الرئيسية | مجتمع الوطن | محمد غازي الأخرس .......................... أبو عمر

محمد غازي الأخرس .......................... أبو عمر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد غازي الأخرس

 

لا أدري لماذا كلما سمعت بخبر انفجار يحدث في هذه المنطقة إو تلك تذكرته وأنا أبتسم، أبو عمر، زميلي في العمل، الضاحك من مأزق اسمه، الساخرُ ربما مما يودّ الإرهابيون إيصالنا إليه، أعني جرجرة الناس من أسمائهم وكناهم، ليقتتلوا على حافتي خندقٍ قديم ورثناه عن بربرية أجدادنا، وها نحن نملأه بالجثث من الجانبين بمساعدة خبيثة من جهاتٍ لا نعلم عن هويتها شيئا رغم إننا نعرف أهدافها جيدا.

أبو عمر هذا يبتسم كلما لاقاني ولا يتوقف عن تذكيري بمأزقه الذي هو مأزقي عبر هذه الحادثة أو تلك، وإليكم آخرها؛ قبل قرابة أسبوعين، أثناء تفجّر الجدل والمشاحنات حول ما جرى في الأعظمية حين شتم أحدهم الخليفة الثاني، صادف أن ذهب أبو عمر ليعزي بمأتمٍ في منطقة "سبع اقصور"، ثم ما أن جلس وتمتم بسورة الفاتحة، حتى انهال عليه أحبابه بالعبارة التقليدية - الله بالخير أبو عمر .. الله بالخير أبو عمر، وهنا انفجر بهم ساخرا - يمعودين شخبصتوني أبو عمر وأبو عمر، هو عمر الأصلي لعبوا به طوبه في الأعظمية، النوب آني ! فضحك المعزّون من مأزقهم ومأزقه، وإذ أقول مأزقهم فلأن صاحبي عاش في مدينة "الثورة" ورافق تحولات أسمائها "من قالوا بلى" إلى أن صارت "الصدر"، وهو في ذلك لا يختلف كثير اختلاف عن الآلاف من أبناء طائفته، فبات، مثلهم،"ثوروي" العينين والشفتين وشمرة اليدين. في تلك المدينة نشأ وفي قطاعتها ترعرع، تماما مثلما حدث لرفاق مأزقه كـ"أبو كرار" الساكن في الأعظمية أو "أم سجاد" المولودة في الفلوجة ، مثل "أدور" أو "مادلين" أو حتى "يوشع" قبل أن يطرد من جنة بابل.

في طفولتي الساحرة كنت رفيقا لصبيان من الصابئة المندائيين يسكنون في دربونتنا، كانت لهم ثلاثة بيوتٍ تتجاور في الركن وكانت أم محمد، المندائية ذات اللهجة المنكسرة الجميلة، تناولنا دولكات الماء أثناء لعبنا الصاخب في الساحة المحاذية لبيتها.

كانت تلك المرأة تحبُّ أمّي، وحين عدت من الجبهة ناجيا من هجوم هور الحويزة الرهيب، لمحتني من بعيد وأنا أحمل حقيبتي، فهرعت تهرول لمنزلنا كي تبشّر صاحبتها. لن أنساها وهي تركض وتدفع الباب قبلي وتصرخ - قرّة عيك ام منتظر، محمد رجع.

لا أدري ما الذي جرى بالضبط، لماذا هرب محمد رحيم، صديقي الصابئي، من بلده، لماذا هاجر منذر وثائر، ومعهم ربما نضال، أختهم الكبيرة المريضة التي كانت تدور في الدربونة متهدلة الثوب دائما، وكنا نشفق عليها ونعود بها للبيت عصرا ونحن نضاحكها. ما الذي جرى، ما هذا المأزق المهول الذي جعل من أبي عمر يخاف من كنيته ويكرهها ربما؟ أهو ارتدادٌ لسرداب البربرية الذي قرأنا عنه في كتب الانثربولوجيين أم هو سوء طالع هذا الشعب الطيب الذي كتب الله عليه التنوع وابتلاه به.

نعم، مع كل انفجار في منطقة ما، سنية أو شيعية، مسيحية أو تركمانية، أتذكر أبا عمر، صديقي النقي الذي طالما قاسمته الزاد أثناء العمل مع الزملاء حتى أننا، في محرم الماضي، فضلنا "الطبخ" الذي جاء به من بيته ورحنا نقارن مازحين بين "البرياني" السنّي وأخيه الشيعي .

أي وحقكم إنه لمأزق، أن أتذكر أم محمد وأوشك أن أبكي، ثم أتسمع للانفجارات فاستحضر أبا عمر متخيلا ارتباكه وهو ينادي في المأتم:

- الله بالخير أبو عمر!

 

العالم العراقية . 

شوهد المقال 1853 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ سنة أولى حراك

سعيد خطيبي   في أكتوبر 1988، عاشت الجزائر ثورة شعبية ضد النّظام، كانت لحظة فارقة، ترتبت عنها تغيّرات جوهرية في البلد، وكان يمكن لها أن تكون
image

مصطفى كيحل ـ الحراك وسيكولوجيا الحشود

   د. مصطفى كيحل  ساد الانطباع في الجزائر منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي ، أن التغيير بالشارع أو بالحشود و الجماهير غير
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك الشعبي...بين Frantz Fanon وDavid Galula.....و فيلم الأفيون والعصا

عبد الجليل بن سليم  في قول واحد كل من Frantz Fanon و David Galula هما الوحيدان اللي فهمو التركيبة النفسية و العقلية للجزائري كان
image

رضوان بوجمعة ـ الوحدة في عمق "الثورة السلمية" الذكية

 د. رضوان بوجمعة    الجزائر الجديدة 161   التقيت اليوم في الجمعة 53 مع جزائريين وجزائريات من ولايات مختلفة تسللوا إلى العاصمة التي تحولت إلى منطقة "شبه
image

فوزي سعد الله ـ عن وُصول "أهل الحمراء" من غرناطة إلى عَنَّابَة

فوزي سعد الله   "...منذ نحو 5 قرون، يُحكى في الروايات الشعبية في مدينة عنابة، لا سيَّما في الوسط الحَضَري، أن سقوط غرناطة عام 1492م كانت
image

جباب محمد نور الدين ـ النظام : الحراك وراءه والخراب أمامه ولا مفر له

د. جباب محمد نور الدين   لا أزال أذكر كان يوم جمعة من سنة 2001 عندما اتصل بي الصديق عبد العزيز بوباكير من مقر "
image

نجيب بلحيمر ـ محاولة فاشلة لسرقة ثورة مستمرة

نجيب بلحيمر   بعد جمعة مشهودة عاد الجزائريون إلى الشارع لإحياء ذكرى انطلاقة الثورة السلمية.. في العاصمة ومدن أخرى كان إصرار المتظاهرين على النزول إلى
image

فضيلة معيرش ـ الأديب طيب صالح طهوري لا تشبه كتاباته أحدا ولا يمكن أن تسند لمن سبق من كتاب وشعراء

فضيلة معيرش  ولج عالم الكتابة منذ ما يقارب الأربعين سنة ، أديب طوع الحرف فاستقام له جاب بساتين الإبداع فقطف ما لذ له وطاب من شجرها
image

يسرا محمد سلامة ـ هوس الشهرة

 د. يسرا محمد سلامة   أنْ تكون نجمًا مشهورًا تلك نعمة ونقمة في نفس الوقت؛ لأنّ ذلك يعتمد على طبيعة الشخص نفسه، وما تربّى عليه طوال حياته
image

د. يسرا محمد سلامة ـ البداية ونهاياتها

 د. يسرا محمد سلامة البداية، كلمة ممتعة بها من التفاؤل الشئ الكثير، تجمع في طياتها الطموح، والتحفيز، والمثابرة على إكمال ما يبدؤه الشخص من عمل، علاقة،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats