الرئيسية | مجتمع الوطن | سلمى بنت مصطفى اللواتية ...................... وهل جزاء العشق إلا العشق؟!

سلمى بنت مصطفى اللواتية ...................... وهل جزاء العشق إلا العشق؟!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سلمى بنت مصطفى اللواتية

هذه المرة بين يدي رباعيات عشق لا يتكرر، ومساءات حنين تختلط ببُعد المسافات ولوعة الفراق.. إنها رباعيات ألهم القرب صاحبها، وأما الآخرون فهي زاد الصبر لبعادهم، وعظيم أنينهم، و للزمان حُكم، كما للمكان أيضًا في شريعة العاشقين ينهلون منه ما شاؤوا، ويدَّخرون للقادم من الأيام زادًا يُعينهم على نار الهجر، ويحتفلون بمواسم اللقيا أعيادًا، يُراجعون ذكراها عامًا بعد عام؛ فسنَّة الحب جرت أن تدوم له ذكرى ويكون لوقتها ميعادٌ لا يجوز خلفه. وحق لمن أذن له الحب اللقيا أن يكون له عيد. وأما الرباعيات فسأدعوكم لإحداها؛ لعلَّي أبث بعض الشكوى وأنعم ببعض النجوى معكم:

((ها أنا طائف ببيتك والأعين...

غرقى بأدمع الإيمان

والشفاه الظماء تهمس بالذكر...

حروفا مُعطرات المعاني

لكأنني أحسُّ والصوت ينساب...

لذيذا كغفوة الوسنان

بربيع الألطاف يخضرُّ في روحي...

فتهتز للشذى الريان))

تلك همسات حج بثها السيد الراحل محمد حسين فضل الله -رحمه الله- في حجه، ولست أدري لماذا التفتُّ إلى ديوان رباعياته المعنون بـ"يا ظلال الإسلام"، دون غيره في الأيام الفائتة، ربما كان مقدرا لهذا الشوق أن يحط رحاله على الصفحات ليكون الشعر هو المحفز. شوق نحو المناسك الوتر في سمتها وأدائها، دونا عن كل الفرائض, كيف لا وهي تحكي القصة منذ المولد وحتى المحشر؟ أوليس هكذا يترجم العلماء لمعاني الحج وشعائره؟ ولا شك فللوحيد في صفاته شوقٌ وحيد يُلهب كل القلوب، فيسكنه البعض برحيلٍ مباركٍ نحو الديار المقدسة، وهم الثلة المحظوظون من بين ما يزيد عن المليار مسلم!! والذين يجهدون بالدعاء ليكونوا منهم. أما الآخرون -و هم الأغلبية- فيحكون لك عن منظر البيت العتيق المتفرد ببهائه هذه الأيام خاصة، ونتسمَّر كلنا أمام الشاشة بعض أوقات نتابع فيها المطاف والمسعى، ونترقب خيام مِنى وعرفات، والجمرات، وكأنها المرة الأولى، التي نراها فيها!! يالفعل الهوى!! وياللآثار العشق!! أيام عشرة يحجونها فنشتاق، وينعمون بعيدها فنشاركهم دون منسك أديناه!! يا سبحان الله!! ولكنها سنة العاشقين، وهل جزاء العشق إلا العشق! عشق نازلٌ ببركة سماوية، ثم صاعدٌ بنجوى الوالهين ليكون الجزاء عيدا تُغفر فيه الذنوب، وتأنس بحضوره القلوب! كان هذا حديث نفسي حين قارنت العيدين عيد الفطر الذي يصوم قبله المليار مسلم، ويتخلف ذو عذر مقبول، فيستحقون الجائزة بعيد مبارك، أما أن يحج الثلة، فينعم المليار؛ فذاك كرم لا محدود لأمة ولِهت، فحق لها الفرح... إنه الحب، أول طريق الوصول إلى المقاصد والأهداف، وهو كذلك دائما"، وكأنه تعالى جعل الحب في نفوس عباده منحةّ من لدنه وطيدة بنفخة الروح، وهو ربما السبب في أنّ من يحب بإخلاص لا يمكّنه عشقه ذاك للميل إلى الكراهية يوما إلا لو كان ذا قلب سقيم. لاحياة بلا حب فقط عليك توجيه الشراع نحو الرياح الأكثر جدوى، ثمة حب ٌنقي تماما عن أي إشكال شرعي أو اجتماعي، هو حب طاهر بعيد عن الخوف والقلق والتأنيب؛ إنه حب الله الذي ينسكب جدولا في أيامه -أي أيام الله- ليدعو قلوبا طبع عليها ران هجرٍ، لا مزيل لصدئه، سوى أنين الوالهين، وسجود العابدين. وفي عروج الروح نحوه، أو حلوله فيها في أيام معلومات تجربة لمن يتساءل عن حب الإله كيف يكون طعمه، وكيف يسهد الليالي ويزيد من كدح الأيام المستعذب في ذات الله، إنه هنا ساكن في الأعماق هذه الأيام فإذا استحليتموه؛ فهاكم الدرب مفروش للسالكين.

... الدين مُحمدي، والحج إبراهيمي!! لست عن الرواية والحديث والتاريخ أحكي؛ إنما عن العشق الذي استحق به إبراهيم (ع) أن يُسجَّل حدثًا سماويًّا إنسانيًّا سنويًّا باسمه إلى يوم يبعثون!! عشق تسامى عن المادة نحو الأزلي في يقين أنه الذي لا تضيع لديه الودائع. مرتان أليمتان في حياة إبراهيم (ع)، كلما مرَّا بخاطري اقشعر بدني وأسكتتني الدهشة من شرحهما: "رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" (إبراهيم: 37)، قالت له هاجر حين همَّ بالرحيل عنها وعن رضيعها، لمن تكلنا؟ تريد أن تقول له إن الصحراء محرقة والأرض يباسة بلا نبات ولا ماء فيها، وحتى لا إنسان واحد فيها!! إلى أين ترحل يا زوجي الرؤوف، يا أيها النبي الرحيم؟!! ولكأنني أراه يعرض عنها مُكفكفا دموعه في جواب الواثقين: إلى الله، وكفى. عشق متبادل وتوافقُ الطيبين والطيبات، إن كان الله قد أمرك؛ فنحن طوع أمره، اذهب إلى ما كُلفت به. عشق متبادل بين زوجين يهبان المعشوق الأبدي، الله عز وجل. ثم حين يبلغ السعي يراه أنه يذبحه، فيستسلم طائعا غير مبالٍ بسوى رضا المعشوق!! وكان إبراهيم أمَّة، رجل قاده عشقه ليكون بثقل أمّة، وعطاء أمّة، نعم فكان الحج إبراهيميا.

وهل جزاء العشق إلا العشق!! وكانت الهبات السماوية، زمزم رضاع إسماعيل الصغير، والهدي سنة إبراهيم الخليل، والدرس لأمة محمد، أن الهدايا الكبيرة لا تأتي إلا بعد التضحيات العظيمة!!

هكذا يكون الحج مؤثرا مصحوبا بالعشق المستجاب الدعوة في نداء إبراهيم، "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم". إنها الفريضة المصحوبة بالهوى، الملبية للمعشوق الّذي خلق الحبَّ معجزةَ كونه ووجوده، ومن أجل من الأم حين تعشق وليدها؟!! بأمر هذا العشق صعدت ونزلت هاجر ساعية بين الصفا والمروة في لهيب الجزيرة باحثة عن قطرة ماء لوليدها تلهث بشفتين مشققتين ولسان يلهج: ربِّ قد أوكلنا إبراهيمك إليك! وإكراما لهذا العشق ستسير قوافل الحجاج إلى يوم القيامة تمجد سعي أمٍّ هامت لله وهامت للوليد، وهامت بنبي الله، إكراما لامرأة اجتباها الله لتحقق أهداف الأنبياء العظماء؛ وعادت هاجر بنبع لا بقطرة، كرم لا محدود، ومرة أخرى، وهل جزاء العشق إلا العشق!!

عشقٌ لا يكتمل قمر شهره إلا بعد الجمرات والنفير كيوم الحشر متجهين إلى ميدان العمل والأداء؛ مُعاهدين أن نظل طائفين حول المركزية الكبرى وجاذبية العشق العظمى في طواف أخير وسعي تأكيدي على العشق في ميدان الحياة ودروبها، حينها فقط تكون ليلة الرابع عشر من ذي الحجة اقتربت واكتمل القمر مؤذنا بقبول العمل في ليالٍ بيض أنيقة في السماء خاشعة في قلوب الحجيج، ودموع من لم يحج؛ فقد اغترف من العشق غرفة هيام ونوى برحيل إلى مكة الجهاد وعرفات الاعتراف ومزدلفة الزلفى، في زمان ما قادم، وهل تنطفئ نار الهوى إلا بوصل الحبيب؟!

... تلك خواطر جالت بنفسي الهائمة إلى البيت العتيق، والركن والمقام والمشعر الحرام، وحنين إلى المبيت في منى، في ركاب الحجيج الملبين، فحججت بها، رجاء أن أكون ممن كان جزاء هواهم وصلًا وقربي، وكلِّي بربي يقين؛ فوربك ليس جزاء العشق إلا العشق!!

 

الرؤية العمانية  

شوهد المقال 2958 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats