الرئيسية | مجتمع الوطن | أسماء حديد ..... الأنثى... لا مشيئة لها كما الآلهة...؟؟؟

أسماء حديد ..... الأنثى... لا مشيئة لها كما الآلهة...؟؟؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


 أسماء حديد *

 

هكذا يقرر الرجل في مجتمعنا.

مقولة قالها لي زميلي المثقّف، ذات نقاش، وكان -على الدّوام- يلحّ عليّ من باب عاطفة أخويّة طيّبة -وربما هو خوف يمليه عليه لاشعوره الجماعيّ- أن آخذ مسألة الزّواج بعين الاعتبار بدءا من الآن، وكان عندي في ذلك اليوم 26 سنة.

وقال لي إنّ الزّواج مسألة لا ينبغي الاستهانة بها، خصوصا بالنّسبة للفتاة، فليس زواج الفتاة(الأنثى) كزواج الفتى(الذّكر)؛ فالمرأة تُختار من طرف رجل ما، أي تخضع لرغبة الخاطب الذي يسنّ المقاييس ويبدع المعايير، في حين إن الرّجل حرّ في الاختيار، لا يخضع لمعايير من خارج ذاته، ويحقّ له التخيّر كيفما يشاء. ولذلك، فإنّ فرص الزواج للمرأة ستكون قليلة جدّا إن لم نقُل نادرة. وعليها إذن، ألاّ تفوّتها بحجّة عدم اقتناعها بهذا الخاطب أو ذاك؟

خالفته وجهة نظره هذه بقولي: "بل المرأة أيضا تختار. و اختيار الزوج أو الشّريك، هو حقّ للمرأة كما هو حقّ للرجل. ولا يمكن أن يتمّ عقد قران دون رضا هذه المخطوبة. وهذا حقّ مشروع لها قانونا، وتعترف به كتب الفقهاء التي كتبت من منطلق وعي الرجال.

واستغربت هكذا نظاميّة في التفكير والتّقييم والحكم على الأشياء؟ كيف لأيّ شخص عاديّ، أن يجرّدني –أنا المرأة- من حقّي هذا وينكر عليّ الاختيار؟ كيف يحقّ لأي كان، أن يملي عليّ تعاليم في ضرورة الارتباط في العاجل القريب، وحتميّة القبول بخاطب ما، يكفيني شرفا أنّه تقدّم إليّ. وإلا فإن خطر العنوسة يتهدّد وجودي بأكمله بوصفي (أنثى) لا حول ولا قوة لها، لأنها لا تختار شريك حياتها بل تستجيب طائعة أو مكرهة لأول خاطب يطرق بابها...؟

وردّ عليّ زميلي ساخرا من قولي:"مطلقا المرأة لا تختار. وكيف تختار؟ بربّك قولي لي؟ هل تخرج إلى الشارع وتختار رجلا من هنالك؟" وربّما لم يستوعب زميلي الفاضل مغزى كلامي، فأجبته:" ليس معنى الاختيار مشروطا بهذه الطّريقة. تختار المرأة في حدود وضعها الطّبيعيّ. وهذا ما قصده الفقهاء أيضا"...لكن زميلي بدأ ينزعج منّي حدّ السّخط، وقال لي أنت مخطئة في قولك هذا كثيرا...فارجعي إلى صوابك...المرأة لا تختار."

وبمنأى عن تحليل ماورائيات هذه المقولة، فكريا ونفسيا واجتماعيا، فضلا عن الاعتبارات الدّينية، التي ما عاد بإمكاننا فهم أبعادها في أيامنا هذه، من فرط لبس الحقيقة، فإنّ زميلي ليس الوحيد، ممن أنكر عليّ قولي هذا، ودفاعي عن حقّي الربّانيّ. فأساتذتي أيضا، فكروا وأوّلوا على الطّريقة نفسها، أنّ المرأة في علاقتها بالمدرسة والجامعة والكتب والقلم والعقل ...مجرّد طقوس عابرة لا يمكنها أن تكون جوهريّة في حياتها ووجودها، إنها مجرّد طقوس، أي المعرفة، وسرعان ما تعود الأنثى إلى (ذَكَرٍ) يتملّكها، بوصفه (آلهة) حياتها، بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا الذّكَر مرضيّا بالفعل من طرفها، أم أنه ضرورة حتميّة كغيرها من ضرورات العيش...

كان أستاذي الفيلسوف –رحمة الله عليه-  والذي تعلمت على يديه كلمة فلسفة في مرحلتي الثانوية، أول من حاصرني بهذه الأسئلة، ولم أتجاوز بعد 23 من عمري، وأنا في بداية دراساتي العليا فيما بعد التدرّج...؟؟؟ وعلى حكمته ورجاحة عقله، كان يلحّ عليّ تصريحا وتلميحا، أن أرتبط في القريب العاجل، وألا أنفق كلّ جهدي في الدّراسة؟؟؟ وكان بين الحين والآخر وأثناء حواري معه في شؤون الفلسفة والدّين...يتحول بي نحو سؤال جوهري:

لماذا لم ترتبطي حتى الآن؟؟؟

وكان يقول: "أنا أخشى عليك من الفكر المثاليّ، عليك أن تكوني واقعية بخصوص هذه المسألة، فالزواج كغيره من العلاقات المصطنعة. لا تحمّليه ما لا يحتمل. الزواج عموما، للإنجاب والاستقرار الاجتماعيّ لا غير...".

أمّا أن تتجاوز الأنثى سنّ 26 دون ارتباط، وتصل حدود 27 و28...فهذا يعني، من هذا المنظور، أنّها تجرّأت على الاعتداد بنفسها كثيرا، واقترفت جرما شنيعا هو رفض خاطب ما أو مجموعة من الخاطبين...وتستحقّ لعنة (العنوسة)، وأن تسمّى بهذه التسمية بديلا عن تسميتها الأصلية. وأمّا أن تتجاوز سنّ 30 فهذا يعني أنّها محكوم عليها بالسجن الانفراديّ المؤبّد، وربّما الإعدام اجتماعيّا...ولن تجد هذه الأنثى من المحيط الدّائر بها سوى نظرات الشفقة حينا، ونظرات اللّعنة أحيانا أخرى...وسيتمّ إخراجها من رحمة الله التي وسعت كل شيء...بمعية السيادة الإجتماعية التي تمتلك حقّ النّيابة عن الله في الأرض و الحكم على مصائر النّساء حكما مؤبّدا...؟؟؟

وخلاصة القول، بهذه الصيغة أو بغيرها، يتكلم كلّ من يقابلوننا في فضاءات المجتمع، حيث يتحوّل الزواج/الذّكَر إلى رمز ثقافيّ، إنّه أشبه ب: آلهة نتعبّدها صباح مساء.

ولا يحق للأنثى أن تختار/ لا يحق لها الرفض. عليها أن تموت فرحا مع أول خاطب يطرق بابها و لا يضيرها شيء...لا ثقافته ولا مظهره ولا جماله ولا حتى دينه: فالمعيار الوحيد والأوحد لأهلية وكفاءة الرجل هو (جيبه) كما تردّد جدّاتنا بين الحين والآخر؟؟؟ أمّا لسان حال مجتمعنا اليوم، فالمعيار أنه ذو عضو ذكري. عيب كبير بل هو عار أن تقول الأنثى أن فلان لا يناسبها...وأنه لا يوافقها أو أنه نموذج لا يرضيها، ولا يجوز لها -في هذه الأيام على وجه الخصوص- أن تشترط (الخُلق والفضيلة أو الدين أو العقل) فلتفرح فقط أن هنالك ذكرا كان من حظها، أو وقع في طريقها...

في المقابل، أصبح الشاب مغترا بمكانته من كثرة الإناث من حوله وكثرة طلباتهن وكثرة الراغبات فيه...بل يطرق أحدهم سمعك بين الحين والآخر وأنت على قارعة الطريق، ليقول ردّا على من يذكر له أمر الزواج والبنات:

(أو رَاهَمْ غِير هُومَا؟؟؟ انطق كَلْمَة وَحْدَة بَرْكْ يْجِيوْ يَجْرِيوْ...؟؟؟)

وهكذا يردّد الأستاذ في قاعات الدّرس مخاطبا الطّاليات: "تزوجن يا بنات وكفاكنّ تخيّرا...فالتخير في النساء لا في الرجال. والرجل هو من يحق له أن يختار شريكة حياته..."

وهذه هي العقلية الدونية التي نعلمها للبنات والبنين معا، حيث تكون الأنثى خطرا يتهدد مكانة الرجل، وعلينا إخماد صوتها وطمس ملامح شخصيّتها، حتى لا ترفع صوتها على صوت الرّجل. فالأنوثة ينبغي أن تظلّ خاضعة لهذه القاعدة:

أن الذكر أعلى شأنا، وأقوى نفسيّا وبدنيّا، وأنه السيد والآمر الوحيد...وأمّا الأنثى فتنفّذ فقط، لا تقول رأيا ولا تجادل رجلا ولا تتخير زوجا، ولا تتفوق على رجل...عليها أن تكون دوما الأدنى. هذا هو الفكر المعشعش للأسف حتى في الأوساط المثقفة/التّربويّة، ولو من وراء حجاب التحضّر والحداثة.

ويبقى للقضيّة أبعاد ومنظورات أخرى...

 *جامعة جيجل - الجزائر 

شوهد المقال 2496 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

1.00
Free counter and web stats