد تختار ان ترمى رسالتك عند باب الحبيبة وهي واقفة خلف الباب في غفلة من الأهل والجيران، أو لعلك تربطها بحصاة وتطوح بها نحو سطح دارتها، أو أن تسقطها من يدك على الارض خللَ خلوة وأنت تسير امامها بفارق خطوات في الطريق بين البيت والمدرسة، فتمتليء الحبيبة بالحرج وهي تضطر الى الانحناء لإلتقاطها ، أو أن تخبئها بين دفتي كتاب تبعثه بيد صبي صغير تغريه بقطعة حلوى.
.........
كان أسمها فائزة .... لم أجد من يقاربها سحرا وجمالا إلا فائزة ..... هيفاء هنوف، غضّةٌ بضّةْ .... في خفرها وحيائها تجمّعت إنوثة الكون كله .... صباحات طوال كنا نتقاطع فيها ونحن في طريقنا الى مدارسنا، عشراتٌ من (صباح الخير) أسمعتها، فيما ظلت عيونها الحوراء وحدها من تجيب بصمت ..... حتى أسمعتني ذات صباح ..... (صباح النور).
عام ونصف مر بعدها ونحن نتبادل الرسائل ..... لم أتحدث الى فائزة يوما ... ولم تحدثني يوما فائزة ..... لم تسمع مني غير (صباح الخير)، ولم أسمع منها غير (صباح النور) ..... يا لتلك الصباحات ويا لذلك النور .
عام ونصفٌ مضيا حتى وقعت الواقعة، يوم أمطرت السماء سيولا لليل بطوله، وغرقتْ الشوارع والساحات، ... فتلاه صباحٌ مضببٌ باردٌ رطبٌ، وسماءٌ محجوبة بالسحب الرمادية الداكنة.
كان على فائزة أن تعبر من رصيف هي فيه الان الى رصيف في الجهة المقابلة ....... كان هناك من تطوّع باكرا لمد جسر للعابرين من الصخور الكبيرة والمتباعدة، ....... تطلعتُ الى فائزة عن بعدْ، وبادلتني هي النظرات ، لكأنها تشكو قلة حيلتها وخوفها من فقدان توازنها ووقوعها في الوحل، ... فخفّتْ روحي الصبيبة لها قبل أن أحمل بعضي إليها ، ونزلتُ المياه المثلجة سيرا حتى أدركتها ...... مددتُ لها يدي فاتحا كفي ... مدتْ هي إليّ أصابع كفها على استحياء ..... تركتْ أصابعها فوق راحة كفي .... أطبقتُ أصابعي على اصابعها.
وإن أنسى العمر كله ، لن أنسى كيف صعدت نصف روحي الى السماء وما هبطت حتى الساعة .... يا ربة الأرباب .... أيتها الآلهة الرحيمة : بعد أكثر من عامٍين من الوجدِ والعشقِ والحبِّ والهيامِ والولهِ والولعِ ، ها هي اصابع فائزة مضمومة داخل كفي ...... كان نسغ دفئها يسرى في يدي مسرى دمي وروحي ..... أي هبة سماوية هذه التي انزلت قطرها في ذلك الليل؟ ....... مشيت بها مثل ناسكٍ متوّحدٍ بلا أهل بلا عشير ... .. أزفها فوق الصخرات ... من صخرة الى صخرة تليها .. قدماي تخوض داخل المياه والحبيبة ترسل قدم لصخرة ثم قدم أخرى لصخرة أخرى ... مثل آلهةٍ كانت فائزة ساعتها ، هبطتْ للتو من السماء لتبلغ مآلها وتعود ... نازعتني الحروف فوق لساني الذي جفّ الآن تماما، فلا أنا بقادر على الكلام ولا هي بقادرة ، لكأننا نعزف سمفونية الصمت المقدس ! ..... ولكن .... أجزم وأقسم بخالق الكون أنها سمعت نبض قلبي ......
ولحظة أوصلتها الى الطرف الثاني ... إلتفتْ إلي فائزة محنية الرأس وكانت عيناها لأول مرة قريبة من عيني .. فاذا ببريق دمعةٍ يغطي وسع عينيها الواسعتين لتقول (ألهذا الحد تحبني؟) …. كاد قلبي يتوقف، ولم أفلح بنطق حرف واحد ... دمعتْ عيناي .... واستدرت مداريا دموعي وارتباكي وخجلي ووجلي ... فأشارت إليّ أن آخذ منديلها .... يا لمنديل فائزة الذي رافقني عمر بطوله ........... عدت أدراجي وقدماي مملوءة بالوحل ..... لم أذهب الى مدرستي ذلك الصباح ... لم اتحدث الى أحد في البيت ... اغلقت عليّ باب غرفتي ..... تملكني شعور، مازال حتى الساعة - كلما استشعره - تتسارع دقات قلبي معه ... لم أنم الليل ... كان دفء اصابعها أزليّا معمدا بالصلاه، ما بارح كفي ... وكان منديلها تعويذة إلهية وقتني شرور عالم بأسره ...
فكتبتُ في رسالتي إليها .... (لحظة كانت اصابعكِ مخبوءة بكفي، كنتُ أتسمّع دبيب عرق قلبي يتصبب بين الضلوع ، هل سمعتيه يا فائزة؟) ....
فكتبت لي في جوابها .... (نعم) .................
طابت قلوبكم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
farooqalbasha@yahoo.com
https://www.facebook.com/farooq.albasri


شوهد المقال 1830 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية
image

كمال الرياحي ـ #سيب_فارس اطلقوا سراح الدكتور فارس شكري الباحث والمترجم

كمال الرياحي  #سيب_فارس نطالب السلطات الجزائرية الإفراج الفوري على الكاتب والمترجم والناشط المجتمعي الأستاذ فارس شرف الدين شكري والاهتمام بمكافحة الفيروس

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats