الرئيسية | مجتمع الوطن | سلمى اللواتية .... هبة الموت!

سلمى اللواتية .... هبة الموت!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سلمى اللواتية

لا يشل الحياة كما الموت، ولا يُحيِهَا كماه، وهو الموت لا يهرب المرءُ من حدث مثله، والمفارقة أن لا تجربة تلازم الإنسان كالموت؛ فمهما هرب منها أو تهرب؛ فهو يعلم يقينا أنه ملاقيه، والعجيب أنه مع ذلك يستمر في تجاهل حقيقة الموت. ولست أدري هل يجوز لنا أن نسميه تجربة، والتجارب عادة ما تزيد من رصيد خبرة المرء، وخبرة من عرفها، والموت هو التجربة الوحيدة التي لم يعرف مخلوق قط ما طعمها وذائقتها ممن سبق له خوضها، ولا يتمكن أبدا من نقل خبرتها؛ فهو يدفنها معه سرا غامضا لا يعرفه سواه! وبمقدار تجنب الإنسان له في حياته بالحرص والحذر على روحه، وبمقدار ما يخيل إليه أنه لن يكون الأول من بين أقرانه، وبمقدار طول الأمل الذي يلازمه بالعيش الطويل في هذه الحياة، يظل ويظل العالم الغامض لما بعد الموت محور تفكيره الذي ينطق به لسانه كاشفا حديث روحه معه. بيد أنه ومنذ وجوده تقبل حقيقة أنه سيكون واعيا تماما في حياته الثانية، وأنه سيحقق هناك الخلود الذي استحال عليه تحقيقه في سابقتها. والواقع أن الإنسان في كل الديانات الوضعية سعى لتثبيت أنه موعود بالخلود بعد هذه الحياة، استجابة لندائه الفطري؛ هذه الفطرة التي أكدتها الأديان السماوية؛ وهي الحقيقة تمامًا فهو لم يخلق لينتهي، بل ليرتقي؛ فمن ماء مهين يُنشأ خلق آخر محفوظا في رحم مُعجز، ويخرج للدنيا بشرًا سويًّا يكدح ليحل لغز الكون والحياة، فإذا انتهت أيامه انتقل إلى برزخ من عجائبه... إنه جنة المؤمن والآخر له ما له!! تلك الدار الغامضة التي تقود الإنسان إلى الخلود عبر أي سبيل سلك، وهي رحلة تكلمتْ عنها كل الديانات: وضعية كانت، أم سماوية، وكلها تقريبا تحدثت عن مصير سيئ للأشرار وطيب للأبرار؛ إذن فهو الارتقاء الذي تمنته البشرية وفطنت إليه في كل توجهاتها الفكرية؛ فمنها ما دفنت مع ميتها الطعام والمتاع، ومنها التي وضعت في فمه النقود التي ستمكنه من العبور للخلود.

ومهما كان من غموض العالم الآخر؛ فالارتباط عجيب بينه وبين عالم الحياة الدنيا التي يعيشها؛ والذي يكشف له بعض ظلام معالم القادم؛ فهنا يعمل؛ ليحصد هناك، وهنا يتحمل ليحيا بسلام هناك، ولكل فيها فلسفة خاصة لا تعدو هذه الحقيقة وهو ما لو تعمقنا فيه سيبعدنا عن هدف الحديث، ولكنني أتكلم عن الديانات السماوية والتي كرمت الخير الذي بذله الإنسان في حياته ليكون هو الرفيق الأوحد له في رحلته تلك، لاغيا كل الفوارق المادية التي قد يهان بسببها طيّب فقير، أو يعلو بسببها شرير ثري في الحياة الدنيا! وأما الماديون الذين ينهون الحياة بالموت، فقد أوقعوا أنفسهم في شراك قناعتهم تلك؛ إذ إن قولهم: "بأن المادة لا تفنى"، يعنى أننا سائرون نحو الخلود، وبعيدا عن الجدليات التي صنعوها لأنفسهم والدوائر المغلقة التي حبسوا أنفسهم فيها، وبعيدا كذلك عن إيمان المؤمنين بالبعث والقيامة، فالكل يموت.. وهذه هي سنة كونية، وبالموت يرتبط الفقد والحزن والألم والأسى، وهي مشاعر لم يستثنَ منها إنسان عاقل تقريبا على ظهر البسيطة -بل وحتى الحيوان والطيور- وفي بعض الدراسات أن الشجرة تحن لغصنها الغض المنزوع عنها!! لتتأكد حقيقة المساواة الإنسانية؛ في ظواهرها الأساسية وحاجاته الإنسان الأساسية، ومشاعره الفطرية، وتكوينه الجسدي، والتي لولاها لحار الطب وعلم النفس، والاجتماع، ولتاهوا في فلسفات أودت بحياة البشرية أسرع مما تفعله الحروب اليوم.

ولتقريب الفكرة، يمكننا أن نتخيل كل جسم بشري بتشريح مختلف؛ كيف كان الطب ليكون حينها يا ترى!! وطالما أوصلنا الحديث إلى هنا، فلنقل إن التأمل في الوحدة الكونية لو تعمقنا فيه سنجد أنه دال على وحدة الخالق في مفاهيم الذرة والنواة، بل وتقنية النانو اليوم، وقد يتاح لنا في مقال قادم التطرق إلى هذه الفكرة باتساع أكثر.

غير أنني أتطرق هنا لثنائية الموت والحزن، والتي لم يسلم منها أحد منا، ولا سلم منها من عاش قبلنا أو من سيأتي بعدنا! إن ذاك المنظر المهيب الذي نرى فيه أمواتنا حين يلفون بكفن أبيض، ويزيد الأمر رهبة أننا نراهم أجسادا كاملة لا تجيبنا ولا تلتفت لدموعنا الحارقة، والأكثر مهابة حين نودع تلك الأجساد الكاملة الثرى، ونسلمها لهوام الأرض، كي تفعل فيها فعلتها، ثم ننشغل بالحزن والبكاء متناسين. وأحياناً هاربين من طاقة التخيل التي قد تصور لنا أجسامهم بعد مرور عدة أيام!! ومهما كان منظر الكفن مُؤلما، ومهما كان منظر الدفن مهيبا فإن ألم الفراق تكون له السلطة الأكبر في أن نغرق أحيانا قي أحزاننا، بل ونستحث الذاكرة كي تزيد من اشتعال الحزن، واستمرار الأسى.

وفي وقوف قسري على هذه الثنائية التي أرغمتْ على المرور بها خلال عدة حوادث في الفترة الفائتة، ولفقد الأحبة وجع خاص، ولكنه يكون وافر المردود أحيانا حين يطول وقوفنا متأملين في الحزن إذ يعصف؛ والفقد إذ يغرس أنيابه؛ وفي أوج الحزن، وحين الحنين يموج بك في بحوره، تفكر يا ترى ما الذي سيجلب الصبر الآن؟ ترى ما المشترك الإنساني الذي تحتاجه لتصبِّر من يشترك معك في الإنسانية، بعيدا عن مفاهيم الإيمان؟! وكيف يمكن استثمار الحزن ليكون شعلة عطاء، بدلًا من أن يتحول إلى استغراق في النواح والبكاء؟!

لقد أودع الله الحزن كما الفرح، وغيرها من المشاعر والعواطف في تكويننا الإنساني، لذا فإنني ربما أختلفت مع الكثير ممن يقول بعدم جدوى الحزن تماما، وإنه وسيلة الضعفاء للمرور من منعطفات الحياة، فهو كالإحباط، واليأس تماما! ولا اظن أني لن أجد نصيرا للنظرة التي أؤمن بها، من أننا بحاجة إلى الحزن كي يلقي بظلاله علينا، ولو ذهبت أكثر من ذلك أقول إننا بحاجة إلى أن نخضع أنفسنا للحزن أحيانا؛ ذلك أن المشاعر الملتهبة والتي تمس الفقد بالذات هي عميقة عادة إلى حد كبير، أكثر من المشاعر المبهجة، وقد صدق المعري حين قال: وإن حزنا في ساعة الموت، أضعاف سرور في ساعة الميلاد، وهذا لا يحتاج إلى دليل، فقد تنسكب الدمعة رغما عنا حين نتذكر فقيدا عزيزا مرَّت على فقده سنوات، بينما لا نعيش لحظة فرحة ميلاد طفل بعد نفس العدد من السنوات! وفي هذا الاختلاف الفطري في تفاعلنا مع مشاعرنا حكمة بالغة لو أحسنا استثمارها!

ألسنا نرى أننا -ومن دافع الحب المُطلق لأحبتنا- قد نخلد أسماءهم بإطلاقها على المكتبات والمتاحف، وربما دور رعاية الأيتام ومراكز أبحاث ومؤسسات خيرية. وفي سبيل ذلك، فنحن نبذل من أموالنا، لإذكاء شمعة شمعة متقدة على الدوام تذكرنا بذلك الحبيب!! ألا يتحول الحزن هنا إلى دافع للبناء والعطاء، ثم أليس المرور على ذكراهم بين حين وآخر يدفعنا إلى فعل كهذا!! وهنا التفاتة جد مهمة ألا وهي أنه لو لم يكن الحزن المرافق لذكراهم في كل مرة دافعا للعطاء، فإنه سيكون أجوف، وفارغا، نعم فليس الهدف من الحزن ذاته بمقدار ما الهدف منه العطاء المتعلق به، هذا هو المشترك الإنساني العام بين البشر، وله جانب أجلت ذكره إلى هنا بالذات، ذاك هو سطوة أسى الفقد الذي ذكرت قبل عدة أسطر أنه يوقف طاقة التخيل لتتفكر في مصير أجساد من نواريهم الثرى، عند هذه النقطة بالذات أتوقف وأتمنى أن يقف معي القارئ العزيز ليفكر خارج الذات في فلسفة مفهوم العطاء الأكمل، إن هذه الأجساد التي ستختلط بأديم الأرض من أعضائها ما يمكن أن يهب الحياة لآخرين، فما بالنا غافلين عن هذا الجانب منه، والذي -وحسب اطلاعي- لا يحرِّمه الإسلام؛ بشرط مراعاة القواعد التي أسس عليها علماؤه الجواز، إن هذه الفكرة وهذا النهج وإن كان جديدا أفرزه العلم الحديث، إلا أنه حريٌّ بنا كأفراد مثقفين وعلماء الالتفات له بمزيد من الوعي والبيان لقيم العطاء المستمر الذي يحتويه، خاصة لإنسان تتوقف حياته على كلية أو قلب نابض بالحياة.

وإن كان العطاء -بمفهومه الإنساني- هو فطري، فإن الإسلام أطره وأعطاه أبعادا إيمانية هي الدافع لبلوغ مرضاة الله، واحتساب الفقد عنده فلكل ألم أجر، ولكل عطاء ثواب، وكلما مرت عليك ذكرى حبيب استدعي الحزن عظة العطاء من جديد، من صدقة أو دعاء أو قرآن يجلب السعادة والرضا على الذات، والنور والسلام على الأحبة الراحلين.

s.allawati@hotmail.com

الرؤية العمانية  

شوهد المقال 3399 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

نورا الواصل في 04:14 28.05.2014
avatar
السلام عليك وبارك الله فيك لى هذا المقال الرائع والهمنا الله الصبر من عنده
عند الشدائد وانما الحزن رفيق االانسان لا يبارحه ابدا.

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علي سيف الرعيني ـ الجابري الشاعر اليمني شاعرالارض والانسان

علي سيف الرعيني   الشاعرالجابري هوالأكثرتميزا شنف اذاننا بقصائده بمختلف اللهجات اليمنية نحن نتكلم عن الانسان المغرم بحب الارض والانسان ، لديه كتاب في علم العروض طريقة
image

ناصر جابي ـ هل صحيح أن الجزائر مقبلة على دخول اجتماعي وسياسي مضطرب؟

د. ناصر جابي  هذا ما توقعته مؤسسات دولية مختصة في دراسة الأزمات (كريزيس قروب) crisis group- ووكالة بلمبيرغ التي عادت للاهتمام بالوضع في الجزائر
image

نجيب بلحيمر ـ حديث المؤامرة

نجيب بلحيمر   في الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على فيسبوك نقرأ بيانا جاء فيه: "أمر اليوم رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الوزير الأول بفتح تحقيق
image

طارق السكري ـ اليمن خارج التعاطف

  طارق السكري  " نحن في نظر الدولة : خارجون على القانون . محل ريبة وعرضة للملاحقة أو النفي أو السبي . أو قبيلة من
image

خديجة الجمعة ـ عالم آخر

خديجة الجمعة   أنا وحدي عالم آخر لاأعرف نفسي، أينما ذهبت. فقد أكون موسيقى تعزف على وتر؛مرهفة الحس. وقد أكون في لحظة ما  تلك الصلبة التي لاتهزها
image

عادل السرحان ـ ماذا أُهديكِ يا بيروت

عادل السرحان                ماذا أهديكِ يابيروت سوى الكلمات ماذا أهديك وقد شُرِعَتْأبواب  الوطنِ  للسراق وللراياتهم ذبحوا كل الثورات هم كسروا كل الناياتْواغتالوا ألقَ الماضي وزهوَ  الحاضرِ والآتْماذا أهديكِ سوى الدمعاتفالدمعُ  كثير في وطني والجُرحُ
image

حميد بوحبيب ـ سيد الحماقات

د. حميد بوحبيب         للطبيعة حماقاتها... غديرٌ يتهادى رقراقا بين السهول ثم يغورُ فجأة في رحم الأرض ولا يعود إلى الظهور !
image

عثمان لحياني ـ موت السياسة في الجزائر

عثمان لحياني  مستوى السلطة السياسية كان أرقى بكثير في العقود السابقة، على الأقل كانت تعتمد نظرية المؤامرة عندما يتعلق باحداث أكثر جسامة ،كانتفاضة كأكتوبر
image

عبد الجليل بن سليم ـ فيروس COVID 19 علاقته مع الأصحاء، قلق الخوف

 د. عبد الجليل بن سليم  الان الكل و دون اسثناء يعرف مادا يفعل الفيروس بالذي أصابه لكن ماذا يفعل الفيروس بابالاضافة إلى العزلة و الحجر
image

مروان الوناس ـ الإشهار وسيلة ابتزاز النظام للصحافة الجزائرية

 مروان الوناس  منذ ربع قرن على الأقل كل المشتغلين في حقل الصحافة والاعلام يعرفون أن الاعلانات الحكومية التي توزعها شركة النشر والاشهار

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats