الرئيسية | مجتمع الوطن | أسماء حديد ..... الأنثى ... تلك "المسحوقة تحت أقدام المجتمع"...؟

أسماء حديد ..... الأنثى ... تلك "المسحوقة تحت أقدام المجتمع"...؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 أسماء حديد *              

 

هكذا قال زميلي المحترم ذات يوم.

لا شكّ، إنّ أيّ قارئ قد يصطدم بهذا العنوان، سيتوقع للوهلة الأولى أن كاتبة المقال تطلق وصفا تقريريًّا على وضع المرأة اليوم، سواء كانت مثقَّفة أو غير مثقّفة...

 إلاّ أنّ الوقوف وقفة تأمُّل، على هذه المقولة، ستنتهي لا محالة إلى صدم أفق توقُّع القارئ؟ إنّ هذه المقولة هي من إنشاء رجل من الوسط الأكاديمي، شابّ في مقتبل العمر، بل هو من تلك النّخبة/النُّدرة التي يمكن عدُّها مثقّفة بحقّ؟ ولهذا قد نستغرب كيف لرجل يجسّد نموذج الرّجل المثقّف في الوسط الأكاديميِّ، أن تصدر عنه مثل هذه المقولة؟

 إن زميلي -الأستاذ الجامعيّ- مهما بلغ من التّهذيب الفكريّ والرّياضة النفسيّة والملكات الروحية...ومهما كان ذا نظرة إنسانيّة، ومهما بلغت المرأة من مكانة في وعيه (الرجوليّ) الفذّ، فإنه يبقى ذلك الرجل الذي يتواجد في مكان وزمان ما، في مناخ اجتماعيّ مشروط ثقافيّا، وداخل إكراهات التّاريخ. إنه لن يتحرر بهذه السّهولة، من بين (فكيّ كمّاشة) إن شئنا استعمال مصطلح محمد أركون؛ فالعنف الاجتماعي العامّ من خلفه، والعنف الذُّكوري الخاصّ من أمامه، والاستلاب الأنثويّ العامّ والخاصّ من فوقه ومن تحته؟؟؟

 إنه نموذج المثقف الذي يؤمن بكينونة الأنثى، ولا يمكنه التّصديقُ بها في آن؛ فهو لن يتمكّن من محو تاريخ لاشُعوره الجماعيّ بين ليلة وضحاها...ولن يتمكن من تجاوُز الواقع الذي تتخبّط فيه الرجولة والأنوثة معًا، ولذلك، فإنه سيرتفع بالنساء إلى عليّين وهو يتعامل معهن فرديا، ولكنه - وعلى حين فجاءة منا- سيُضطرّ للهبوط بها إلى أسفل سافلين في موقف ما، خصوصا إن تبدّت لبصيرته الخبيرة بمكائد الرجال- وما أعظم كيدهم- في موقف الغافلة أو الساهية عما يدور في هذا الفضاء الاجتماعي من انحطاط وتشوُّهات الكيان الإنسانيّ/الرّجوليّ.

 وقد يسوق هذا المثقّف، مثل هذه المقولة، على سبيل التّحذير من مأزق السّهو، و الذي قد تسقط فيه المرأة، حينما تتصرّف على سجيّتها النقيّة المحرّرة من كلّ تلك العقد النّفسية والأمراض الذّهنية، السبّاحة في فضاء الأساتذة والمثقفين، و تغفل عن التفطّن لأصول  البدائيّة والوحشيّة التي تعشعش في عقول النسبة الغالبة منهم، و في أعماق الفضاء الأكاديميّ بوجه عامّ...

 فكما سبق وأن أشرنا: فإن الوسط الجامعي والثقافيّ عموما، لم يعد يختلف عن طبيعة الأوساط في الشّارع العامّ، حيث يجوز للواحد منا أن يتوقّع أسوأ ما يمكن من مظاهر الانحطاط و البدائيّة والاختلال...؟؟؟ كما إن هذا النموذج المنفتح/المنغلق في آن، والذي ساقت هذه الوقفة التأمّلية/التحليلة مقولاته، يوافق واقع الحياة المعيشة، و لا يمكنه أن يتخطاها، مادام وعيا مشروطا بما يتغذى عليه عقله الباطن من قيم ومسلمات. وها هو، يعترف بنفسه، ويصف راهن الوعي الذّكوريّ ويقرّ بانحطاطه، ولكنه أيضا يقرّ بأن الأنثى ستكون ضحيّة هذه العقلية الذكورية المغلقة، مادامت مُهيمنة بمعية السيادة الاجتماعيّة.

 إنّه يعترف بأن أستاذة ما قد تقصد زملاءها في ضرورات مهنية ما، وتضطر لتوجيه خطاب عملي إليهم، أي توجيه رسالة إنسانية من خلال اعتبار هؤلاء يشتركون معها في الإنسانية، إنه يقر أن تلك الأستاذة الوقورة التي قد توجه رسالة ما إلى زميل أو مجموعة زملاء، ستُؤوَّل-في الغالب الأرجح- مباشرة تأويلات أخرى، ولن يتلقى هذا الرجل من تواصلها سوى مغزى وحيد: أنها أنثى تريد رجلا؟؟؟ أو بالأحرى: ترغب فيه ذكرا؟؟؟ وهنا، سيبدأ عمل المخيّلة الذكوريّة (الحالمة)؟؟؟ وأية أحلام هي؟؟؟ إن هذه الأستاذة، أو تلك المثقفة، لا تعامل الرجال إلا بنيّة الحصول على زوج...

 فهذه الأنثى، مستباحة، بلا رجل يكمّلها، وهي ستفقد قيمتها ومعناها كأنثى بالتدريج، كلّما ظهرت للوعي الجماعيّ على هذه الحال، أي ملاحقة الرّجال في هذا الفضاء، وهي بلا ريب –في منظورهم- لا تنفكّ تلهث من رجل إلى آخر، والشّعور الثابت بالنّقص يلازمها في كلّ لحظة بل مع كلّ نفس تتنفّسه. أو أنها –في حالات أخرى- أنثى غاوية، لا تنفكّ تبحث عن ضحايا تتسلّى بهم. ولا تقوم لها حياة، سواء كانت متزوجة أم غير متزوجة، إلا بممارسة فنّ الغواية، ولو من وراء حجاب.

 بل ستبدو هذه الأنثى مستباحة بلا شرف...لأن الشرف في أن تكون – قبل مجاوزة سنّ العشرين- تحت وصاية رجل. بالأحرى - وعذرا من القارئ فالواجب استخدام الألفاظ لتؤدي معناها الدقيق- إنها مرئية من خلال أعين هؤلاء المثقفين بوصفها: أنثى/ فرج. وهي مع مجاوزة سن العشرين أنثى (عانس) و يجوز أيضا النّظر إليها بوصفها: (عاهرة). فهي أولا: لا ذكر/عضو تملكه؟؟؟ وثانيا: مستباحة لكل الذكور عبر الفضاءات الاجتماعية العامة، ما دامت مجردة من هذا الملك العظيم؟؟؟ وهي إذن، أنثى بائسة ولا قيمة لها.

 فهذه (المثقفة) عموما، لا تخرج عن حالتين: إما أنها متكبرة على الذكور(المثقفين) وتحسب لنفسها حسابا وتستحق أن ينزلوا عليها لعنتهم؟ وإما أنها منبوذة محتقرة كأنثى من طرف الذكور(المثقفين) فهم يصدّون عنها إلى غيرها من (الشريفات) خارج تلك الفضاءات (المستباحة) في مخيالهم الذّكوري، فهي إذن في المحصّلة وفي منظورهم هذا: كائن بائس لا قيمة له خارج (معيار) العضو الذّكريّ.

  وفي ظل هذه المعطيات، يصبح تعامل المرأة المثقفة مع الرجال المثقفين خطرا يتهدّد شرفها ومستقبلها، وقد يؤول مصيرها في هذا الوسط إلى (اللاشرف/اللاوجود)، مع أقل حركة قد تصدر عنها، والتي ستجد لها مخيالا خصبا من العقد والأمراض، يلهبها بالمعنى (القبحي) ويشيع عنها في الوسط حكما يتحول إلى قضاء مبرم: الأنثى اللاشريفة. وهنا، تتحول تلك المرأة المثقفة، على مكانتها، إلى مجرّد أنثى...(مسحوقة تحت أقدام مجتمع جاهلي)...

 إنه "الوأد النفسيّ للأنثى"، والذي لا يختلف إلا في ظاهره، عن الوأد الجسدي الذي كانت تتعرض له في عصور الجاهلية الأولى: حيث تدفن الأنثى حيّة، وليس المعيار أنها أذنبت ذنبا، بل المعيار هو كونها (أنثى)...(وإذا الموؤودة سُئلت(8) بأيّ ذنب قُتلت(9))(القرآن:سورة التّكوير) وكفى بهذا الفعل إثما وظلما، أن يذكر في القرآن في سياق ذكر أهوال يوم الحساب، و هذا (السؤال)(هول)، لا يقلّ هولا عن تلك الأحداث المفارقة في ذلك اليوم العظيم (تكوير الشمس/انكدار النجوم/تعطيل العشار/تزويج النفوس/نشر الصحف/تسعير الجحيم/إزلاف الجنّة...= سؤال الموؤودة)، هذه الأخيرة ستنطق بالحق، كأي مخلوق في يوم الحق/الجزاء، يشهد - طائعا أو مكرها- على نفسه قبل شهادته على غيره بأمر من الله، وإذن، فإن العبرة في سياق الآية بالجواب، لأن الجواب لازم السؤال، والجواب، إذ تنطق الأنثى عن ظلم الرجال، يستلزم لا محالة ظهور ذلك الظلم الشنيع، أي (الوأد دون ذنب)، وهو ما يستلزم هول العقاب انتقاما من الظالمين بالضّرورة.

ولسنا نبالغ، في هذا الوصف الصادق، فهو توصيف تحليلي للواقع المعيش وللمخيلة الذكورية المهيمنة جمعيا، الفاعلة في الفضاء الأكاديميّ.

 إن الأنثى مهما بلغت من ترقّي، ومهما تجمّلت بالفضائل، ومهما غرفت من أنهار المعرفة، فإنها في مواجهة هذا الصنف من المثقفين الزائفين، ستظل الأنثى التي لا معنى لها إلا ما يريده لها المجتمع، فإن رضخت وأذعنت وأسلمت للإله/الذّكر، وكانت الأنثى التي يريدها،  فنعم الأنثى هي. وإن شهدت بأنها إنسانة خلقت للكرامة وللعلا، فبعدا للأنثى المتمرّدة، و لا قيمة لها إلا ما جادت به السيادة العليا...

 وهي إن غفلت عن المقصلة الذكورية لحظة...فستلفي نفسها غارقة في بحر من الشبهات والتهم والأحكام القضائية، التي لا نهاية لها بمقدار لا نهائية فضاءات المخيال الذكوري التي تنتجه...وستسمع بعد غفلتها، حكما عليها بالإعدام. وستجد نفسها حتى وهي تلك (الملاك الطّاهر)...مجرد أنثى مسحوقة تحت أقدام المجتمع...أليس هو تلك السلطة الأعلى التي يحق لها أن تحكم بمعيّة (وعي ذكوري بدائي) عاجز عن أن يرقى إلى تمثّل صفاته الإنسانية...؟؟؟

(العماء) الذي يحكم علاقات الرجال بالنساء في الأوساط المثقفة، ينزع أن يجسد فوضوية وعبثية ...حيث لا شيء سوى العماء الثقافيّ/الاجتماعيّ.

 

*جامعة جيجل 

شوهد المقال 3245 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فوزي سعد الله ـ من قلب الوباء...نتذكَّر عظماء العشَّابين المسلمين في الأندلس والأطباء

فوزي سعد الله   لم تتوفر عند أهل الأندلس شركات متعددة الجنسيات لإنتاج الدواء واحتكاره بدافع الجشع لتعظيم الأرباح.كانت الأندلس تتداوى ذاتيًا بمختلف الأعشاب والفواكه وما نفع
image

محمد هناد ـ تبرعات المسؤولين السامين في الجزائر

 د. محمد هناد  طبعا، من حق سلطات البلد أن تطلب من السكان الإسهام، ماليا، في مواجهة الوباء الحالي. لكن المثل الذي جاءنا من الرسميين (عسكريين
image

وليد عبد الحي ـ أولوية السيناريو الأسوأ في مواجهة " كورونا"

 أ.د. وليد عبد الحي  في مقال سابق هنا : عن السيناريو الأسوأ يتعزز بهدوء .. السيناريو الاسوأ يتعزز بهدوء وليد عبد الحي عند المقارنة بين نسب الاصابة
image

عثمان لحياني ـ نحن الأفارقة.. وفرنسا العريانة

 عثمان لحياني  هل كان على الجزائريين والأفارقة انتظار أزمة كورونا وتصريحات أطباء فرنسيين بشأن اجراء تجارب لقاح مضاد لفيروس كورونا أولا على الأفارقة
image

وفاة الأديب العماني مبارك العامري ..رحمه الله

الموت هو مرحلة الواقع الوحيد الذي لايتغير في هذه الحياةوهو يوم موالي لما بعده...لكن من أثره باقي وفعله قائم "لايموت"مرهق ومؤلم جداً هذا الخبر ومع
image

رضوان بوجمعة ـ ذهب بوتفليقة و بقي النظام الذي فرضه...

د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 174   يمر اليوم عام كامل على تنحي عيد العزيز بوتفليقة من رئاسة الجزائر بعد 20سنة من ممارسة الحكم،
image

عثمان لحياني ـ مراجعات الضرورة ..الصحافة والثرثرة

عثمان لحياني  وجدت نفسي أسأل مجرد سؤال ، كم حظي بونجمة وولد عباس مثلا من مقابلة في القنوات والصحف وبكم حظي عالم النازا نور الدين
image

العربي فرحاتي ـ في هذه الذكرى ..كم كنا سنكون سعداء ؟؟

د. العربي فرحاتي   نحن اليوم على مسافة سنة كاملة من فرض تطبيق المادة ١٠٢ من الدستور على الشعب والالتفاف على مشروع الحراك وتحريفه عن
image

عثمان لحياني ـ من ثقب ابرة .. بوتفليقة

 عثمان لحياني اختار بوتفليقة لنفسه هذه النهاية غير موفقة سياسيا برغم تاريخ حافل ، بعدما أرسى على مدار 20 سنة تقاليد حكم هي خليط سياسي
image

السعدي ناصر الدين ـ فكرت..ترددت..ثم قررت ان أقول : المحاكمات الجائرة للأحرار

 السعدي ناصر الدين  كانت الجمعة 56 المصادفة لـ13مارس2020 فرصة كبيرة لتوسيع وتعميق النقاش الذي بدأ في اوساط الثورة السلمية قبل ايام لوقف المسيرات من اجل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats